90s fm

‏إظهار الرسائل ذات التسميات انداهشات السيد دودوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات انداهشات السيد دودوي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 26 ديسمبر 2012

الحب في غرفة المونتاج



في غرف المونتاج المظلمة، قضيت ساعات طوال، مع هذا المخرج وذاك المونتير. أقول له أريد هذا المقطع هنا، ولا أريد هذا المقطع هناك.
نجادل بعضنا لأجل المعنى والمغزى والصورة والتماسك..والجمال.
صناعة الأفلام الوثائقية، كانت نافذتي السحرية لغرفة المونتاج، حيث الكثير من دخان السجائر والكثير من الأكواب الفارغة..إلا من بقايا الشاي والقهوة والنيسكافيه. بجوار الأجهزة الفضية الصلدة من طراز آبل ماكينتوش.
في المونتاج تعلمت سحر العالم..سحرا يؤثر.
ذات مرة..كنت في مونتاج فيلم صورناه في الشارع، قضينا في تصويره ساعات طوال، وقد انهمكت تماما في مراجعة هذه الساعات التي صورناها.
ألاحظ في غرفة المونتاج بعيدا عن صاخب الشارع الذي استغرقني، أن هناك في الخلفية وسط الزحام، قصة حب تتطور بين ولد وبنت.
كان التطور مدهشا لي: نفس الوتيرة التي ألحظها في كل العلاقات العاطفية تقريبا..
كانوا مجموعة من الشباب الجامعي الذي يختلس كل منهم النظر إلى شريك/شريكة محتملة في الرحلة الأرضية، ولو على مداها القصير.
كان بطلاي، كما بدا لي، لديهما إرث من المناوشات الطفيفة المشتركة، لكن اليوم الذي خرجوا فيه سويا، أخذت هذه المناوشات تفرض نفسها وتفصح عن نفسها مدفوعة بقوة الطبيعة الأم.
كان هناك خط مغناطيسي رابط لتحركات كليهما..أخذت أرصد وقفاتهم أثناء التقاط الصور الجماعية ( تاركا الفيلم الذي في يدي والذي علي الانتهاء من بناء تتابعاته ومقاطعه!) وانهمكت في متابعة كيفية حركة كليهما داخل الجماعة وكيف يسترقان النظرات والابتسامات.
رسمت مسارات حركتيهما: تحركاته باللون الأزرق وتحركاتها باللون الأحمر داخل حلقة الأصدقاء الجامعيين الفوضويين كثيري الحركة واللعب والتقافز..
بدا الخطان كما لو كانا يتناغمان في شكل فيزيائي من أشكال العلماء الأوائل وهم يصفون تحرك الإليكترونات حول النواة، بديا كما لو كانا رسمان من عالم ميكانيكا الكم/ الكوانتم، بديا طرفا مغزولا على نفسه..بتقاربات وتباعدات سرعان ما ترتد لبعضها البعض مرة أخرى كي تلتقي في نقطة بعينها.
بديا في رقصة خاصة داخل الجماعة.
وهكذا الحب، مغناطيسية تربط طرفين داخل الجماعة، فتشق طريقا خاصا يسلك في الأرض سبلا فجاجا.
استغرقتني اللعبة متأثرا بتجارب الفيزياء الاجتماعية التي كانت ترصد سلوك الناس داخل محطات المترو عبر كاميرات المراقبة ( كيف يسيرون وكيف يشكلون ممرات متبادلة للمشي في اتجاهين وكيف تتصادم الأجساد وكيف تتفاعل الجماعة داخل الحيز).
عدت لعملي مرة أخرى، وأخذت أستبعد بعض المقاطع من مقابلات الضيوف التي يجري على خلفيتها كل هذا الضجيج الكوني والاحتشاد الهرموني.
كانت المفاجأة أكثر إدهاشا لي : كلام الضيوف منتظم ومتسق..حسنا فهذا عملي وهذه حرفتي. لكن مع الاستبعادات المتعمدة من كلام الضيوف، كانت المقاطع في الخلفية تحكي نفس الحكاية بلا خلل!
كانا يحبان بعضهما البعض ويدوران خلف بعضهما البعض..لا يخل باجتزاء المقاطع أي تسلسل في حكايتيهما سويا.
حينها تركت غرفة المونتاج والمونتير الصموت المدخن..ونزلت إلى حيث صورنا هذا المقطع.
وقفت نحو ساعتين أستعيد المشاهد، وأراقب المشاهد الجارية الآن.( والمقارنات تمزق مخي)
خطفتني حقيقة مدهشة: كل الكون متناغم، وكل الحكايات متوازية ومتقطاعة.
قل لها أحبك الآن..وغيرك سيقولها في نقطة أخرى بالضبط. ولو تجردت من بشرانيتك، ورأيت ما يجري في الطابق الأسفل من العقار الذي تجلس فيه الآن..سيدهشك أن غيرك يقول شيئا ما بنفس المعنى.
هناك ملايين المسارح المنصوبة، أنت في عربة المترو بطل، وفي المحطة بطل مساعد، وكومبارس في الشارع، وتعود لبيتك كي تصبح بطلا مرة أخرى، وهكذا دواليك دواليك..كلنا مستغرقون في الدراما الكونية..دراما حياتنا ودراما حياة الآخرين.
استنتاج: الكون وكل حكاياه ليسا متناغمين فحسب..بل هناك مخرج فذ يشاهد كل هذا، ويراكم انطباعات عنا، ويعرف عن يقين كيف تجري كل حكاية هنا وهناك.
وأنا الآن أترك هذه التدوينة من يدي وأحدق مبتسما في وجه المخرج.


الأحد، 18 نوفمبر 2012

رسالة المواطن 7774


في المعتقل، حمل أبي لقب "المعتقل 26"، وهي تقنية نفسية معروفة، درستها في مادة العلوم السياسية ( فصل الحرب النفسية) في سنتي الجامعية الأولى..استبدل اسم سجينك برقم، اختزل وجوده كله في هذا الرقم، دعه ينسى اسمه، جرد ذاته من ذاته، أنسه ملامح نفسه، دعه يعتقد أن وجوده في هذا الكون لا يعبر عنه إلا هذا الرقم..باعد المسافة بينه وبين إدراكه لذاته، فهو ليس محمد ولا هانيء ولا جون ولا آدم..هو هذا الرقم فحسب..ولم يكن أحد ينادي أبي بغير : 26!

