90s fm

الاثنين، 29 نوفمبر، 2010

يوم رحلت الجدة


باختزال مخل بالمعنى: ماتت الجدة!

أتلقى الخبر فلا أستوعبه، جدتك فلانة ماتت.

"فلانة ماتت" اختزال يطوي، باستهزاء نادر، نحو سبعين سنة عاشتها الجدة، ويسخر من عشرات السنين الأخرى التي نتقاطع_نحن الأبناء والحفدة_ معها فيها.

ماتت كما كنت أتمنى منذ عشر سنوات:

وأنا بعيد..بعيد جدا.

لا أرى العيون الباكيات، لا أسمع الصراخ المكتوم، ولا أتورط في مراقبة النعش كي أتأكد أن الجدة ماتت، وأن الآخرين لا يخادعونني كالعادة.

يذهب معها تاريخ طويل من الانحياز لصفي_ حقا وعن غير حق، وتتبدد ذكريات_مشوشة بدورها_ عن طفولة قضيتها بكنفها أضع فيها القواعد الأولى لعالمي المتخيل، وأرقب كل شيء من طرف خفي.

لم أتورط في بكاء من أي نوع، ولم أفتش في ضميري عن السبب (نضج؟ جمود؟ ثبات؟ إيمان؟ تمرس في إدارك قواعد الحياة؟ بلادة؟).

أسترجع رائحة خبزها، رائحة شالها، مذاق غداء الجمعة وأنا بجوارها_دونا عن باقي الأحفاد_ أحتل مكانا في الصدارة يستمد مكانته من هيبة شاغلته.

كل الأطباء بنظرها يشبهون أحمد ابن بنتها.كل شيء جميل يمت إليه بصلة ما. كان بنظرها وضعا استثنائيا لا توجد المبررات الكافية لاستثنائه على هذا النحو.

ينقل لي أحفادها الأقل سنا( الجيل الذي يليني وأقراني) الأساطير التي تنسجها بشأني، والحكايا التي ترددها للجارات فخرا وكيدا، فرحا وارتكازا على مبادئ الجاهلية الأولى "أنا خير منكم وحفيدي خير من أحفادكم".

أترحم ترحما مشوشا، وأجزم بيني وبين نفسي: لن أذهب لبيتها كي أفتش عن طيفها تارة أخرى، لن أبذل نفسي حنينا على ما كان.

سأقلدها تماما في آخر عمرها..أتوهم أصوات الراحلين السابقين..تدعوني للحاق بهم. وسأسمع صوتها المبتهج "تتعشى يا ميشو؟". رحمها الله كانت تدعوني "ميشو" ولم أسألها عن السبب أبدا.

العمر قصير وإني لاحق بك عما قريب أو عما أقرب..ما أقرب الملتقى يا جدة؟

يرحمك الله..ويرحمنا..السلام أمانة عليك لأهلينا..لكل العظام الراقدة.

الأربعاء، 3 نوفمبر، 2010

انحيازا للشلل


حين ترتعش يدي أحس بالأمل

لأن الشلل لم يجتاحني بعد(إنها سليمة وتنبض بالحياة)..أذهب إلى جدتي أطمئنها، أقول لها انظري: إنها ترتعش!

لن أشل كما توعدتك جارتك القبيحة التي تنشغل بالسحر والأعمال..قبل عشرين سنة..

(حفيدك سيشل أمام عينيك وتبكين عليه دما)

أتذكر أني لم آكل منذ الصباح..فأقول: حق لها أن ترتعش..

يا جدتي لا تخافي علي..أنا أقرأ المعوذتين ولا أخلع عن عنقي حجاب الحفظ..أنا أخاف عليك في شخصي يا جدة.

بل لقد كان مثاليا جدا _لمن هم في مثل حالتي_ أن يعتزلوا الآخرين قليلا..

دفء يد الحبيبة في يدي..سيوقف رعشتها رويدا..كأنها على وشك الشلل

كف صاحبي التي تهوي على كفي (ممازحة) ستبعث في جنبات اليد تنميلة خفيفة..كأن الكف على وشك الشلل

زيغ بصري من السماء لأرض الغرفة خير من تثبيتها على الحبيبة (أدعوه تملية العين)..لأن في الثبات إرهاصة الشلل..

اصطكاك الأسنان بردا..فيه حركة مضادة_ولو معنويا_ لمنطق الشلل

حين تجتاع الرعشة جسدي كلية أحس بالأمان..فالاهتزاز عن الموضع ينفي إمكانية الشلل..

