90s fm

الأربعاء، 26 يناير، 2011

عن كفار قريش والنظام الحاكم وحجب فيسبوك


لا أستطيع طرد صورة الرعيل الأول من كفار قريش عن ذهني، كلما تابعت تصريحات ورؤى دهاقنة النظام الحاكم بشأن "فيسبوك". أتذكر الفنان عدلي كاسب وهو يؤدي دور أبي جهل في فيلم "فجر الإسلام"، بينما يردد بغيظ واضح :" إنه يؤلب السادة على العبيد".

لا تتوقف الصحف الحكومية على مدار ثلاث سنوات عن استضافة خبراء قانونيين واجتماعيين للتشكيك في نوايا الموقع الشهير، وللتحذير من مخاطر التعامل معه.

يقولون أن الفيسبوك خطر داهم، قد يحصل أحدهم على صورة إحداهن ثم يجري عليها بعض التعديلات ويطرحها في الأسواق العنكبوتية عارية..ياللمسكينة.(إنهم يفرقون بين المرء وزوجه).

(كلهم يذكرون نفس المثال تقريبا منذ 3 سنوات).

جهل فاضح يخلط بين الفوتوشوب (برنامج) وبين الفيسبوك (موقع) وبين الانترنت (شبكة)، لكنه يعكس بوضوح أن هناك أزمة جيلية في النظام الحاكم تحول دونه ودون فهم المتغيرات الجارية.

السبعينيون لا يستسيغون التعامل مع الحاسوب، ليست التقنية الحديثة هي ما يحتاجون إليه لحكم الشعوب، هو ترف استحدثناه، نحن الجيل البسكويتي الذي لا يستطيع تدبر أموره ولا يعرف شيئا عن أي شيء ويأكل مولتو بين أكلة وأكلة.

بخيالي: يحاول طاقم واسع من خبراء الأمن والسكرتارية تفهيم أفراد العصابة المسنة ما هو الانترنت وكيف نستعمله نحن الأوغاد الجدد، لكن حتى مع الاستيعاب النظري لطبيعة الشبكة العنكبوتية، هم لا يفهمون روحها.

لفت المدونون الأنظار في الفترة من 2004 وحتى 2007، لكن مع بزوغ شمس "فيسبوك" توارى بلوجزبوت كثيرا، كان الأمر برأيي مفهوما جدا، تكلفة إبداء الرأي على المدونات أعلى منها على "فيسبوك". أنت تحتاج في المدونة لنص مكتوب وصورة مصاحبة وربما ملف فيديو في بعض الأحيان، أي أنك تحتاج لعملية ذهنية معقدة بعض الشيء: فكرة للكتابة ، الكتابة نفسها، رفع الملف المكتوب، رفع أية وسائل توضيحية.

بينما في "فيسبوك" الأمر أسهل بكثير، فقط جملة واحدة status قادرة على إبداء رأيك فيما يجري، وبجملة واحدة يمكنك التعبير عن رأيك فيما يكتبه آخر، وبضغطة واحدة على الخيار (like) تعكس استحسانك لكلام أحدهم دون بذل جهد يذكر.

بضغطة واحدة تلتحق ب"جروب" وبضغطة تتركه، تعبر عن رأيك وسط الزحام، حيث يصعب استثنائك وحدك وتتبعك أمنيا ، فضلا عن عدد من العوامل النفسية الأخرى المتعلقة بإمكانات الموقع من نشر صور شخصية والتعريف بالذات بصورة شبه كاملة (الاسم والعمر والتعليم والمهنة والاعتقاد السياسي والديني والأفلام المفضلة والنادي الذي تشجعه...).

تحجب الحكومة "فيسبوك" حين يتحكم في القرار رجل سبعيني، كان أوج عطائه(أو ربما عكه) المهني لبلاده، أيام إدارة ريجان في الحكومة الأمريكية، بينما هو أجدر ما يكون اليوم مسترخيا في مزرعته الهادئة يداعب أحفاده ويكتب مذكراته، ويدرك أن سنة الحياة قد جرت عليه كما جرت على الذين من قبله وكما ستجري على شياطين الفيسبوك بعد عدة عقود.

قالت الحكمة : الإنسان عدو ما يجهل.

الأربعاء، 19 يناير، 2011

عن جولدا التي تبكي..


فاصل أول:

قبل عامين تقريبا، التقيت جولدا..

صغيرة هشة تبلغ من العمر عشرا..

كانت تبكي أمام إحدى محطات المترو بكاءا هادئا، ينساب على وجنتها السوداء رقراقا..يوخز الضمير بلا صخب..

طفلة إفريقية الملامح لا تستدل لها على وطن بعينه..بجعبتك حقيقة واحدة فقط: جولدا تبكي.

سألتها ما اسمك؟ قالت :جولدا..فقلت تعرف العربية..

من أين يا جولدا؟ "من الجنوب".

قالت "الجنوب" فحسب..

لم تقل "السودان" أو حتى "جنوب السودان" ..فكان لي أن تخيلت رحلتها الكاملة هي وأسرتها البائسة حتى وصلت القاهرة واستقرت فيها..وكان أن استشرفت مستقبل السودان من كلمتها المقتضبة الدالة.."من الجنوب"

كانت ترتدي زيا مدرسيا بريئا يخاطب مشاعرك كلها دفعة واحدة..

جولدا تبكي..

لماذا تبكين؟ ضاعت نقودي..ليس معي ثمن تذكرة المترو..

أخذتها من يديها وقطعت لها تذكرة ووضعتها على رصيف القطار الذي ستستقله إلى أمها..

فاصل ثاني:

على مدار شهر أرتبك وأحس حزنا عميقا..برموهات الفضائيات الإخبارية حول "مصير السودان" تثير اضطرابي..

أتذكر أيامي في العاصمة الخرطوم، جولاتي في أسواق أم درمان، أصدقائي في الشمال، معارفي من الجنوب، يومياتي وطرائفي وتدويناتي ..هوامشي التي سجلتها أيام كنت هناك..وأحس أني أفقد شيئا ما إلى الأبد.

أصارح إبراهيم الجارحي (كان قد قضى عامين في السودان) فإذاه يعاني نفس الأعراض: ألم عميق وتوتر مكتوم إزاء ذات البروموهات..

نتسامر ونسترجع ذكرياتنا المشتركة_كل على حدة_ مع ذات الأماكن وذات الأشخاص..التجربة متشابهة..لذا_ربما_ كان الألم متماثلا

***

يقول لي خبير الحركات الإسلامية الصديق حسام تمام قبل عام ونصف"الإسلاميون يفضلون معزة ملك.. على جمل شرك"..سينفصل السودان.

***

أجدني لا شعوريا أجري مكالمات هاتفية مع أصدقائي في السودان كي أطمئن عليهم..وتساورني رغبة في السؤال: هل يعرف أحدكم بنتا صغيرة تدعى جولدا؟