 ( ربما لأجل هذا أناديه لا شعوريا بكل الألقاب التعريفية الممكنة له مخافة أن يكون قد نسى شيئا ما، رغم أن تكوينه النفسي أصلب بكثير من أن يقع في هذا الشرك، فتارة أقول له : أبو أحمد وتارة أبو مازن وتارة أبو حيدر، وأحيانا يا محمد! هكذا بتخفيف لا يأباه هو كشخص كتواضع ولطيف المعشر)


الآن، وقد قطعت بعد سن الرشد 6 سنوات كاملة، متعاملا مع الدولة المصرية (مباركها ومرسيها، وبينهما مجلسها العسكري)، أستطيع أن أقولها قرير العين : هذه ليست دولة وهذا ليس وطنا، هذه لوحة رقمية كبيرة وشاشة معلومات عمياء، هذه الدولة تدركني فحسب كرقم بطاقة ورقم تأمين وكود وظيفي، وباركود لعين يختزل كل هذا عني.

يوما ما لم أحس أن علاقتي بالدولة علاقة في اتجاهين، هي مجرد علاقة تجاه مواطنها الحائز على رقم البطاقة الفلانية أو الرقم التأميني الفلاني ورقم الإعفاء من الخدمة العسكرية الفلاني..كل إدراكها لي ينحصر في دفعي المنتظم لضرائب الدخل وتسديدي لمستحقات الدولة لدى استخراج أي ورقة رسمية..


ذهنية الدولة نفسها تتعامل معي على أنني "مصدر مشاكل محتمل"..كمواطن مشاكس من الممكن أن يقترف جرما مروريا ما، عليه أن يراجع غراماته الافتراضية لدى تجديد الرخصة..أو كشخص متمذهب سياسيا على غير ما يذهب إليه النظام، سواء عصابة مبارك أو جماعة مرسي ( وإن كنت نذر دولة أمن الأخير لم تلح بكامل طاقتها بعد)..

كنت أتلقى النصيحة في كل سفر: اهرب بعيدا عن مبنى السفارة المصرية!وبخيالي الجامح كنت أتخيل دوما جماعة أبي سياف وهي تخطفني، أو تنظيم القاعدة وهو يحتبسني في كهف أفغاني لطيف، أو إف بي آي وهي تحتجزني في الدور ال14 تحت سطح الأرض وتستجوبني (معصوب العينين) : ما علاقتك آهميد بيشايخ آبو آبدوالله الماسري؟


كنت أتخيل نفسي مخطوفا ومحتجزا ومعلقا..وعلى الناحية الأخرى على الهاتف السفير المصري ردوده واحدة..لن يدفع فدية استردادي من أي تنظيم إجرامي..بينما سيقول لهم على الفور في إف بي آي: اتخذوا الإجراءات الحمائية اللازمة معه..أنتم تعرفون جهودنا لمحاربة المتطرفين..نحن نعتذر لكم عن هذا..


كل ما تراه الدولة المصرية أنني مصدر مشاكل محتمل: تريد حجب المواقع الإباحية لأنني منحط سأترك عملي وعلاقاتي الإنسانية وأتفرغ لمشاهدة أفلام البورنو..لذلك "الأخ الأكبر" يعرف مصلحتي أكثر مني وسيحجبها..وتفرض إجراء "فيش وتشبيه" _تتلاشى قيمته كل 3 أشهر تلقائيا- إذا ما حاولت العمل في مكان جديد..لأنني بالضرورة قد أكون قد ارتكبت جرما ما في أحد فصول السنة الأربعة.


وشركات الهواتف المحمولة تسألني لدى إتمام تفعيل خط عن اسم جدي لأمي! (اسم أبو أم حضرتك إيه؟)..

يذهب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو إلى أن الدولة تنظيم عصابي كبير ينشيء كيانات العد والإحصاء، ويحرص على إدراج المواطنين في مشافي ومدارس وسجلات، بغرض إحكام السيطرة وإدراك حجم "النهيبة". الدولة فحسب-وفقا لفوكو- مجرد تنظيم عصابي يحسب الطاقات الانتاجية ل"عدد" المواطنين، ويحسب أنفاسهم وممتلكاتهم والضرائب المستحقة منهم..كي يسهل حسبان المكسب الكلي وتحسينه لصالح العصابة الحاكمة!أتخيل القابع يحكم هذا البلد، وقد استحلنا أمامه على شاشة كبيرة، إلى مجرد شجرة عائلية مرقمة..هذا المواطن 876876 حفيد المواطن 878 وأبن أخت الهارب من العدالة 92923..


أخالني وعامل بريد تعس يجيء لأبي يسلمه 4 آلاف جنيها نظير قضائي نحبي على المحور أو الطريق الدائري..أقول بيني وبين نفسي: لو باعني جزار بالكيلو سيكون ثمني أكثر من 4 آلاف جنيها!

في نقابة الصحفيين، الدولة الأصغر، أحمل الرقم 7774، وهو الرقم الوحيد الذي أحفظه ضمن سلسلة الأرقام التي أحوزها بوصفي مواطنا مصريا وتختزل علاقتي بالوطن، فهو الرقم الأقصر والأكثر دلالة (هذه مهنتي وهذا وجودي وهذا هو كودي الاختزالي المحبب! وبالمصادفة يطابق المقطع الأخير من رقم هاتفي القديم!)..لو قضيت نحبي، أتخيل أبي بعد شهر وهو في قاعة ضخمة من قاعات نقابة الصحفيين كي يتسلم درع ما (شهيد الصحافة أو أي هراء بلاغي من هذا) بينما يقف السيد نقيب الصحفيين قائلا:لقد افتقدنا زميلا عزيزا..وصحفيا فاضلا..مارس المهنة مترسما خطاها الأخلاقية والاحترافية كما يليق بصحفي شريف..حقا لقد افتقدنا الزميل 7774..

الأحد، 2 سبتمبر 2012

لماذا قد يبدو المؤمن متعاليا؟ عن ذوبان الجدار بين النفسي والإيماني


دون تجاهل الخيط الرفيع الفاصل بين النفسي والإيماني، يلح السؤال-بقسوة:
  لماذا يبدو المتدينون واثقون بأنفسهم لهذا الحد؟

الإجابة مختمرة في ذهني نوعا ما، لكن إجلائها لفظيا، يبدو أمرا معقدا نوعا ما أيضا.

والنقطة التي أنطلق منها، ليس التشكيك ولا الذم في الإيماني وما يتبعه سلوكيا. بل التمعن في الجدار الواهي الذي يفصل بين قابلية الصفة الإيمانية للتحول إلى عرض نفسي.