حين تتداخل الأفكار في الوحدة أحس باضطراب فوضوي يرفع عن كاهلي ثقل هاجس: في السكون شلل..

هاتي خبزك الساخن الطازج يا جدتي..ففي خبزك المأمن من كل شرور العالم..هاتيه وطمأنيني..

واتركي يدي مرتعشة..ففي الارتعاش انحياز مسبق ضد الشلل..

الاثنين، 1 نوفمبر، 2010

بخصوص أمر زواجنا الآنف الإشارة إليه ديالا


بسم الله الرحمن الرحيم

حبيبتي ديالا،،
إلى أن يصلك خطابي هذا، من المؤكد أن محبتك ستكون قد تضاعفت بداخلي عشرات المرات، ومن المؤكد أن أشياءا كثيرة ستكون قد جرت في النهر..نهري ونهرك.
آثرت أن أراسلك هذه المرة بجواب خطي بعيدا عن جمود البريد الإليكتروني الذي لا يتيح لك فرصة إبداء التعجب رقم 108 من الطريقة التي أكتب بها حرف "الحاء"..
لا أتذكر هل كان تكرارك لهذه الملاحظة مملا أم لا؟ "أحمد أنت تكتب الحاء كما لو كنت ترسم النصف الخلفي من طاووس شفاف". لكن 107 مرة من إبداء الملاحظة ذاتها كان كفيلا بإثارة خيالي نحو نصف طاووس شفاف.
لن أتطرق هذه المرة للفتاة التي كنت بصدد خطبتها، فقد حكيت لك مسبقا أسباب الفشل، لقد خلق كلانا لكلينا. نقتسم الغلاسة ذاتها والتفاني نفسه والقدرة على المصارحة المستفزة، حتى اسمينا يليقان على بعضهما جدا كزوجين (أحمد& ديالا).
وجدت اليوم بالصدفة أثناء ترتيب مكتبتي، المسودات التي أعددتها لمساعدتك في الحصول على الماجستير، هل تتذكرين الأيام المضنية التي قرأت لك فيها شروح المتنبي " فإن في الخمر معنى ليس في العنب"؟
قدرتك على التداعي اللغوي ليست هي الأمثل، لكنها ستمكنك حتما من إنجاز رسالة دكتوراة حول التوظيف المجازي لمفردات الطبيعة لدى المتنبي وتي إس إليوت.وستصيرين بعدها أستاذة في الأدب المقارن واللسانيات في إحدى الجامعات البريطانية المرموقة. ثم ماذا؟
ثم الكثير من الهراء إلى أن يتوفاك الله.
تعالي هنا إلى مصر، تجلسين مع عماتي وخالاتي وتتعلمين لف المحشي، وآخر النهار سنتداول كل الشؤون الكونية التي تؤرقك..اقتصاد السوق والتدين الجديد والحضارة الفرعونية وفلسفة سارتر..
دعيني أعول على هذا الشعور اللطيف الذي يجتاح كلينا كل مرة نلتقي فيها، دعيني أخبرك أن المتوترين الكئيبين أمثالي لا تخذلهم الطبيعة ولا تتخلى عنهم الأقدار.
أقرأ قصيدتك المكتوبة بفرنسية رائقة كي أحس ألف مرة أنني في أرض غير الأرض وتحت سماوات غير السماوات.أأنا هذا الذي كتبت فيه هذا يا ديالا؟
(مشرق كالشمس، حي كالنبت الأخضر، خفيف جدا كأنه لا يدب على الأرض بقدمين، يكاد يطير ويحلق عاليا، يكاد يرتحل إلى إلهه الذي يعبده في أي لحظة..

يدهشني ذكاؤه..تجتاحني عاطفته..ويستوقفني الشيء المجهول المتناقض في كل ما يقول..إنه الشيء وعكسه كما كل شيء في الكون..من فلسفة كانط إلى مباديء بور..أنا أحبه فحسب).

تعالي هنا..أزرع أنا أرض جدي.. وتلفين أنت المحشي وتقرأين سارتر.
ملحوظة: إذا لم يصلني ردك خلال السنوات الخمس القادمة، سأكون قد تزوجت من ابنة خالتي على الأرجح. وذلك لأسباب كثيرة ليس من بينها دراسة المتنبي.