90s fm

الأحد، 3 مارس، 2013

حيثما كانت مصلحة الإخوان..فثم شرع الله






*هذا حوار أجريته مع خبير الحركات الإسلامية حسام تمام، رحمه الله، عام 2008 بمناسبة مرور 80 سنة على إنشاء جماعة الإخوان. وأعيد نشره الآن لأنني أعتبره قراءة مفتاحية ضرورية لمن أراد أن يتعرف على أعمق محركات "الإخوان" بكل تعقيداتها

من رصاص التنظيم الخاص إلي رقة عمرو خالد ومن رهبان الليل فرسان النهار إلي "إصلاحيين وطنيين مدنيين".. يمعن الزمن في اثبات قدرته علي التغيير،او علي أقل تقدير ادعاءه،والنزول عليه ولو مداهنة.
كيف استطاعت الجماعة الثمانينية ان تحمل تناقضاتها وان تتحمل الضربات الخارجية وان تصمد رغم الاستنزاف الدائم الذي تتعرض له علي مدار هذا العمر المديد؟
وكيف انزلت السياسية واحتياجات اللحظة التاريخية،الجماعة العملاقة،علي قوانينها الخاصة،ليتخلي الإخوان عن الكثير من قناعات الآباء المؤسسين الاوائل،متسقين مع متطلبات المرحلة؟
80 عاما تفلصنا الان عن ميلاد جماعة الاخوان المسلمين،الجماعة السياسية الاجتماعية الدينية اليمينة الميول والقناعات علي كل المستويات تقريبا.
يرصد هذا الحوار مع خبير الحركات الاسلامية حسام تمام ملامح التغير التي طرأت علي جماعة الاخوان المسلمين منذ النشاة 1928 إلي اليوم،في رحلة سريعة بين الافكار والتاريخ والسياسة والفقه،متوخيا حذر الاستعداء الايدولوجي منحازا الي ضرورة التحليل والتروي،وإلي طرافة وبداهة الملاحظة أيضا.

80 سنة عمر "الاخوان المسلمين"..كيف صاغ التاريخ علاقته بالجماعة ،وكيف تأثرت الجماعة بالتاريخ؟

هناك مفتاحان اساسيان لقراءة الاخوان تاريخيا أولا:

الاخوان _كحركة_لديها القدرة علي "الفعل التاريخي"..أي أنها حركة لا يفوتها التاريخ بسهولة ولا تتخطاها أحداثه،لأنها قادرة دوما علي ركوب الموجة وتحمل في حقيبتها أدوات براجماتية خالصة،استغلتها الجماعة علي امتداد تاريخها في اعادة انتاج نفسها وفق المعطيات الجديدة، ففي نهاية الأربعينات مثلا ستجد تأثرا ملحوظا بأفكار العدالة الاجتماعية التي انتشرت في مصر،بينما سنجد النفس المعادي للإمبريالية والاستعمار في الخمسينات تماشيا مع السائد،في حين سنسمع في الستينات كلاما عن اشتراكية الاسلام أثناء علو المشروع الناصري الاشتراكي،والآن يتكلم الإخوان عن الإصلاح والديمقراطية..دائما ستجد الإخوان حاضرين ولديهم لكل حال لبوسها. 

أما المفتاح الثاني لقراءة الإخوان في التاريخ فهو قدرتهم علي الحركة انطلاقا من خلفية اسلامية مرنة بشكل كبير جدا علي عكس ما يبدو،فالاخوان لم يحصروا انفسهم مبكرا في مذهب فقهي أو اعتقادي محدد ولم يوقفوا مشروعهم علي رؤية فكرية لا يتجاوزونها،لكنهم أبقوا علي أنفسهم كمظلة " إسلامية " مفتوحة وقابلة لاستيعاب كل ما يحتمله الاسلام وكل ما يصدر عن الشريعة بتنوعه وتعدده،وما يحمله من إمكانات التفسير والتأويل، لذلك عند التدقيق فلن تجد سوي مساحة قليلة جدا للثوابت الدينية عند الاخوان.

