90s fm

‏إظهار الرسائل ذات التسميات وصف قاصر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات وصف قاصر. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 26 أكتوبر 2011

ما لا يحتاجه حسام تمام..ونحتاجه نحن.



رحل حسام تمام، هو لا يحتاج الآن شيئا، في حين نحتاج نحن.
برحيل حسام سأفتقد أول من نشر لي مقالا، وأول من اصطحبني من يدي لجرنال، وأول من ساعدني-صحفيا- حين سافرت خارج مصر، وأول من تناول مخطوطتي الأولى، ليدفع بها لدار الشروق عساها تستحيل كتابا منشورا.
أفتقد أول من ارتكزت عليه في حياتي العملية، وأول حدد عيوبي المهنية بدقة واضحة( كان يقول العيب كأنه المدح!)، وأول من انحاز لي دون توضيح الدوافع.
زيارتي الأخيرة له في 6 أكتوبر الماضي في مستشفى الشيخ زايد كانت زيارة وداع لم ألتفت للإشارات الإلهية الكامنة فيها، كنت أرى وجهه فيها نيرا هادئا، رغم السرطان البشع الذي يجتاح خلاياه.
وكنت أشفق دوما من اللحظة التي أنا فيها الآن..أن أرثيه.
وأفهم قول شوقي في حافظ إبراهيم: قد كنت أوثر أن تقول رثائي..يا منصف الموتى من الأحياء.
تبتديء الزيارة دوما وهو مرهق من إثر المرض، لكنه يغير وضعية جلوسه-كل مرة- في أقل من 15 دقيقة، لينخرط في النقاشات المدبرة التي كنا نجرجره فيها، فيزدهر وينهض ويبدأ الحكي فلا ينتهي..
حقائق ومعلومات ومقابلات وكتب وقراءات وذكريات وأحاديث خاصة وأشعار وأحاديث وروايات وتفاسير..إعصار معرفي جارف هذا الرجل!
نتركه وقد استحال من صفرة المرض لحمرة الحماس..ونستأذن لنجيء بعد اسبوع أو اثنين.
دوما كان يشاكسني: حمادة ياعفريت!
يسألني: أخبار عبد الوهاب المسيري إيه؟
فنضحك سويا..يوميء من طرف خفي إلى حياتي العاطفية..يسألني هذا السؤال الكودي مذ تعمدت صداقتنا في 2004، وللكود واقعة عاطفية كانت تضحك كلينا حتى الإنهاك..لدرجة أنه أطلع الراحل عبد الوهاب المسيري على استخدام اسمه بصورة كودية للتعبير عن توصيف درجة من درجات العلاقات العاطفية..فرد المسيري بخفة دمه وسرعة بديهته وصفاء نفسه: أنا ممكن أتدخل شخصيا في الموضوع مش اسمي بس.
يضحك ثلاثتنا (اصطحبني لمنزل المسيري مرة، ورتب لي لقاء منفردا معه في منزله مرة، ورحل كلاهما عني، لأضطر-وما أقبح اللغة في هذا الموضع- أن أقرن حكايهما معي بقولي: ذات مرة).
أتذكر ملابسة المعرفة الأولى حين نشر لي مقالا في إسلام أونلاين، كنت طالبا جامعيا متدربا حينها، بعدما أعاد تحرير بعض أجزائه، الأمر الذي غير المعنى في بعض المواضع.
أرسلت له "إيميل" حاد: التعديلات غيرت المعنى بما لايتوافق مع ما أقصده، من فضلك: إما أن تعيد النص إلى ما كان عليه سابقا، أو أن تحذف اسمي من عليه، أو أن تحذفه مطلقا، ولحضرتك حق التعامل معي مرة أخرى من عدمه.
ضحك وأجرى التعديلات ثم عزمني على الغداء: سأجرى التعديلات لو لم يكن لصحة موقفك العلمي، فلأنك جدير بهذا..لو لم تدافع عن وجهة نظرك (أيا كانت) لما كنت احترمتك..ولو لم تكن بشجاعة أن تطلب حذف أول مقال ينشر لك في حياتك، لما كنا معا الآن.
كانت دوما لقاءاتنا مدموغة بطابع احتفالي، فهو يعزمني أو أعزمه (كان يعزمني هو أكثر بالطبع بموجب 13 سنة عمرية فرق تضعه دوما في تصنيف أخ أكبر).