أتحدث عن علاقة التمثل التي تحدث بين الأب وابنه والتلميذ ومدرسه والمرؤوس ومديره، وهي نقطة خطيرة ما لم ينتبه إليها المؤمن/السائر، يسبغ على نفسه من صفات مولاه..يصير رأيه صوابا مطلقا، ويتعامل بأبوية فوقية نوعا ما.
الإيمان مدهش..مدهش جدا.


بعد الوضوء دوما أحسني نقيا أكثر من أي مخلوق أرضي، بعد الصلاة دوما أحسني ممشوق القوام عريض الصدر أتنفس هواء نقيا، بعد قراءة القرآن أحسني أتكلم بلهجة تقطر كبرياء مغلفا، وتتسم بتوازن غريب. أحس أن الأرضي الصغير الضعيف، يتحول لإله صغير على مستوى الصفة البشرية.
ولابد أن هناك علاقة ما، تضفي على السلوك البيولوجي (صلاة ووضوءا وقراءة لكلام تعتقد مقدسا)، مسحة سيكولوجية بعينها. وهو ما أميل للتفرقة فيه بين الأثر كناتج عن التجلي الإلهي في الحالة الإيمانية، وبين الأثر كناتج نفسي لممارسة بيولوجية ذات طبائع معينة..أي أفرق بين التجلي النوراني، والاستلهام البشري لحالة بعينها واستنزالها وفق قانون صارم تقريبا (الصلاة=ثقة، مثلا).

هناك شيء ما وفق المتعارف عليه إيمانيا، يحل على المؤمن في ممارسته إيمانه، أو فلنقل في تماهيه مع إيمانه وذوبانه فيه، هناك بركات تحل، وسمت ما يتغشى المؤمن (النور والاطمئنان والفراسة والقوة والثقة) وهي معان أكدت عليها أحاديث نبوية شريفة، كلها تتجاذب المؤمن روحا وجسدا، حين يتماهى في إيمانه.
وسؤالي هنا، كيف يتنحى الحد الفاصل بين ربانية التجلي-وفق المنصوص الإيماني- ليفسح المجال أمام درجة من الاستعلاء النفسي؟

أعيد فكرتي مرة أخرى: أنا أنطلق من افتراض أن الطاعة والإيمان تضع لمسة ما على الإنسان، لمسة من عزة وشموخ وثقة واطمئنان..فكيف ب"الصفة" في (إيمانية) وعائها تستحيل إلى "سلوك" في (بشرية) ظهوره؟
كيف تتحول العزة-بالله- إلى "استعلاء" على خلق الله؟ كيف يثق السلفي-مثلا- أنه على الصواب وأن الباقين مجرد أطفال طائشين ضلوا في الطريق؟

وكيف يتحول إطمئنانك إلى جانب الله، إلى اعتبار أن الآخرين في خطر محدق، لأنهم فقط ليسوا على نفس طريقك ولم يمسسهم الاجتباء الإلهي الذي يحاديك؟
أرتد إلى المصطلح الصوفي هنا..


السائر..أو المؤمن المجتهد في الإيمانية والعبودية، كأنما يسير على خط بعينه في "الطريق إلى الله"..هذا السائر دوما ما تعتريه نكبات وعثرات في الطريق، وبمقدار ما يقطع من أشواط، سليم النية، بمقدار ما تكون درجته.
هنا، كيف يتحول السائر في نصف الطريق، ويحيد عن القصد الإلهي، فيصبح هو "الإله" إلا قليلا..
وكيف يستحيل رصيد التجلي الإلهي فيه، من نورانية وكشف واستقراء للأمور والحوادث والمستقبل، بغتة، إلى مجرد صفة أرضية كائنة فيه أصلا؟

كيف يعزو الفضل الإلهي فيه، إلى الصفة الأرضية في ذاته، فيصير متألها متعاليا؟
كيف يحيد في منتصف الطريق، فيتمثل إلهه نفسيا، ويعتقد-لاشعوريا- أنه معبر عنه بدرجة ما أونه متحدث رسمي باسم الله، وأنه تحت رعاية جلالة الملك! لكنه في الوقت ذاته ينشق وينفصل ويستقل عن جلالته!

كيف يصير ملكيا أكثر من الملك؟ وكيف يثور ويغضب لأجل حد إلهي منتهك، بينما الله نفسه-ربما- لا يقع الأمر عنده نفس الموقع( ففي العلم الإلهي ووفق الصورة التي رسمتها لنا الأحاديث والسير عن ذات الحق، لا يمكن الإحاطة ب"رد فعله" حيال الخاطيء العاصي، فربما يتوب عليه وربما يحبه وربما يخسف به، كل الاحتمالات قائمة )
هنا أسأل بوضوح: كيف يحيد المؤمن/السائر عن النور الإلهي، فيصير مجرد طفل أحمق، يمسك عصا مدرسه ويقلده في غيابه، دون أن يكون قد ألم بالدرس!

الأحد، 22 يوليو 2012

ما الذي تعنيه وفاة عمر سليمان بالنسبة لي؟

 

 

 

يثرثرون كثيرا فيما يخص وفاة عمر سليمان، وأنا بمفردي أحتفظ بدهشة شخصية، تربكني كما لم أرتبك من قبل.

 من موروثات طفولتي، قناعتي التامة أن هناك أشخاص لن يموتوا أبدا..كان على رأسهم جدي (رحمه الله).. ، وأحد أساتذتي في المدرسة الابتدائية الذي لا أعرف أين محله من الأرض أو السماء الآن..

وأخيرا: عمر سليمان الذي لقي ربه قبل أيام.

 الأمر لا يتعلق بولهي المبالغ فيه بشخص سليمان، ولا لأنني من فريق يرى أنه الرجل الفرصة الذي فقدته مصر.. الأمر- بالأساس - يتعلق بكوني رأيته شخصيا مرتين، واقتربت منه لمسافة تقل عن نصف متر، وتأملته عن قرب..عن قرب جدا.

وفي القرب-كما تعلمون- درجة من التفهم تتولد بين الطرفين، والتفهم –بطبعه- يسفر عن تعاطف ما، ارتباط ما، تبرير ما.

كان سليمان لغزا كبيرا بالنسبة لكثيريين، كان في عقيدة البعض مهديا منتظرا سيطيح بمبارك وعائلته في لحظة مباغتة، وكان في عقيدة آخرين ضلع الاستبداد الأصلد..وما بين هؤلاء وأولئك تناثرت روايات كثيرة يناقض بعضها بعضا.

رأيته أول مرة عام 2007، في أحد فنادق القاهرة، في مصادفة غريبة سمرتني مكاني، ولم أنطلق نحوه كي أعرفه بنفسي..