اذن ما الضابط الفقهي او الفكري الذي اعتمدته الجماعة في مسيرتها كجماعة دينية بالدرجة الأولي؟

الاخوان تيار يضم خليطا متنوعا أقصي ما يكون التنوع، فلا يوجد قالب صرف أو مفهوم صارم لتحديد هوية الاخواني الفكرية او المذهبية ،فأعضاء في الجماعة يتراوحون من تخوم السلفية العلمية فالجهادية وصولا إلي تخوم الليبرالية، لكن يبقي التنظيم في النهاية هو الضابط الأكبر وهو المرجعية التي ينصاع الجميع لها،علي اختلاف أهواءهم السياسية ومراوحاتهم الدينية..وفي النهاية فأن الجميع يؤسس لأفكاره وفقا لمرجعية إسلامية ولو علي مستوي الشكل.

كيف تعايشت هذه التيارات المتناقضة والمتصارعة_بالضرورة_ داخل جسم الجماعة العملاق؟
مصلحة الجماعة – التي هي في المتخيل الإخواني مصلحة الإسلام، ثم ما تفرضه الضرورة التنظيمية كان دائما العنصر الحاسم والفاصل في مسيرتها وكان الحاكم بين اعضائها..فمنذ السبعينيات وحتي منتصف الثمانينات تعايش الجهاديون من امتدادات "النظام الخاص" أو " تنظيم 1965" وهم من نسميهم بأصحاب نظرية العنف المؤجل، تعايش هؤلاء مع تيار الدعوة والعمل العام الذي يتكون في معظمه من الناشطين النقابيين والسياسيين وأصحاب الخبرة في الاحتكاك الواسع اجتماعيا..وساعد علي التعايش في هذه المرحلة أن الجهاديين من الإخوان كانوا يرون أن لحظة العنف لم تحن بعد.
لكن مع تطور الجماعة وتوسعها في العمل السياسي والتواجد في العمل العام جاءت واقعة اغتيال السادات وما كشفته من خطورة العنف علي المشروع الإسلامي لتلزم الجماعة بتحقيق موقفها من العنف خاصة بعد أن صارت هناك جماعات مسلحة ولم يعد مجرد نوايا أو أمنيات..واختار "الاخوان" محاصرة تيار العنف داخلهم تماشيا مع ما تفرضه اللحظة التاريخية ونزولا علي مصلحة الجماعة.
الشيء نفسه كان قد حدث فيما عرف بفتنة التكفير، كانت بذوره موجودة من قبل لكنه حين صار تيارا واسعا داخل الجماعة أثناء محنة السجون يؤمن أتباعه بالتكفير كعقيدة صار المشروع الإخواني مهددا في صلبه فتوقف الإخوان عن التعايش مع هذه الأفكار وأصدر حسن الهضيبي كتابه الشهير "دعاة لا قضاة"..وهكذا تظل التيارات المتعارضة متعايشة داخل الجسد العملاق إلي أن تحين لحظة توتر تهدد المسار العام للجماعة؛ ساعتها تعلن عن نفسها وتحسم التعددية المتشظية داخلها لمصلحة رؤية معينة ...والضابط في النهاية- كما قلنا- هو تبني ما يحقق مصلحة الجماعة.

