90s fm

الثلاثاء، 31 يناير، 2012

الإسكندر الأكبر حين يأكل ساندويتشات الزوجة



من مارسوا الألعاب القتالية يوما ما، من لعبوا الشطرنج يوما ما، القناصة والصيادون، وكلاء النيابة والمحققون والأطباء النفسيون، الصحفيون المهرة..كل هؤلاء يدركون أن هناك لحظة فاصلة..لقاء للعين بالعين..ثم بعدها ينتهي كل شيء.
انظر في عيني من أمامك وسط القتال، هناك لحظة ما تدرك أنه قرر أن ينهزم..انظر وسط دور شطرنج في عيني منافسك كي تدرك أن قطعه تخذله وأن الحصان لا يفرق في يده عن الطابية عن العسكري..انظر في عيني مقنوصك..في لحظة بعينها ينظر إليك ويقول لك اقتلني الآن.
كل الناس..في لحظة بعينها ينهارون ويعترفون..أمام المحقق والصحفي والطبيب النفسي...
هناك ملمح ما يتبين في العين قبل الانهيار فالاعتراف.
زوجتي الحبيبة..كثيرا ما حدقت فيك، شردت ربما –كما بدا لك- بلا تركيز..
لكنني حقيقة كنت أتساءل في كل مرة، متى سأنهزم أمامك تماما وأحكي كل شيء؟ متى سأتكور على نفسي جنينا وأندس بين يديك، فتضميني بحضن كأنه الدنيا.
كنت أنظر في عينيك كي أرى انعكاس عيني، لأتبين لحظة ما قبل هزيمتي، ولكن من خلالك أنت..فكل ما هو من خلالك أنت..محبب إلى، يجيء على نفسي بردا وسلاما..تكونين ناري وأكون إبراهيمك.
معك الأمر مختلف..
عشرت الهزائم اليومية..
في كل نظرة هزيمة تسير بذكرها الركبان..في كل منطوق مني اعتراف لك بشيء ما.
أعرف أنني أعترف لك بكل شيء وإن كان بصياغة ضبابية، تفكين شفرتها يوما ما، لكن منذ الليلة إياها التي تدركينها جيدا (في الثالثة فجرا)..تجردت أمامك من كل شيء واخترت الانهزام الذي ما بعده قومة.
صارحتك بكل مخاوفي، وحكيت لك عن كل الوحوش التي كانت تطاردني في طفولتي بينما "أمي" في العمل لم تجيء بعد.
كنت تمسدين عرقي البارد، وأنا أصف أطياف الوحوش (العجز-عدم الثقة بالنفسة-الخوف من النار-الخوف من الكهرباء-الخوف من الأكل أمام الآخرين-الخوف من قيادة الدراجات-الخوف من اللون الأصفر-الخوف من الإيجوانا-الخوف من الأكواب الزجاجية-الخوف من الأحذية البيضاء-الخوف من رائحة البلاستيك- الخوف من الرفض-الخوف من الخوف).
تشبثت بك، وقلت لك قولتي الدائمة (أنا طفل اتعلق بيكي)..قلتها ككل مرة بينما رأسي مستكينة على كتفك الأيسر (لا الأيمن لو دققتي) بينما أناملي تنقبض عليك خوفا (أناملي لا قبضتي لو لا حظتي).
وفي ارتدادي الطفولي في حضنك، في نومتي الجنينية جوارك، كانت تحدث أشياء غريبة..
بشرتي تصير أكثر نعومة، شعيرات صدري وبطني يصير طولها أقصر، تبدو كما لو كانت رسم الديار لا الديار، يصير كل شيء في كما كانت خلقتي الأولى..طفلُ جدا أصير.
حتى لساني يصير أكثر تلعثما..ألم تلحظي هدجة الصوت وتعثر البدايات كلما هممت بأن أهمس لك بشعر ما؟
على ضفافك أحتمي بك..وأنا الذي لا يطوله السوء ما حيي ولا تقدر عليه جيوش الدنيا (تعرفين أن لي عشرة ملائكة لحمايتي، أدناهم مرتبة يدك الأرض بجناحه دكا)..أتنصل من كل الماضي السيء.
المدهش: لم أعرف مسبقا يا حبيبتي أن قدرتي على الإخفاء والصمت ستتحطم على عتبة أول ساندويتش تعدينه لي قبل الذهاب للعمل..
هكذا ينطلق الصغير بداخلي..
كل الرجال ينهزمون أمام ملامح الحنان، كأن كلهم أيتام بلا أم..كأن حبيباتهم هي أمهاتهن الأصليات.
كنت أسخر من صديقي الذي انهار لمجرد تفاحة دستها زوجته له في حقيبته قبل الذهاب للعمل، فإذا أنا في سوق "الانهيارات" لا أحتاج لأكثر من ساندويتش جبنة، أو شريحة فطير كي أتبعثر كل هذه البعثرة.
(اعتراف أخير: كنت نائمة اليوم، تسللم للمطبخ، أخذت بقية الساندويتشات التي أعددتيها، وشريحة من شطيرتي المفضلة التي كنت تضعيها في فمي أول لقاءاتنا في المطعم الليلي إياه، وذهبت-بعد الاختلاس- للعمل كأني الإسكندر الأكبر)
(فهم جديد: أستوعب الآن فلسفة "عمود" الأكل الذي يصطحبه العمال في وردياتهم بهذا الحرص المقدس..إنهم لا يصطحبون الأكل، بل رائحة الزوجات وأثرهم).