وكل لقاءاتي معه ملحمية، دوما معه أصدقاء من المغرب أو لبنان أو السودان أو موريتانيا..دوما هناك أصدقاء من كل مكان في العالم، نجلس سويا وتروح الأحاديث وتجيء طوفانا من المعرفة والآراء، وكل الجالسين دوما يوقرونه ويحترمونه.
عهدته حادا في الحق، صارما في قيم المهنة، رجلا بالمعنى الحرفي للكلمة.
قال لي جملة تأسيسية في وعيي: الفيصل سيكون في قدرتك على التحليق خارج السرب..أن تنفصل وأن تغرد بمفردك..هذا هو تحدي حياتك..فقط عليك أن تمتلك الشجاعة.
ثم نظر إلى مدخل إحدى بنايات الصحف القومية التي نستقل المقهى المقابل لها: لو صاحبت بواب مؤسستك وكان صادقا معك،خير لك من أن تصاحب رئيس تحرير منحط.
كان دوما محل ترحاب وتقدير واحترام، لا ينال من غيبته إلا مجايليه من الحاقدين عليه، وكانوا من التفاهة بمكان بحيث يبدو كلامهم سخيفا سفيها..(وإذا أتتك مذمتي من ناقص..فهي الشهادة لي بأني كامل).
أتذكر بياتي معه ذات مرة في شقته-قبل أن يتزوج- وأنا أحاول إقناعه بمشاهدة فيلم أمريكي رومانسي : فكك من الإسلاميين بقى شوية يا أستاذ حسام.
-وريني ياحمادة ياعفريت.
يطلب إيقاف الفيلم في منتصفه ويسألني عن عن أحوالي العاطفية..أحكي وتبرق عيناه وتتسع ابتسامته..فيقول لي: ادخل نم أيها العاشق.
أستيقظ وأستأذنه في قرصنة بعض كتبه..أفاوضه كثيرا مفاوضات تؤول لصالحي..ويترك كتبه عن طيب خاطر وصفاء نفس.
يتناول كل شيء بملكة تحليلية نادرة.
كان المسيري يصفه لي بأنه استثنائي، وكان هيكل معجبا به لدرجة مدهشة.
اختار المسيري ثلاثة مقالات له وأرسلها لهيكل، الذي استقبل حساما في منزله، وأبدى ثلاثة ملاحظات نافذة لحسام، استأمنني عليها حتى اليوم. إن كانت تشي بشيء تشي بأن حسام عملاق وبأن هيكل ذكي ذكاء نادر.
وطنيا حسام كان لأقصى ما يتخيله عقل، كان يشتبك مع كل من يشكك في مصر حد الاقتتال، ويحلم بمصر غير مصر.
في السر كان يدبر مع بعض الأصدقاء دعم ترشيح مفكر مصري كبير لجائزة عربية كبيرة، فكان يصرف من جيبه الخاص على إرسال خطابات الترشيح للخارج، وحين يتم هو والفريق السري عمله..كنت أذهب إليه وآخذ منه المظاريف وأتوجه بها لأقرب نقطة بريدية..ويملؤنا الأمل في أن يفوز بها المفكر المصري العظيم..لأنه بحاجة ملحة إلى المال قبل التكريم!
ومثلما ترك كليتي الإعلام فالاقتصاد والعلوم السياسية ليستقر في كلية الآداب جامعة الإسكندرية..كان يحل من مكان لمكان طائرا مرتحلا..تنشر مقالاته الصحف العربي والإنجليزية والفرنسية، وتستضيفه الندوات والبعثات..وكان دوما متألقا بلا شبهة خفوت عابر حتى.
وعلى خلاف ما يبدو على مظهره الرجولي الصارم، كان ودودا لطيف المعشر يهوى النكات ويحفظ الشعر ويجيد اصطياد المفارقة.
وحين أجيء على نفسي وأكبح دموعا عاتيات لأكتب هذا، فأنا أكتبه لأننا بحاجة إلى أن نقول أن هنا بيننا كان صحفيا جيدا..كان بيننا شخصا لا يماري..كان بيننا إنسانا رائعا..ينبغي أن نتوقف لنثبت الحالة في تاريخنا..ولنقول أن كل قبح العالم يمكن أن يزول بشيء واحد جيد يفعله شخص واحد جيد..ينبغي أن نترك الحقيقة منشورة..كان بيننا شخصا رائعا بكل ما تنطوي الكلمة عليه من معان.
وأخيرا: ناقشته آخر مرة التقينا قبل إسبوعين ، حول العنوان المفترض لكتابه الذي كان على أبواب النشر، بعدما أطلعني على فصوله، واستمع لوجه نظري حول أمثل طريقة لتبويبه، فقلت له: ينبغي أن تكتب فصلا إضافيا فنظر لي ساعتها مبتسما وفي عينيه بريق خافت: مفيش وقت.