هل أفهم أن مصلحة الجماعة قد تتحدد بعيدا عن القاعدة الفقهية_علي مطاطيتها_نزولا علي احتياجات لعبة السياسة؟
إلي حد كبير..الرؤية الفقهية ليست محددة لمسار حركة الجماعة بقدر ما هي تأتي ضمن سلة اختيارات فقهية تنتقي منها الجماعة ما يحقق مصلحتها..وسأضرب لك مثالا بالواقعة التالية: طوال عمر الإخوان وهي تجمع في قواعدها بين رؤيتين في الفكر السياسي الأولي تنتمي لما قبل الدولة الحديثة وتري أن الأقباط أهل ذمة ويقع عليهم ما تفرضه عقود الذمة ، والثانية أكثر حداثة وتأثرت بخبرة بعض قطاعات الإخوان السياسية وتقر بقاعدة المواطنة ..وفي عام 1996 ظهر المرشد مصطفي مشهور علي صفحات الاهرام ويكلي وأعلن وقتها أن الأقباط أهل ذمة ويفترض أن تجري عليهم أحكام الذمة بما تقتضيها من دفع الجزية مقابل الإعفاء من الخدمة العسكرية!.
لم يكن هذا جديدا علي قطاعات كبيرة من الإخوان بل لدي كل الخطاب الديني التقليدي حتى في الأزهر، ولكن الحوار أحدث وقتها صدمة عنيفة وأثار الكثير من البلبلة وجر علي الجماعة نقدا جارحا وهدد ما أنجزته من مكتسبات علي مستوي الشارع السياسي فكان لابد ساعتها من مخرج..
فجاء مأمون الهضيبي ،الذي كان يشغل منصب نائب المرشد حينها، وأعاد شرح أو تفسير أو ضبط كلام مشهور بحيث ذهب به إلي معني بعيد تماما ينتهي به إلي القبول بالمواطنة!
الحق أن الإخوان لم يراجعوا أنفسهم وقتها، ولم يكذبوا علي الرأي العام ويتبنوا التقية كما قال البعض، الذي حدث أنهم اضطروا إلي تغليب خطاب أو رأي علي غيره طالما حقق مصلحة الجماعة ووجد ما يسنده شرعيا! ولما كانت مصلحة الجماعة سياسيا في أن تظهر محترمة لقاعدة المواطنة، ولما كان هناك تخريجة شرعية أبدعها الأستاذ طارق البشري أسس من خلالها إسلاميا لفكرة المواطنة فقد التقطها الإخوان وتبنوها ..فالإخوان دائما يدركون غريزيا مصلحة جماعتهم..وحيثما كانت مصلحة الجماعة ( التي هي مصلحة الإسلام في وعي الإخوان ) فثم شرع الله!

هذا يتنافي تماما مع السائد بأن هناك "مفتي" خاص بالجماعة وأنهم يتحركون مدفوعين بمباركته الدينية والشرعية فيما يفعلون؟
لا أعتقد أن للاخوان مفت شرعي بما تعنيه كلمة مفتي، فالشيخ عبد الله الخطيب الذي يطلق عليه هذا اللقب ليس مفتيا بما هو متعارف عليه لكنه اقرب للمستشار الشرعي بل وفتواه غير ملزمة، فالخطيب مثلا تعود رؤيته الفقهية حيال الأقباط لما قبل مرحلة الدولة الحديثة ( أحكام أهل الذمة ) بينما يمضي السلوك السياسي للجماعة في طريق مخالف له تماما.


لا أميل إلي القبول بفكرة وجود كهنوت داخل الاخوان،لكنه في أفضل الأحوال فكرة المرجعية الشرعية العامة وليس أكثر،هم لا يقدمون علي حرام بين واضح،لكن في نفس الوقت لا يأخذون رأيا فقهيا مقيدا لعمل الجماعة.
وهناك حادث هام ينبغي الالتفات اليه ،ففي انتخابات 1987 دعم الاخوان سيدة علي قائمة حزب العمل فاعترض الشيخ عبد الستار فتح الله أستاذ التفسير بجامعة الأزهر وعضو مكتب الارشاد،ودار جدلا كبيرا،فطرح السؤال نفسه بين الاخوان عن وزن وحجية رأي الفقيه أو العالم في مقابل راي السياسي أو الحركي،وانتهوا إلي أن الشرع حيث المصلحة العامة وأن كلام الفقهاء مرجح غير ملزم إذا ما كانت القضية تحتمل أكثر من اجتهاد،والمهم المصلحة وتحققها..ومن ثم فللسياسي أن يتبني رأي الفقيه الإخواني أو يتركه لغيره طالما لم يخالف الإسلام ..الغريب أن الإخوان لم يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم نظريا وإعلاميا وقتما اتهموا بأنهم يتبنون مبدأ ولاية الفقيه في حين أن ممارستهم الداخلية كانت أنضج بكثير مما قالوه بشأن مجلس الرقابة الشرعية..لكنها علي العموم جزء من حالة التراجع العام داخل الإخوان .