الجمعة، 20 يناير، 2012

أن تحبها على ما ذهبت إليه المعتزلة..



ربما كان كارل يانج عالم النفس العظيم، هو الذي ذهب إلى فرضية أن الشخصين اللذين يتصادمان في زحام الشوارع، كل منهما قد أخذ قرار الاصطدام بالآخر-لاشعوريا- قبل نقطة الصدام بحوالي 200 مترا مثلا.
للأمانة: ربما لم يقل يانج هذا..وربما لا توجد نظرية بهذا الطرح..لكني أصدق أن ثمة شيء ما هناك في قلب هذا العالم على هذه الشاكلة، ومن هنا أبدأ معك هذا الخطاب:
حبيبتي..
منذ سنوات مضت وقد أدركت أن نقطة الالتقاء قادمة حتما، رأيتك وسط الزحام، على نحو مشوش، لكن هيئتك وشت بأنك أنت أنت.
(سأصطدم بك، ويضرب البرق ضربته، ويمر وقت سريع، لأفاجأ بنفسي ويداي تشابكان يديك ومعنا خمسة أطفال على الأقل، ثم أتذكر ما جرى بين اللحظتين مندهشا ، لحظة الصدام فلحظة التنبه، ثم سعيدا لأني اختلستك من الزمن ولأن الزمن اختلسني لك، ولأن السماء تواطئت على تمرير هذه الدراما العذبة)
كنت أدرك-قسما بمن رفع السماء بلا عمد- أننا سائران لهذه النقطة حتما، ما جعلني أرسم سيناريوهات محتملة (مكانيا) لهذا الموعد المخزون على جدول أعمال الزمن.
درست خرائط تحركاتك، كنت أقول ربما يكون اللقاء الأول في هذه المكتبة في هذه الأمسية في هذا المطعم..
درست تاريخ ميلادك المتوازن رقميا كأنه سيمفونية عمرية لا مجرد تأريخ عابر..وقرأت كل ما يخص تحركاتك النجمية، وتنبؤاتك الفلكلية..
أخضعت كل ما تقولينه لتحليل مضن، استعنت فيه بكل ما أعرف ومالا أعرف، إلى أن أنتهيت لتصور محكم عنك..
وضعت خارطة تحركاتك المحتملة (محل العمل والسكن وأماكن يحتمل وجودك فيها)، جوار مستقبلك الفلكي، حيال تحليلك النفسي، ثم التقت الخيوط الثلاثة-على وفاق قدري- فكان الاصطدام المرتجى..رغم انقضاء الزحام من مسرح أحداثنا المشترك، بما يجعل من الاصطدام بيننا مجرد تلكيك مدروس لا أكثر.
وفي هذه النقطة الحائرة ..تحاصرني خلاصة أسئلة المعتزلة (أي الحبين كان أسبق انبثاقا من رحم السماء؟ أيهما الحادث وأيهما القديم؟ وهل مقترف حبك خالد في حبك؟....) أقف حيال تساؤل يعبث بيقيني، ويبدده بلا ارتئاف.
إذا كنا حتما صائرين إلى ما صرنا إليه..وإذا ما كانت الإراداتان متعاقدتان منذ سنين مضت، وإذا كانت السماء تغض الطرف كثيرا كي نتقاطع، وإذا كانت ملائكتي الحارسة تسرب لي معلومات عمدية عن كل شيء، وإذا كنت أنت تعرفين هذا كله دون أن أنطقه..
إذا كان هذا-كل هذا- على هذا القدر من الثبات والرسوخ واليقين..لم أفتقدك على هذا النحو الموجع؟
ولم أشك-ورأسك مستكين على صدري- أن المخطط قد تعتريه أي عوامل خارجية تغير من النتيجة النهائية؟
حبيبتي..
كل ما أملكه من حطام الدنيا هو جاكتي المفضل الذي أخلعه عليك في الليالي القارسة البرودة، وزجاجة العطر التي لا تفارق حقيبتي، ونحو عشرين ورقة مالية من فئة لم أتفحصها جيدا ولا يعنيني تفحصها، والكثير من حبك الذي لم يختمر كاملا بعد..
ربما لأن نبؤتي قالت: إذا أحب..كتم..وإذا كتم مات؟
حبيبتي..
كل هذا الإفصاح الذي تعتقدينه..هو الكتمان عين الكتمان..
إذ أن الحقيقة لا تختزلها الحروف مهما كانت الملابسات والدوافع والموهبة.