بسذاجة صحفي في مقتبل العشرينيات، كنت سأقول له: أنا صحفي وأريد أن أجري معك حوارا. لكن المفاجأة ألجمتني، وربما كان في هذا مصلحتي.

في المرة الثانية، في العام 2009، حين جاء أوباما لجامعة القاهرة كي يلقي خطابه للعالم الإسلامي.

كنت أراقب من موقعي في شرفة الدور الثاني من قاعة الجامعة، حركة سليمان الواثقة، ونظرته الشاردة، وحضوره غير المتضرر من حضور الآخرين وغير الآبه بهم..كان برأيي ممن لا يجيدون لعب دور الرجل الأول، أو أنه زاهد جدا، أو أنه داهية فوق ما نتوقع جميعا.

قبل أن يجلس في كرسيه، التفت خلفه فإذا صف من المشايخ الأزهريين،فنظر إليهم- سليمان- بتواضع جم وقال: السلام عليكم ورحمة الله ثم جلس..في لفتة مهذبة جدا، لم يقارفها جمال مبارك ولا نظيف ولا أيا من رموز وأركان دولة مبارك حينها.

لدى الخروج من القاعة كانت المسافة بيني وبينه هي نفس المسافة بيني وبين شاشة الكمبيوتر الذي أنقر حروفي الآن عليه.

كان صلب البنية، متين العظام، بملامح صخرية قاسية، ونظرة ثاقبة..كل هذا محمل على جسد يسير بعرج خفيف لا يكاد يلحظ.

في هذه المرة كنت أكبر بعامين، وكنت أهدأ نفسا من أن أذهب إليه وأقول له: أنا صحفي وأريد أن أجري معك حوارا.

ومع اندلاع الثورة، وتعيينه نائبا، وحديثه لوسائل الإعلام كانت صدمتي كبيرة، الرجل ليس عميقا بالمرة، ليس ملما بكل الخيوط والأطراف، لا يراوغ ولا يبادر بإجابات ذكية أو حلول حصيفة..لم يفرق قيد أنملة عن مبارك "الأهبل" "السطحي" "محدود القدرات".

وبعد الإطاحة بمبارك، جاءت ملفات التحقيقات معه صادمة، فمعظم إجاباته عن أسئلة النيابة كانت محبطة تتراوح بين: لا أدري، لا أتذكر..وإما إجابات عمومية جدا.

كانت كلها مملة وعديمة الإفادة، ولا تناسب مقدار الإثارة والتشويق المنثورين حوالي الكهنوت السليماني.

حين يتكلم كان يبدو كالجبل الهادر، ولكن الخلاصة القولية لما يفضي به: كأننا جالسين والماء حولنا..كقوم جلوس حولهم ماء.

ورغم كل شيء، حين يرد ذكره، كنت على الفور أذهب للنسخة الشخصية التي أحتفظ بها في ذاكرتي لعمر سليمان، بعيدا عن ثرثرة الإعلام..سواء من مادحيه المأجورين، أو كارهيه الشانئين.

كلما جاءت سيرته، كنت ألفظ ميراث ويكيليكس الذي هو برمته محل شك لدي. وكنت أهرع لصورة الرجل الذي يعرج عرجا خفيفا، ويبدو شارد الذهن غير آبه بالمحيطين، ويبدو على نحو ما "يدرك شيئا ما".

الطفل بداخلي كان ينتظر تشويقا أكثر، وينتظر نهاية أكثر درامية (حلقات مسجلة بشهادته واعترافاته، أسراره التي سيكشفها على برنامج تلفزيوني، بكاءه بين يدي محقق نيابة خشن لينهار ويعترف بكل شيء).

لم أستبعد أن يكون عمر سليمان محبا للشيكولاتة والبطاطس المحمرة، كنت أنسج عشرات التفاصيل، بشوق وتوق طفل يشاهد فيلما بوليسيا، لا يعرف كيف ستكون نهايته، لكن الأشرار عادة ما يلفظون بكل الحقائق قبل الموت. كما أن الأبطال يقولون لنا الحقيقة الكاملة كي نتعاطف معهم دراميا وأخلاقيا.

لقي عمر سليمان ربه..ومازال في نفسي سؤال طفولي لا يكف اعتمالا: هل هذا هو كل ما لديك يا سليمان؟

هل أنت تافه فعلا وسطحي وسخيف إلى هذا الحد؟

صورتك في ذهني تقول شيئا آخر، اقترابنا سويا في محيط واحد كان يقول شيئا آخر (هذا لو سلمت بنقاء الطفل بداخلي حين يقيم الأمور).

لكن هنا، لا يجوز ألا تحترز ثوريا وتشتم سليمان. أو كخيار أغبى: أن تحتشد فلوليا وتترحم عليه.

ما بين العاطفتين والنازعين والسؤال الطفولي العالق..أسأله في برزخه: هل هذا هو كل ما لديك يا سليمان؟

 

 

الأحد، 9 أكتوبر 2011

21 دقيقة وسط الرصاص.. مشاهدات من فتنة ماسبيرو (9-10-2011)