انت تشكك هكذا في دور الخلفية الدينية لقرار الجماعة وحيثيات انطلاقها تاريخيا،أو علي أقل تقدير تقلل من دوره؟
أنا أنظر للاخوان كحركة اجتماعية لها مشروع سياسي أكثر منها تنظيم دعوي إسلامي مغلق..دوما ستجد لها صلة بالواقع وحالة من التماس معه لدرجة الانغماس فيه،بينما تقوم صلتها بالدين علي تنزيله علي الواقع ومحاولة تطبيقه..وهي كحركة اجتماعية لدية قابلية للتطور مع تطور مجتمعها بحسب توفر شروط ذلك.

لكن المجتمع اليوتوبي الذي تتحدث عنه الأدبيات الاخوانية مجتمع اسلامي صرف،وليس مشروعا مؤسسا علي معطيات مجتمعية واقعية؟
أول وأهم قاعدة لكي تدرس الإخوان أن تترك مسافة بين ما يقولونه وما يفعلونه واقعيا إذ لا صلة بينهما شرطية بالضرورة..ثم هناك كذلك تحولات كبيرة في الممارسة الواقعية حدثت بينما الأدبيات لا يطرأ عليها تحولات إلا نادرا../ثلا في حقبة السبعينيات إلي نهاية الثمانينيات كانت تروج في القواعد الإخوانية مقولة سيد قطب (جيل قرآني فريد) التي كانت عنوانا لأحد فصول كتابه (معالم في الطريق)..كان لهذه المقولة فعل السحر في سعي قيادات الجماعة وكوادرها إلي الوصول لنموذج الوحدة الفكرية التي تؤسس للقاعدة " النقية " في منطلقاتها الشرعية وتأسيسها الفكري وفي معاملاتها بل وفي صورتها وهيئتها أو ما كان يعرف ب" الهدي الظاهر".وكلها كانت تتحالف علي بناء "مناضل" إخواني "نقي" و"مختلف" عن أقرانه وزملائه في بيئته. غير أن تحولات كثيرة – خاصة علي المستوي الاجتماعي والاقتصادي- جعلت هذه المقولة أقرب إلي أحلام الرومانسية أو- في أفضل الأحوال- إلي ذكري جميلة من مرحلة " البراءة " التي يحن إليها المناضل الإخواني ويجترها في حديث الذكريات دون أن يلتزم بالسعي إلي تحقيقها.
لم نعد أمام ذلك المشروع التربوي القديم الذي يتبناه الإخوان لصياغة أفرادهم بدأ بالاخلاق والمعاملات وحتى السلوك الاجتماعي والملبس بل ومفردات اللغة التي يتحدثها الاخواني نفسه!..لقد ذهبت هذه المرحلة من البراءة او السذاجة الايدولوجية ليفرض الواقع نفسه باحتياجاته وتطوراته ونصبح أمام إخوان عاديين يقتربون من الناس إن لم يتماهوا معه.

اذا سلمنا أن هذه المرحلة اصبحة في حقيبة الذكريات،كيف اصبح الكادر الاخواني اليوم؟
الكادر الإخواني يقرأ في التراث الإسلامي أقل مما يقرأ في شئون الحياة، وتزخر مكتبته بمجموعات ستيفن كوفي في علم الإدارة وروايات باولو كويلو ..ولا يشعر بحرج أن يقتبس في إحالاته إلي فلاسفة ومفكرين غربيين وغير مسلمين بل وربما رآها عنوانا للثقافة والتميز علي خلاف ما كان عليه أسلافه في جيل السبعينيات.