الثلاثاء، 28 يونيو 2011

الزنزانة زنزانتك..عن مقابلة رجل من جوانتانمو..أو لقاء خاص مع مستر "إكس"!


"هذه الزنزانة تركها الشيخ جابر للشيخ أحمد"..بخط رديء وبدائي ينضح صدقا غير قابل للمناقشة، كتب أحد المعتقلين هذه الجملة على مدخل زنزانته الصغيرة (متران في متر)، فكان أن استغرقتني الجملة التي أثارت خيالي نحو عشرات القصص المحتملة حول الملابسات التي اختار فيها الشيخ جابر أن يترك زنزانته-فيما يشبه المهاداة-للشيخ أحمد.

كانت عشرات الاحتمالات تعتمل بداخلي بينما يتنقل زميلي حسام في طرقات السجن ليعاين عن قرب، كيف يعيش نحو 80 معتقلا "إسلاميا" في أحد معتقلات طرة المشددة.

لم تنته تساؤلاتي ولم أخطيء تساؤلات مماثلة في ذهن حسام، بينما يصافحنا من وقت لآخر شيخ ملتح بمودة زائدة، كما لو لم نكن (حسام وأنا) زائرين حقوقيين وصلنا سجن طرة في مهمة عمل شبه اختلاسية، بمقدار ما بدونا في زيارة ودية صبيحة أحد أيام عيد الفطر لمنزل عائلي كبير يقيم فيه هؤلاء المعتقلون.

يسألنا كل مصافح عابر: من تريدون؟ فنرد سويا في صوت واحد:الشيخ عادل.

دخلنا للشيخ عادل في المسجد بينما لم يكد صف الصلاة ينفرط بعد، رغم انتهاء الإمام من تسليمة الخروج من الصلاة-بعد وقت بدا لي الدهر مقارنة بالوقت الذي تستغرقه صلاة الظهر في مساجد ما خارج هذه الجدران.

للوهلة الأولى التي صافحت فيها عادل الجزار المعتقل المصري الذي قضى 8 سنوات من عمره في معتقل جوانتامو ذي السمعة الجحيمية، أحسست مشاعر مضطربة ومتداخلة كما لو أن شاشة مشوشة تلقي بظلالها أمام عيني.

وفي غمرة التشوش ألمح وجها يشبه وجه أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة الحالي، فأعتقد أنني في طور هلوسة ممنهج، يزكي أواره وطأة الحر القاسي، وفي ظل الوقوف داخل واحد من أعتى سجون مصر.

يوضح لي أحدهم:"هذا الشيخ محمد الظواهري، أخو الشيخ أيمن"..وبينما يتبرع بتعريفنا بنخبة من هؤلاء الواقفين، تزداد حيرتي، فكل هذه الأسماء مثيرة للهلع ..ارتكبت فظائع وخططت لمصائب وتسببت في كوارث..أو هكذا أقنعتني أجهزة الأمن من سي آي إيه لأمن الدولة، مرورا بمنظومة الإعلام الملحوقة بهما.

"أنا مش مستر إكس أنا مفتاح..وبيدلعوني يقولوا لي يا تاح"

أشرد بذهني بعيدا وأتذكر الموظف البسيط "مفتاح" الذي اعتبره الضابط سمير صبري في الفليم الكوميدي الشهير ليس سوى "مستر إكس" الذي فجر المحيط الأطلنطي وخلطه بالمحيط الهادي! على حد تعبيره.

أتذكر-بالطبع- عم سمير فرنسا الذي كان زميل والدي في الزنزانة، وكانت تهمة العم سمير أنه الذراع الأيمن لأسامة بن لادن، بينما لم يكن في حقيقة الأمر أكثر من بياع طماطم عثر الحظ، يدخن بشراهة، ويصلي بصعوبة، ولا يعلم الكثير عن "الإسلام" إلا بمقدار ما يعلم البسطاء من قواعد عريضة وأخلاقيات وقيم إيمانية وتعاملية. لكن أمن الدولة اعتقله وقدمه للإعلام بهذه الصفة التنظيمية التي لا يرقى إليها "سي في" العم فرنسا بحال من الأحوال!