طوال 21 دقيقة وقفتها هنالك، كان هزيم الرصاص يرج القلوب فوق كوبر أكتوبر، هتافات تتردد ونيران تتأجج وحشود تتراجع، وجموع تعيد لم شملها مرة أخرى.
أقباط فقراء (من الذي يحشد كل هؤلاء الفقراء؟) يهرولون تجاه الكوبري، فيما يبدو فرارا من مواجهة محتدمة أمام ماسبيرو، ثم سيارة نقل كبيرة تتحرك بسرعة غير عادية، كأنها تهرب من الجحيم عند ماسبيرو، بينما يحتل ظهرها نحو 30 شابا قبطيا يتوسطهم صليب خشبي عملاق.
شابان قبطيان يقفان خلفي، ويحاولان إجراء عدة مهاتفات (مع ذويهم على ما يبدو)..أسأل أحدهم ما هناك فيقول لي: الجيش ضرب نار..في مصريين كتير أوي ماتوا.
"مصريين كتير أوي ماتوا" يقولها ليوجد أرضية مشتركة من التعاطف بيني وبينه..كأني بحاجة للتأكيد على أن الأقباط مصريين.
"مصريين كتير أوي ماتوا" يقولها كأنه يعتذر عما جرى، معترفا أن الجثامين بالأسفل ضحية خطأ محوري يتقاسم إثمه كثيرون.
كل هذا يجري، بينما مراكب الرحلات القصيرة على ضفاف النيل، مازلت تبث أغانيها الشعبية بمكبرات الصوت البغيضة، كأن لا معركة هناك على بعد 200 متر.
نحو 20 قبطيا يجيئون جريا من عند ما سبيرو، إلى حيث أقف منتظرا صديقي وأطفاله الصغار فوق الكوبري، ولا أستطيع التحرك من مكاني كي ننطلق بأقصى سرعة ، بالصغار قبل أن يفزعوا أو يصيبهم مكروه.
هزيم رصاص
ثم جماعات أقباط يجرون كأن ورائهم الفزع
ثم مكبرات الصوت من المراكب: " في الأول جرجرتك"
سيدة مسيحية نصف بدينة ، في الأربعينات من عمرها، تجري ومعها ابنتها التي لم تكمل العشرين ربيعا، بينما يلحقهم شباب آخرون عليهم علامات الإعياء.
"من خيبتك خدرتك"
يجيء صوت الرصاص من الناحيتين..الخلف والأمام.
أنظر خلفي فإذا أمين الشرطة المسؤول عن إشارة المرور لم يتحرك من مكانه قيد أنملة، رغم ضجيج العراك.
فجأة تبزغ من العدم مركبة عسكرية ضخمة (مدرعة) فتدعو عليهم السيدة المسيحية البدينة: إلهي يتشلوا.
يهرول شاب مسيحي: ولاد الوسخة بيضربوا فينا..أوسخ من الشرطة..أوسخ من الشرطة.
"بقيت تعرف تكدب و بتلعب على جارتك"
تتحرك الدبابة بغضب واضح، كأنها ستسحق كل شيء أمامها، كأن شيئا ما يستفزها من ورائها، لكنها لا تفعل أكثر من المشي بلا وجهة.
وفي مشهد سينمائي بجدارة، تنزلق قدما حصان يجر حنطورا، أمام الدبابة الغاضبة العمياء.
أزيز احتكاك حدوته بالأسفلت يتداخل مع زمجرة المدرعة.
فيقف قائد المدرعة لا يتحرك..يحاول الحصان النهوض..وإشارة المرور متوقفة تماما..كأن كل شيء شل فجأة.
أسمع جلبة، فأرى شابا قبطيا يضع سلاحا أبيض في جيب بنطاله الجينز الخلفي.
"وبقيت تلعب بوكر"
أقفز في سيارة الصديق وأطمئن على الصغار، وندير مفتاح المذياع، بينما في الخلف أقباط فقراء..لا أعرف من حشدهم باسم الدين، يحتجون على ما فعله مسلمون فقراء لا أعرف من أقنعهم أن هدم الكنائس من صحيح الدين.

الاثنين، 4 أبريل 2011

فتنة المنصة


وقفت اليوم حيث أيقنت يوما ما أني سأقف.. أحاضر في جامعتي، في نفس المدرجات التي طالما شردت فيها أثناء دراستي، لأتخيل اليوم الذي سأعتلي فيه المنصة ، بينما يذهب المملون الذين يدرسون لي_حينها_ إلى أقرب مركز تعليم تريكو.

مبكرا كنت أحس أني منتصر تماما في كل الجدالات التي خضتها مع أولئك "المملين"، حتى لو لم يبد الأمر لهم ولا لزملائي كما أراه أنا ساعتها. فكرت كثيرا، قبل أن أقف محاضرا في فن/علم الصحافة ..

كيف سيكون الأمر؟ من المؤكد أن السماء سترعد مع بسملة البداية..ستبرق..ستهطل الأمطار..سيحدث شيء ما كوني إيذانا بتلك اللحظة..سيومض الماضي قبالة عيني بغتة فأرى كل شيء..سيحدث شيء ما فوق ما أتخيله..سيحدث..بالطبع سيحدث شيء كهذا..

كنت أتحسب للمشاعر التي ستنتابني أثناء المحاضرة الأولى أكثر مما كنت أتحسب للمادة العلمية التي سأقوم بمناقشتها مع الطلاب . لكن كل شيء جاء على غير ما توقعت، وقفت ثابتا_برأيي_ جامدا، أتحدث: عن كيف ينبغي أن نفكر كصحفيين، كأنما هي محاضرة ألقيها منذ عشرين سنة..

لم تبرق السماء ولم تمد الأرض..كل شيء كان منتظما دقيقا لأقصى مدى ممكن.. تمتد يداي لتتحسسان الأقلام الفلوماستر التي سأكتب بها على السبورة، بينما أكبح شيئا ما طفوليا يدفعني دفعا لأن أرسم على السبورة بدلا من أكتب عناصر وإشادات المحاضرة..أقول لنفسي: هذا هو القلم الذي طالما تمنيت أن ألعب به يوما ما.

أتفرس في الوجوه عن موهبة كامنة، عن شاب طموح، عن بنت ذكية..أحس مهمة ما على كاهلي أصعب من أن تحتملها جوارحي..أنوء بها وإن الجبال لتنوء بنصفها بددا..

الأمر يتحول لأمانة أمام الله ورسوله، أكثر منه مجرد "دردشات" صحفية، يظنها طلاب طيبون "الحكمة المقطرة"..أفهم في لمح البصر قول تلامذة الإمام مالك: جالسناه عشرين عاما..ثمانية عشر يعلما آداب العلم..واثنتين العلم.

أحسني مسئولا عن هذه الوجوه البريئات، عن هذه الأحلام الغضة التي تعتمل في نفوس "بعضهم"..وعلي استحياء عذراوي هش.

أتحرك في المدرج الصغير، كي تتحرك عيونهم معي..درءا للمل وللفتا للانتباه، أعلو بصوتي وأخفضه، أمازحهم وأنتقدهم..أود أن أجرهم جرا إلى عالم وسيع..أن أكسر القيود التي ترزح تحتها عقولهم..أن أحطم أصنامهم..أن أقول لهم انطلقوا واحلموا وفكروا..امزحوا وافرحوا..تعلموا هذه "الصحافة" وأنتم سعداء..لقد اخترتم مهنة مدهشة، ستظل تواليكم بمفاجآتها حتى النهاية..نهايتنا لا نهايتها..فهي ستظل..ستظل..ستظل.


أسترجع كل خبراتي، وأفتش في أوراقي القديمة: هذه ملاحظة دونتها خلف نك جوردون، وتلك قصاصة أحتفظ بها لسيمور هيرش، وهذه صور توثيقية التقطتها من داخل مقر واشنطن بوست.. هذه قصة ينبغي أن أخبرهم بها..وهذه خبرة اكتسبتها من سفرة السودان ينبغي أن أقصها عليهم..وهذه فكرة قرأتها في كتاب وأعتقد أنها ستدفعهم للأمام بضع خطوات..