وهو ينفق جزءا لا باس من تفكيره في الإجابة عن سؤال: أين وكيف يقضي عطلة الصيف؟، يذهب إلي السينما ويتناقش في آخر ما شاهده من أفلامها، ويقتني الأطباق اللاقطة وإن سعي في بعض الأحيان لتشفير القنوات الإباحية، لكنه فيما عدا ما يجرح الأخلاق مقبل علي المتعة والترفيه خاصة مباريات كرة القدم التي لم يعد يختلف "المناضل" الإخواني في حبها ومتابعتها والاهتمام بها عن بقية أفراد الشعب المصري الذي يذوب فيها عشقا. لقد كف " المناضلون" الإخوان عن التهكم علي "الولع" المصري بكرة القدم ولم يعودوا يرونها مظهرا للخفة أو مضيعة للوقت أو وجها من وجوه الانصراف عن قضايا الأمة كما كانت نظرتهم من قبل. لقد أدان نواب الإخوان في البرلمان مثل غيرهم تشفير مباريات كاس الأم الأفريقية الأخيرة وحرمان الشعب المصري من متعة مشاهدتها، وشاركوا غيرهم من السياسيين في نصب شاشات العرض في الساحات الكبرى لتشاهد الجماهير المصرية المباريات مجانا! وحين فاز المنتخب المصري بالبطولة سارع رئيس الكتلة الإخوانية في البرلمان إلي إصدار بيان تهنئة بالفوز ولم تمض عليه ساعات حتى اصدر المرشد العام – في سابقة هى الأولى- بيانا رسميا للتهنئة بالإنجاز القومي الذي حققه اللاعبون المصريون!

مثل هذه الخطوات تشي أن هناك تحولا واسعا في الرؤية والممارسة السياسية للجماعة،كيف تقيم المشهد السياسي الاخواني الحالي؟
أدي الدخول البراجماتي والكثيف للإخوان في السياسة إلى تخليهم عن الرواية الكبرى – الدولة الإسلامية – والالتزام بطرح برنامج لا يبعد كثيرا عن برامج الأحزاب الوطنية الأخرى، ، بل والليبرالية منها علي وجه الخصوص.

من يتابع الخطاب الإخواني في الفترة الأخيرة يلاحظ غياب مفردات الرواية الكبري من الدولة الإسلامية والخلافة الراشدة والوحدة السياسية الجامعة لكل الأمة الإسلامية ومفاهيم أهل الذمة، كما سيلاحظ حضور مكثف ومتصاعد لمفردات خطاب جديد لا علاقة له بالقديم وإنما يرتبط بمشروع حزبي سياسي بامتياز حتى وإن لم يعلنه أصحابه كاملا
فالبرنامج السياسي للإخوان تتأكد يوما بعد يوم مفارقته – تماما- لكل ما كان يقدمونه عن "المشروع الإسلامي"، باتجاه برنامج ديمقراطي بعيد عن الأرضية الدينية التي كانوا ينطلقون منها ، فكثر حديثهم عن الاحتكام التام للشعب أيا كانت خياراته، والقبول بحق ومبدأ تداول السلطة والتسليم باختيار الشعب مهما كانت، وأن حكم الشريعة مرتهن بقبول الشعب له؛ مع اتجاه للتخفف من المرجعية الدينية ففي العمل السياسي قياسا بما كان يحدث من قبل. 

لقد اضطر الإخوان بفعل الدخول الكثيف في العمل السياسي إلي أن يقولوا كلاما محددا بعيدا عن العموميات الفضفاضة التي كان يحرصون عليها وهو ما كان له أثر بالغ علي مقدرتهم السابقة علي الحشد الواسع لقطاعات متعددة ومتباينة في المجتمع.
وواكب ذلك تحول ثان بالغ الأهمية طال هذه المرة الدولة المصرية نفسها التي عاشت تحولات اقتصادية كبرى كانت تصب جميعها ضد مصالح الطبقات الفقيرة ، فكان أن بدأت هذه الأيدلوجية في التفكك لتكشف عما وراءها من تناقضات طبقية ومصلحية هائلة أكبر من أن يستمر تسترها وراء أيدلوجية تخلي عنها ممثلوها الرسميون.