جلسنا مع عادل الجزار في زنزانته الخاصة، التي اتسعت لثلاثتنا بالكاد، في حين شرع حسام في مراجعة الإجرءات القانونية والحقوقية التي يمكن اتخاذها لإخراج عادل من محبسه على خلفية حكم غيابي من محكمة عسكرية بـ3 سنوات سجنا مشددا في قضية ما سمي بتنظيم "الوعد"..التنظيم الفشنك، لمن يتذكر.

كنت أتخيل كيف يمكن أن يكون أبي قد قضى فترتي اعتقاله في زنزانة كهذه، وأتخيل-بتخوف في محله- كيف يمكن أن أقضي يومي لو ألقتني أقدار عثرة إلى هذا المكان يوما ما.

يفيقني حسام: هل عندك أي تساؤلات للشيخ عادل يا أحمد؟

أسأله عن جوانتانمو..هل عذبوكم وفق تقنيات نفسية مدروسة؟ هل خضعتم لتجارب نفسية أو طبية سيئة؟

يجزم الجزار أن هناك أطباء حقنوا البعض بمواد غير معلومة، كانت تجعلهم في حالة أشبه بفقدان الوعي لمدة تصل لشهر تقريبا، ويحكي أمثلة متواترة حول تواطؤ الأطباء مع قيادات الجيش الأمريكي في جوانتانمو لتعذيب المعتقلين، فهم وفقا لتعبيره "مخلوقات أقل من الأمريكيين، ومن ثم مستباح تعذيبهم وانتهاكهم".

ينهي الجزار كلامه بينما معنوياته تكاد تعانق الثريا: لا أستبعد أن أصلي عصر اليوم في منزلي!

يصحبنا الجزار نحو ثلاثة معتقلين آخرين، وبينما يتقدمنا، ألاحظ عرجا خفيفا في مشيته، فيهمس لي حسام : قطعوا رجله نتيجة التعذيب في أفغانستان ، وهذه رجل صناعية.

يلتقي حسام بالثلاثة الآخرين، وهم الثلاثة الذين صدرت ضدهم أحكام بالإعدام في قضية تفجيرات طابا (2004) الشهيرة، يبدي حسام تجاههم مودة كبيرة تليق بمعرفة-تصل لدرجة التوحد- فقد كان معنيا بمتابعة قضيتهم وتوفير ضمانات عادلة لمحاكمتهم، طوال ست سنوات.

وهنا أتفهم شحنة العواطف المطلقة العنان التي تجتاح زميلتنا سهى حين تحكي عن الثلاثة الذين حكم عليهم بالإعدام في تفجيرات طابا، بينما الاتصالات تجري هنا وهناك كي لا يصدق مبارك على الحكم، ويذهب الشباب الثلاثة- ربما ظلما، ومن المؤكد أنه ليس وفق إطار محاكمات عادل- لحبل المشنقة.

يتفاعل حسام معهم فأعتقد أنه نسى وجودي بجواره، وأترك أربعتهم في حديث لا يبدو أنه سينقطع أبدا، بين رفاق قدامى يعرفون بعضهم بالأسماء فحسب، بينما أتناول عبوة البيبسي التي لا أعلم من أين حصلوا عليها ولا في أي مفارقة هزلية سأشربها في سجن طرة اللطيف، بعد أن أصروا على أن أشرب واحدة وأن يشرب حسام أخرى (الدايت بالطبع).

كنا بالأحرى نبدو في بيت عائلة، لا في معتقل، فطقوس المضايفة واحدة، او هكذا هم المصريون أين كانوا!

(من وقت لآخر كنت أنتظر أن يقول أحدهم: الزنزانة زنزانتك)

وبينما نهم بالرحيل نلتقي "محمد الأسواني"..أسطورة أخرى، تتحرك على ساق سليمة، وأخرى أنهكها المرض، فلا تبدو صحة الأسطورة بخير.

أسطورة الأسواني انه معتقل منذ 31 عاما! على خلفية اتهامات كثيرة، يبدو أغلبها منتميا لفلكلوريات اتهامات أجهزة الأمن المصرية.