أتحرك بينهم، لكن شيئا ما يستوقفني: هؤلاء الطلاب يشبهون زملاء دفعتي بالضبط..شبه شكلي ونفسي يكاد يكون متطابقا بصورة تدعو لتساؤلات أكثر من وجودية. هذه الفتاة متحمسة كفلانة التي كانت في دفعتي، وهذه رعناء كتلك، أما هذه فإنها طيبة كأنها زميلتي الطيبة..وهذا خجول مثلي..وهذا مفتقد للثقة في نفسه..وهذا لو ركز قليلا سيصير صحفيا ذكيا..كل واحد منهم يشبه واحدا من دفعتي على نحو كاربوني...

تقودني قدماي رغما عني للمكان الذي كنت أجلس فيه أيام كنت طالبا، في تلك البقعة.. تحديدا حين كنت أتمنى أن تقترب "إياها" صدفة كي تجلس هنا..كي أتغذى بالنظر إليها..عوضا عن خجلي المطبق الذي يحول بيني وبين التحدث إليها في هذه الأيام.


أستغني عن المايكروفون، يبح صوتي، أحسني كما لو كنت في مشاجرة عنيفة دامت ساعتين، لا في محاضرة عملية عن الصحافة..حين أحس شيئا منتعشا في أرواح "الأولاد"..أقول بيني وبين نفسي: هي الأمانة..وهم يتلقفونها..وليغفر الله لنا فيما قصرنا.

الأحد، 20 فبراير 2011

الميلاد 26..خيانة الفسيولوجي..أو ما أدعوه أمنية الساعة الرقمية




يبدو الأمر هذه المرة أشبه ببنيامين بوتون..الشكل والملامح يسيران في اتجاه عكسي مع العمر.
أقصى تقدير عمري حصلت عليه حتى الآن: عندك 19 سنة!
بل يبدو أن هناك تلازما أبعد وأعمق من مجرد شكل أقرب للطفولي، أسعى لتغييره من وقت لآخر نزولا على ضرورات العمل ولمتطلبات اجتماعية سخيفة، تدعم من موقفك لو كنت تبدو في السادسة والعشرين أكثر مما ستدعمه لو كنت تبدو في التاسعة عشر.

هناك شيء ما أعقد وأكثر تركيبا من أن يتم اختزاله في الشكل..أنا بالفعل، أرتد للوراء عمريا!

(جسم في السادسة والعشرين، شكل في التاسعة عشر، قلب في الرابعة عشر، أمنيات في الثامنة من العمر).
عيد ميلادي الفائت لم يكن سعيدا كالأربعة الذين سبقوه..كان فيه مسحة حزن طفيفة، لولا ضفيرة ضوء رأيتها تتغشاني في هذه الليلة فأدركت أني لازلت على خير.
لكني هذه المرة أحسني خفيفا لدرجة غير طبيعية،أحيانا أتخوف من أن أكون مجرد شبح يعتقد أنه لازال في قيد الحياة.
لا شيء سار كما خططت له ولا كما توقعته، فهمت الآن فقط كيف يسير القدر وكيف يرتجل وكيف عليك أن تتجاوب.
ضاعت ملابسي كلها مرتين هذا العام! وضاعت مكتبتي مرتين!
لكن الله عوضني ملابسا خيرا من ملابسي ومكتبة خيرا من مكتبتي..(مش بقولكم بقيت حاسس إني في الدار الآخرة).
لم أقص شعري منذ أكثر من عام، غيرت سكني (منفردا هذه المرة) ثلاثة مرات، تعلمت قليلا من الطهو، كثيرا من قيادة السيارات، ونذرا ضئيلا من اللغة الإيطالية، ومباديء عامة عن الموسيقى وكيفية العزف على الآلات الوترية، وتصفحت الكثير من مجلات الديكور والأزياء، ودرست_متعمقا_ تاريخ العسكرية المصرية، وعقيدة الدبلوماسية المصرية.
أحس كل شيء مختلفا، أود أن أساعد الناس جميعا، أن يذروني الله رياحا فتهب على كل بما تشتهي نفسه.
لقد تحققت هذا العام واحدة من أكثر الأمنيات إلحاحا في نفسي: أن أنام في سرير أقرب للصندوق، (راجع:
فصل من سيرة المكعب)، وهو ما حدث بالفعل، فسريري محاط بمكعب ينقصه ضلع واحد فقط، وأتقوقع بداخله كيف شئت متى شئت.
الأمنية التي تراودني، منذ الأمس، كطفل يتيم حالم : أن أشتري ساعة رقمية كاسيو!
لم؟ لا أعرف..فهل تعرف أنت؟

السبت، 17 يوليو 2010

الشيوعي المسن..ارتعاشة اليد الثورية


الرجل الشيوعي المسن مايزال يدخن بشراهة..

ترتعش يداه ارتعاشة خفيفة (يطلقون عليها أثر السن، ويعتقد بعض شهود العيان أنها نتيجة طبيعية_على المدى البعيد_ لسنوات الاعتقال والتعذيب)

يتحدث معي بحماسة ثوري سابق..عن حتمية حل سلمي

يتكلم كثيرا عن التوافق والتراضي وإيجاد أرضية مشتركة

يقول لي: لا تخرج على السلطان

يفلت التعبير منه رغما عنه، وآه لو سمعه خصومه التقليديين من مبتدعة أن السلطان ظل الله في الأرض

يشدد: كن مستقلا..مستقلا جدا

لكنه هو شخصيا إن كان مستقلا..فبالطبع ليس"جدا".

يبدو لي قد أدرك قانون اللعبة

بعكس شيوعي آخر

مسن أيضا..لكن لثروته أثر بالغ في أن يبدو في السن صغيرا "جدا"..

يحكي لي عن حتمية توزيع عادل..

ينفث دخان سيجاره (يكفي ثمنه لإطعام عائلة من تلك التي يريد أن يدرجها في نظام العدالة الشاملة)

يقول لي: لا تقبل ولا تفاوض

بينما يتلقى من سكرتيرته الفرنسية تقريرا عن حركة أسهم شركاته بالبورصة

أشكره على نصائحه النابضة النبرة

وأبدي إعجابي ببذلته البيضاء الفاخرة..وياقتها الأكثر بياضا على عنقه الغض المرفه

لابد أنه سيحطم الأرقام القياسية..لو وضعوه على ميكنة "قياس النقاء الثوري"..هو نقيُ جدا

يهديني الأول مكتبته..ويقول الثاني قبل مغادرتي المكتب: أشوفك في الماريوت عشان نشرب شاي سوا

الخميس، 14 يناير 2010

مصطفقى الفقي وبابا الفاتيكان..الأعمال الكوميدية الكاملة













خسر سياسي أمريكي معركته الانتخابية في الثمانينات لأجل مزحة عابرة، فقد سأله أحد الحاضرين سؤالا حول برنامجه الانتخابي وإمكانات تطبيقه على أرض الواقع، فقال المرشح: هناك نكتة إيطالية تحكي أن صحفيا سأل امرأة إيطالية عن رأي بابا الفاتيكان حول تحديد النسل، فقالت : من لا يلعب اللعبة لا يضع القواعد!