ماذا عن الشباب الاخواني وسط هذه المعادلة المضطربة؟كثيرا ما يحتدم الصراع بينه وبين مكتب الارشاد،ويحمل داخله الكثير من الطموحات والاحباطات،جيل ديناميكي بصورة تقوده للكثير من الصدامات؟

هناك جيل جديد يتغير بوتيرة اسرع من قدرة الجماعة علي متابعته وإدراكه،لكن الصراع والخلاف دوما داخل الجماعة لم يكن خلافا بين أجيال بل كان خلافا وفق الرؤية والمشروع ، والضابط التنظيمي قابل لاحتواء أي شيء دوما، وساعد علي قوة الرابط التنظيم أن التجربة أثبتت لهم أن الخارج من الجماعة خسران،مثل نموذج حزب الوسط ، ففي ظل سيطرة النظام الحاكم المطلقة لم يبق في الساحة غير الاخوان،واصبح الانخراط في صفوفهم للحركيين والتغييريين من الشباب افضل الخيارات. والجماعة بدورها ترفع للشباب شعار "انفتحوا" ،وانطلق هؤلاء الشباب بدورهم واقبلوا علي اشياء لم تكن لتتم في زمن سابق فقبل ثلاثة اعوام في عيد الحب نظم شباب الاخوان في جامعة القاهرة احتفالية لعيد الحب أطلقوا عليها اسم ( يوم محمد ) Mohamed Day! لتقديم رؤية إسلامية في الحب! 

ورغم كل شيء فقدرة الإخوان علي احتواء شبابهم أكبر من بقية القوي السياسية ،انظر لشباب الحزب الناصري الذين انشقوا في حزب الكرامة وانظر إلي شباب حزب الوفد الذين خرجوا في حزب الغد وغيره..هذه مشكلة قائمة في الكثير من التشكيلات والاحزاب،والشباب في الاخوان قابل للاستيعاب من قبل الجماعة تحت لواء الانضباط التنظيمي،مع قدرة الجماعة علي الاحتفاظ بنفسها رغم اختلاف مشروعات البعض داخلها.

والرؤية الاقتصادية للجماعة؟هل هناك رؤية من الاساس للاخوان في المسألة الاقتصاية؟
دائما ما كان الاخوان تيار اقرب الي اليمين في المسالة الاقتصادية وباستثناء كتابي سيد قطب ( العدالة الاجتماعية في الاسلام ) والغزالي ( الاسلام واوضاعنا الاقتصادية ) اللذان تأثرا بأجواء الحديث المتصاعد عن العدالة الاجتماعية نهاية الأربعينيات فإن الاخوان يمكن التعامل معهم كحركة يمينية،فالجماعة تاريخيا قامت في نشأتها علي صغار الملاك وصغار الموظفين ثم كان تطورها التاريخي بان تكون قاعدتها الطبقة الوسطي وخاصة الشريحة الوسطي والدنيا منها، ومن ناحية ثانية نرصد تاريخيا وجود قيادات في رأس هرم الجماعة من ذوي اليسر او الثراء مثل محمد حامد ابو النصر المرشد الثالث الذي كان اقطاعيا كبير ا من منفلوط ( تسمي باسم عائلته منشية ابو النصر التي ولد فيها) وهناك ايضا موظفي الدولة وكان منهم عدد لا باس به هناك كذلك تيار المشايخ والازهرية وهو بعيد تقليديا عن افكار اليسار والعدل الاجتماعي..لكن هذا لا يعني- بالضرورة-عدم الاحساس بالفقراء او عدم الرغبة في مساعدتهم ..لقد كان الاخوان دائما قريبين منهم ولكن ليس عبر مقاربة قانونية او سياسية لقضية العدل الاجتماعي بل عبر مقاربة احسانية تقوم علي مساعدتهم والعطف عليهم وليس التدخل قانونيا وسياسيا لمصلحتهم.