هكذا يمكن لبشري مثلك أن يدخل المعتقل دون محاكمة وهو في سن الثالثة والعشرين (هل كانت له حبيبة في هذا الوقت؟ هل كان مفعما بآمال ما؟ ماذا كان يعمل؟ وإلى أين كان يحلم أن يحط رحاله؟) فيظل داخل السجن حتى يبلغ الرابعة والخمسين من العمر!

أكثر من ثلاثين عاما مرت دون أن يشعر أحد ضباط عصر مبارك بوخز ضمير لأجل إنسان فقد حريته، وانتهى به الحال "رقما" داخل سجلات سجون الدولة المصرية، بينما يجثم عليه المرض رويدا رويدا، للدرجة التي تجعله يسير متأبطا مجموعة من الأوراق التي توثق حزمة الأمراض الكاملة التي يحملها بداخله.

كان الأسواني يرتدي قميصا كاروهات وبنطالا "جبردين" من الطراز الذي أفضله، فلا يبدو على وجهه الأسمر المتصالح مع الحياة (وهل هذه حياة؟) أي فرق صاعق في هيئته، التي تخفي بين أضلعه قصة أسطورية، ربما تجعل من سجن مانديلا (مع فوارق قيمية كثيرة) مجرد رحلة ترفيهية، فهي 27 عاما فحسب..بينما قضى الأسواني 4 سنوات زائدة..هل تضحي أنت بـ 6 سنوات زائدة من حريتك؟

أخرج وحسام، بينما قد دون هو الكثير من الملاحظات وبينما كنت أتنقل لاواعيا بين حالة من الوعي المشوش، وحالة من اللاوعي الكامل، نسير تحت الشمس الحارقة حتى بوابة السجن، بينما شعور بالغثيان يسيطر على كلينا، يبدو آخذا في التبدد كلما ابتعدنا عن مكان السجن.
**
حسام وسهى، زميلا عمل لمن لا يعرفهما

الخميس، 24 فبراير 2011

لماذا قتلت أمن الدولة القط مشمش في سجن طرة؟ (من وثائق عاصمة جهنم)


في معتقل طرة، كان القط مشمش ينتقل بين زنازنة وأخرى، يتلقفه المعتقلون بحنو فائض وسعادة بالغة، كانت الأيدي تمتد تتحسسه بمودة صادقة، كان ثمة شيء ما أعمق في علاقة الطرفين ببعض.
كان مشمش عوضا وأنسا للبعض في عزلة الحبس الانفرادي، ومصدر دفء وسعادة للبعض الآخر ممن انتهت علاقتهم بالعالم الخارجي واعتقدوا أن حياتهم ستمضي للأبد في ظلمات المعتقل وأهوال التعذيب.
وكان من الطبيعي أن تتطور علاقة المعتقلين مع مشمش في مثل هذا الظرف النفسي الصعب الذي يعايشونه..في إعادة لواحدة من أدبيات العلاقة المركبة بين الإنسان والحيوان، في مشهد دقيق وفذ تبوح الطبيعة فيه بواحد من أرق أسرارها.
شيئا فشيء التفت المعتقلون أن مشمش قد يكون رسولا مثاليا بين الزنازين، فهو الوحيد الذي يتنقل بين الجميع ويلقى معاملة خاصة من كافة التيارات على اختلافها، ويبدو مصدر الإجماع الاستثنائي وسط طوفان من التشكيك والتخوين والتخويف (هذا أمن وذاك جاسوس).
ربطوا في عنق القط كيسا قماشيا صغيرا يبدو كما لو كان علامة تدليل من جانب المعتقلين لمشمش، الذي تتغاضى إدارة المعتقل عن الالتفات له أو لعلاقته بالمعتقلين..فمشمش مثل باقي قطط المعتقل يعمل على اصطياد الفئران..ولا ضير من أن يعتبره البعض واحدا منهم..أنت تتحدث عن معتقلين فقد بعضهم عقله تحت وطأة التعذيب وراح البعض يناجي حشرات السجن ويتحدث مع الجدارن.
لم يمض وقت طويل حتى تحول مشمش لأهم حلقة اتصال بين جميع الزنازين..يحمل رسالة من هذا لذاك، ويحمل توضيحا من هؤلاء لأولئك..كان مشمش نشيطا سريعا شقيا بهوجا ينبض بالطاقة والحيوية، وبدا من سلوكه الفسيولوجي المتغير أنه يدرك بطريقة ما طبيعة ما يفعله، وأهمية الدور الذي يقوم به.
ولخطأ، كان ضروري أن يحدث يوما ما، اكتشفت إدارة المعتقل طبيعة دور مشمش، وحين أمسكه ضابط أمن الدولة الشرس بين يديه وقرأ تلك الرسالة_آخر رسالة كانت_ لم يملك أعصابه..استشعر مشمش شيئا ما..ففر داخل العنابر والزنازين..لكن كانت الواقعة قد وقعت.
استدعت أمن الدولة فرقة عساكر التأديب، ثم بدأت مراسم الجحيم، دماء في كل الزنازين، وصراخ وبكاء..سحل وضرب..
وحين وصل الأمر لمشمش جاسوس المعتقلين المدرب وكائنهم اللطيف المدلل..كان الأمر واضحا حاسما من أمن الدولة: اقتلوه!