ومع التصريح الأخير لمصطفى الفقي في "المصري اليوم" بأن رئيس مصر القادم يحتاج إلى موافقة أمريكا وعدم اعتراض إسرائيل، أجدني مضطرا لمراجعة الأعمال الكوميدية الكاملة للسيد مصطفى الفقي والتي انفرد بها على الساحة السياسية المصرية خلال العامين الأخيرين.

فقد قال الفقي في يونيو 2008 في جلسة بأحد نوادي الروتاري حسبما نقلت آنذاك صحيفة البديل المتوقفة عن الصدور : "هناك من يتحدث عن أم الرئيس ويقول إن اسمها نعيمة.. واللي يتكلم عن أمي هلعن اللي خلفوه"..

وقبل عام وفي أحد نوادي الروتاري (يبدو أن هذه الجلسات تستنفر الكوميديان الكامن في السيد مصطفى) نظر للصحفيين وقال بصورة ساخرة : واكتب يا ابني عندك..إني أؤيد جمال مبارك رئيسا للجمهورية.

يصنف الفقي كقومي ناصري معتدل الهوى الإسلامي، ويذهب باحث بريطاني لا أتذكر اسمه أن وجود السيد مصطفى في فريق الرئيس مبارك انما هو من قبيل المراوغة السياسية التي تحتمل تصعيده لمناصب أكثر أهمية في النظام المصري، حال احتياج الأخير لتصدير صورة جديدة عن تحولات نحو سياسات أكثر "ناصرية"، بما يربك الولايات المتحدة وإسرائيل.

ومع هذه الفواصل الفانتازية من التصريحات والتحليلات، التي تتعلق في معظمها بمستقبل مصر ورغبات أمريكا، أجدني مضطرا للتساؤل حول تصريحات للفقي، الذي شغل منصب سكرتير الرئيس مبارك للمعلومات:

1-هل فقد الرجل رشده؟

2-هل يراوغ النظام بهذه التصريحات لقياس شيء ما؟

3-هل يطرح الفقي نفسه بديلا لبلال فضل؟

أنا شخصيا أميل للاحتمال الأخير وأعتقد أنه أجدى لكل الأطراف: مصطفى الفقي، والرئيس مبارك، ومصر..وبلال فضل.


الخميس، 13 أغسطس 2009

إياك والغيرة من "الرجل" الناعمة يده

لماذا لم نعد نغار من هؤلاء الرجال الذين كنا ننهر زوجاتنا إذا تحدثن عنهم من قبل؟

ألأننا طلقنا زوجاتنا؟ أم لأننا اكتشفنا أنهم لم يكونوا رجالا بما يكفي؟

******

هامش: صافحته ببرود ..وأشفقت عليه من نعومة يديه المفرطة، وكان بودي أن أناديه : "مكنتش أعرف إنك كميلة كده خالص".

الأربعاء، 22 يوليو 2009

وقد شهدت لي الحكومة المصرية إني صحفي حر

اليوم تسلمت البطاقة حسب الموعد المحدد..
تفحصت البطاقة فإذا بالمهنة : صحفي حر..
لم يتراء لي أن الموظفة الملولة القابعة في الدور الأول (الذي يشبه القبو)
في سجل مدني العباسية تمتلك من رفاهة الوقت ما يمكنها من الإجابة علي سؤالي:
هو "صحفي حر" وصف مهني ولا أخلاقي؟

الأربعاء، 11 فبراير 2009

يا "صوتها" الحلوا

تبيان: وماطربي لما رأيتك بدعة..قد كنت أرجو أن أراك فأطربُ

سمعت صوتها_وهي تقول ها قد رأيتك_فانتفضت،وشهقت_ولم أك أدري معني أن تشهق فرحة_وتفلتت مني،رغما عني،أنصاف ضحكات بصوت بهوج،كأني أرد التحية بمثلها،بل بأفضل منها..وذاك خلق المحسنين.

كانت اليوم تجربتي الأول مع تلك النبرة الصوتية،فأذني لم تحتك_علي مدار تاريخي السمعي_بمثل هذه النبرة أبدا،أقسم أني_ما حييت_لن أسمع مثلها رنينا ولا صدقا.

هامش: ياقوم أذني لبعض الحي عاشقة..والأذن تعشق قبل العين أحيانا

قالت_يارعاها الله_وفي القول منها سلوي وعزاء،كل ما لايقال،ففطنت إلي أني لا أراها إذ أري.

شهقتُ،مرتين،وكتمت الشهقتين ..فتبدي لي_علي الفور_ تسع من الملائكة،كلهم يقول :ويحك يا فتي! إلا واحدا ناولني كوبا من الماء،ومسح علي صدري..وابتسم،وغمز بعينه اليمني.

أغمضت عيني،والتزمت الصمت حتي قلت أني نذرت للرحمن صوما،ولو رغما عني.

ياباسمة المحيا،ألست تعلمين أن لك__ولو بأثر رجعي_ما يخولك قتلي دون دية؟

منطق:إن العيون التي في طرفها حور..قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يعيد الزمان كرته : (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إنَا كنا فاعلين)،ونلتقي رغما عن رغبتنا التي نزلنا عليها سنين عددا،ولكن: وقد يجمع الله الشتيتين بعدما.. يظنان كل الظن ألا تلاقيا.

اليوم نؤكد علي موقفنا المشترك ورؤيتنا المشتركة_وصال علي بعد،بعاد علي وصل_لكنني اليوم يا باسمة المحيا أكتشف شيئا جديدا: أن صوتك أجمل..أن نبرتك أصدق.

خاتمة: سبحان من جعل القلوب خزائنا..لمشاعر لمّا تزل تتقلب

الأربعاء، 5 نوفمبر 2008

أوباما..ألست تعرف أني؟


هنا في أمريكا، يقال لي :بينك وبين أوباما شبه شكلي!..و في مصر قيل لي :من يراك يظن أنك من مدراء حملته،أو من أقاربه..وحين فاز أمس بعث الناس لي برسائل تهنئة!