x ولكن كان لوجود قسم البر والمقاربة الاحسانية تأثيرات متناقضة فهو وإن ربط الاخوان بالفقراء ولم يبعدهم عنهم ( كما لدي اليمين الليبرالي مثلا ) فهو قلل من فرصة نشوء تيار داخل الاخوان ذي ميل يساري أو معني بالمسالة الاجتماعية بعيدا عن المقاربة الاحسانية .
هذا تاريخيا أما واقعيا فإن مراجعة سريعة في مواقف الإخوان من القضايا السياسية والاقتصادية الاجتماعية في مصر تقول إن الجماعة صارت أقرب إلي حزب وطني قطري بل وحزب يميني ذو توجهات ليبرالية في المسالة الاجتماعية الاقتصادية حيث القبول أو عدم الممانعة للتحولات التي طالت البلاد باتجاه أقرار سياسيات التحول الاقتصادي نحو تبني اقتصاد السوق القائم علي الخصخصة وإعادة الهيكلة وحرية التجارة وانسحاب الدولة  

وجاء ذلك ليؤكد ان الجماعة اتجهت إلى اليمين الرأسمالي بفعل التركيبة الداخلية واتساع حجم ودور رجال الأعمال فيها، وهو توجه أكدته مجمل التحولات الدينية في البرجوازية المصرية المتدينة سواء التي ترتبط بالجماعة أو التي تدور في فلك ما عرف بظاهرة الدعاة الجدد، وخلت مواقف وأدبيات الإخوان – وآخرها مبادرة الإصلاح الصادرة في مارس 2004 – من أي تمثيل لهموم الطبقات الدنيا.
ويظهر ذلك أيضا في الوعي الإخواني فقد تغيرت حقبة الحلم فلم تعد الدنيا دار الابتلاء والشرور ولم تعد جحيم المؤمن أو مجرد شجرة يستظل بها ثم يغادرها إلي الآخرة بل صارت مرغوبة ومقصودة والنجاح فيها معيار للإيمان الديني ومؤشرا علي النجاح في الآخرة ..أقبل الإخوان علي الدنيا وأعاد الوعي الإخواني توجيه بوصلته فصارت محاضن التربية والتكوين والتثقيف تخرّج نوعا جديدا من الكوادر، إنه كادر راغب في الدنيا بعد أن كان راغبا عنها، همّه أن يبني ذاته ويتعلم إدارتها ليستعد لمواجهة متطلبات الحياة أكثر مما يستعد لسؤال الآخرة، فحظه في الدنيا هو عنوان لحظه من الآخرة! ولديه من التراث ما يدعم رؤيته الجديدة فالمشروع الإسلامي يقوم به أمثال عثمان بن عفان و الزبير بن العوام (رمزا لليسر والغني) وليس أهل الصُّفّة من فقراء المهاجرين!.

هذا التخبط الايدولوجي بين الديني والسياسي وبين الديني والديني،مع صراع الاجيال،يطرح سؤالا منطقيا..علي مدار 80 عاما من ينظر افكار الجماعة؟
الجماعة لم تشهد سوي منظر واحد فقط بامتداد تاريخها هو سيد قطب،بخلاف ذلك فالجماعة لا تهتم بالفكر والمفكرين والفكرة لديها جديرة بالاطلاع والاهتمام بمقدار ما هي نافعة علي ارض الواقع،وبمدي قدرتها علي الانجاز،بخلاف ذلك لايشغل الاخوان انفسهم بشيء،ورغم مرور قامات علمية وفكرية كعبد القادر عودة ومحمد طه بدوي وتوفيق الشاوي وجمال الدين عطية وعبد الحليم أبو شقة ومحمود أبو السعود ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي..,غيرهم ،إلا أن "المفكر" برؤيته الشاملة بقدرته الموسوعية..فكرة غائبة عن الإخوان.