الأربعاء، 18 يناير، 2012

تبوء المحاولة دوما بالفشل..أن تحبس أباك

الحياء يكبت الشوق بيني وبين أبي.
نراوغ هذه الحقيقة، بتدبير لقاءات كثيرة خارج المنزل، كي نحتضن بعضنا البعض، كأن في المسافة الزمنية والمكانية لآخرة مرة التقينا، مبرر وجيه لهذا الافتقاد، ومن ثم تنسحب مشروعية كاملة تغطي خجل كلينا من حضن، كلانا في مسيس الحاجة إليه.
العلاقة بيننا متجمدة عند نطقة واحدة برأيه، ومتغيرة كل لحظة برأيي أنا.
يقول لي أنت مازلت صغيرا بعيني، ثم يلتقط يدي-يالهف نفسي على يده- كي يجرني ويعبر بي الطريق، بينما ابتسامة واسعة تجلل ثغري (هل أشاكسه وأقول له أنا لست صغيرا؟).
حين يتحمس-ونادرا ألا يتحمس!- تمتد أنامله الباردة (وفي هذا أمر عجيب، كف يده كأنها قدت من نار! دوما ساخنة حد الالتهاب) إلى معصمي، فأحس كل ما في نفس أبي مصبوب في كبدي.
أرى الزمن يحتم علينا تبادل الأدوار، أن أرعاه هو، وأن يهدأ ويطمئن بالا لأني هناك.
لكني كمن يحاول تكبيل الأسد.
أقول له كثيرا: أنا أفضل منك في كل شيء، إلا أنك أكثر حياء مني!
يغلبه الحياءُ فلا يرد. ولو غالب حياءه لما رد أيضا.
أفتعل معه شجارات كثيرة، كي أرى بريق العصف والعطف في عينيه.
هذا رجل حرق زنزانته ذات مرة، وضرب قائد المعتقل ذات مرة، وركل الذين يعذبونه وهو مقيد وشتمتهم بينما سريان الكهرباء في جسده (تعذيبا) لم يحل بينه وبين الثأر لكرامته.
قال لهم ذات مرة وقد شكلوا لجنة لفحص حالته النفسية، جاء على رأسها قيادي مرموق بالداخلية، لمعاينته في الحبس الانفرادي: يا سيادة اللواء أنا حبست سجنكم بداخلي..أنا حر.
أحاول أن أحبسه داخلي، وأن أقول له ارتح أنت، لكني يوما لم أستطع حبس رجل سجن معتقلا كاملا بداخله.