ويحك ياباراك؟ ما سر الصلة؟..

قلت لعله انطباع المحبة،فله في قلبي اعتزاز غامر لايدركه كائن ما كان،فهو أخلاقي(وهذا نادر) ذكي(وأنا أعشق الاذكياء) طموح(وهذا مهم) طاهر(كما أود أن أكون)يدرك جيدا أين يحط قدميه (وأظنني كذلك)،وكيف يستأثر بناصية التاريخ حين يعتلي منبر الخطابة(ومن منا لا يريد أن يكون كذلك؟)..لقد راقبته جيدا علي مدار حملته الانتخابية..أترقب أخباره منذ عامين،وكل يوم أراه أنقي من اليوم الذي قبله،وكل يوم يخطو فيه نحو الصواب خطوة..وترق له من قلبي وشيجة.

أوباما يتخطي كونه رئيس امريكا،فهذا المنصب له وقع بغيض في النفوس،باراك اوباما هو انتقام التاريخ وثأره..وعلي من يريد الاستزادة ان ينظر الي ملامح السيدة كارول التي قضيت ليلة امس في بيتها هي و8 عائلات من اصول زنجية،حين كانت تصرخ فرحة مع كل ولاية تعلن ولاءها لاوباما،وحين كانت تتغني بأهازيج وألحان شجية تعود إلي أيام كان أجدادها في الغابة.

في بيت كارول كان البعض يحمل صورة مارتن لوثر كينج(ها هو "الحلم" قد تحقق يا كينج) وكان آخرون يهللون باسمه وبصورته وببطاقة تأييده..بكل ما يمت له بصلة.

مال علي الشاب الابيض دان وهو يقول لي "باراك يستحق"..قلت له :"هؤلاء الناس يستحقون..ان فوزه رد اعتبار تاريخي لهم" فأومأ رأسه أن نعم.

اوباما محبوب عالميا،ودي حاجة بتاعة ربنا،وليس في الهوي العذري معذرة،أنا أحبه وتدمع عيناي له حين يفوز،وأشفق عليه أن يخلف الظنون.والمحبة هنا رغم كل ما سبق ليست مؤسسة علي دوافع عملية منطقية،بل هي خالصة ساذجة،لا أدري مكمنها.

لماذا يراودني يقين صحفي_ويقيني هنا لايخذلني ابدا_أني سأحاوره يوما ما؟

الجمعة، 31 أكتوبر 2008

ملفك الأحمر لدي شرطة نيويورك..أو عندما قلت للريموت يعني هي جت عليك انت

استعان بي ضابط الجوازات ذي الملامح نصف الشرسة_بمطار حون كينيدي بنيويورك_ في الترجمة بينه وبين رجل سوري لا يجيد الانجليزية،استبشرت خيرا،فكما يبدو أنه يثق بي جدا_الضابط لا السوري_ ومطمئن لصحة أوراقي،فقد فهم من محمود أننا سويا وهذا يكفي كما أعتقد.. إلي أنهي كلامه مع السوري واضعا أوراقه في ملف أحمر مقررا أن يصطحبه إلي مكان ما.طمأنت السوري وقلت له بلهجة الواثق المطئمن العليم ببواطن الامور :لا تقلق،هذا لا يعني اي شيء سيء علي الاطلاق..سينتهي ورقك بعد قليل.

جاء الضابط بعدها بدقيقة بينما أنا متبرم للغاية،أقف في منتهي الألاطة ،أتوق شوقا لانجاز أوراقي بسرعة..أريد أن أشرب بعض النيسكافيه قبل التوجه لطائرة ساركيوز..أريد بعض الراحة..أنا مهم جدا لو تعلمون.. فحص الشرطي ذو الملامح نصف الشرسة أوراقي وقرر أن يصطحبني أنا وناجي إلي ال "مكان ما" بينما أوراقنا محفوظة في ملف أحمر مطابق لملف السوري!

دخلنا غرفة مقبضة،بها مصريان وأردني وسودانيون و "السوري" طبعا.. وشابة دون العشرين تبدو لبنانية..مرحي بغرفة الوحدة العربية إذا..بعدها بقليل جاءت سيدة محجبة كانت معنا علي الطائرة،ثم رجل باكستاني وزوجته ثم احد افراد طاقم الطائرة،ثم جيء بآخرين وآخرين إلي أن ضمت الغرفة ممثلين من كافة بلدان العالم الاسلامي تقريبا..(قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء)

لم يتركني الضباط كثيرا لهذه الملاحظة البدائية،فبعد قليل توافد عدد من اللاتينيين وجاء شاب مكسيكي وآخر تركي وآخر كندي،ثم جاء يهودي بولندي وزوجته،ثم حاخام اسرائيلي ثم شابان اسرائيليان..إلي أن تغيرت تركيبة الغرفة تماما،علي المستويين :العرقي والديني.

بعد أربع ساعات كاملة جرت فيها الكثير من المحاضر والتحقيقات والترحيلات،قرروا الافراج عن ناجي،بينما أعاني من صداع قاتل وألم في عيني اليسري كاد أن يحرمني الرؤية لولا قليل من رباطة الجأش.

قرروا الافراج عني أنا الآخر،دخلت أقرب حمام،بحثت عن حقيبتي..لقد ضاعت فعلا!

اضطررت للتجوال في كل ركن بحثا عن الحقيبة ولا فائدة..إلي أن توجهت لأكثر من مكتب كل منها أحالني للآخر إلي أن تم استدعاء شنطتي من مكان ما استنادا الي الباركود الملصق علي التذكرة.

واجهتني مشكلة في تذكرت الطائرة المتجهة لساركيوز،ثم مشكلة في المطار ذاته حين تأخر سائق التاكسي علي ما يقرب من ثلث ساعة كاملة بينما الوقت في منتصف الليل والثلج يهطل.

ضربت أخماسا في أسداس،فاليوم من أوله أسوأ ما يكون..مشكلة في تذكرتي في القاهرة ثم مشكلة مماثلة في نيويورك واحتجاز وضياع شنطة ثم استردادها وتأخر سائق التاكسي...كنت مستهلكا لاقصي درجة ممكنة..ذهبت للفندق لتكتمل المنظومة :لايوجد حجز باسمك!

حاولت مرارا وتكرارا وراجعنا الكثير من الاوراق الي أن تأكدوا..صعدت الي غرفتي ..حاولت فتح التلفاز..لم أفلح..كان هناك شيء ما بالريموت يحول بيني وبين ذلك..ألقيته جانبا ورميت نفسي علي السرير وقلت للريموت:يعني هي جت عليك إنت.