(القصة حقيقية تماما، وحدثت في نهاية التسعينات في سجن استقبال طرة العنبر (د)، والقصة وثقها والدي محمد الدريني وحكاها لي)

الاثنين، 12 يوليو 2010

كسل دودي ودوافع الرحة والفعل



لا يجافي الوصف النظري لي ب"الكسول" حقيقة الأمور، في حين يتعذر عمليا نعتي ب "النشيط".

أنا لا أقوم بأي فعل بصورة عادية، إما أن أتفانى فيه كلية، أو أزهد فيه كلية..لا أتحرك إلا تحت "دافع" وانطلاقا من رغبة ملحة وإيمان عميق واعتقاد مكتمل الأركان بما سأفعله.

أن أتناول قطعة حلوى هي مسألة مبدأ وأمر يرتبط_جدليا_ بحركة الكون نفسه..تناولها له مغزى وتركها له مبرر.

أقوم فأقوم جميعا، يهب كل الكامنين بداخلي، وأرى كل الذين أختزنهم نفسيا وروحيا يتحركون كفريق واحد نحو ال"هدف ما" الذي قررت أن أنفذه.

لا أقرأ كل ما يقع تحت يدي، أستبعد أكثر مما أخوض، ولا أقبل كل فرص العمل المتاحة، أرفض أكثر مما أقبل، ولا آكل الطعام المتاح، أنتقي أكثر مما اضطر.

فقط ينبغي أن أؤمن بما سأفعل، حتى لو كنت موقنا بخطئه، فأنا لا أتحرك إلا بدافع يقيني نحو الشيء الذي أفعله (البركة فورا أو اللعنة فورا).

فقط أعطني الدافع وأنا مستعد لكنس شوارع القاهرة جميعا، أو انزعه مني وخذ أنت المجد(ما شئت منه) واتركني في غرفتي أفعل ما أشاء.

أنتقي ما أفعله بعناية، أحيانا كنت أذهب في الصباح الباكر قبل كل زملائي، كي أنظف مكتبي ومكاتب غرفة قسم التحقيقات بأكملها وأرتب الكراسي وأرش معطرات الجو، بينما أعاف طوال اليوم الاقتراب من كتابة خبر أو تقرير لا يبدو لي مقنعا وملحا بما يكفي.

تورطت في أسفار ومشاكل ومفاوضات لا ناقة لي فيها ولا جمل، فقط لأني مقتنع، وتركت أمورا تخصني جدا، لأنها لا تبدو لي على الدرجة الكافية من الإلحاح والأهمية.

وقفت بجوار المنصة التي ألقى عبرها رالف نادر أحد خطاباته الدعائية أثناء الانتخابات الأمريكية 2008 ولم ألح عليه كثيرا في إجراء حوار صحفي، بينما كنت ألهث وراء شاب أمريكي (طيب وأهبل) يصغرني سنا كي يحكي لي كيف يتعثر في مذاكرة اللغة العربية ولماذا أحب الكشري حين زار مصر ولماذا سأل القرضاوي حين التقاه عن رأيه في مشروب "باور هورس".

مستعد لتكسير جبل ونقله من مكانه وتعبئة صخوره في أجولة وتذويبها في الماء ثم تصنيعها طوبا، ثم طحن الطوب، ثم ذرو رماده في الرياح..فقط لو اقتنعت.

ولن تجد بي فتورا أبدا.

أما المجد الذي يحاول (فلان) إقناعي به، ويبذل كافة الطرق كي أتقلده، فأنصحه بأن يضعه في كوب ماء وليشربه قبل النوم.

هنيئا يا مرعي.



الاثنين، 21 يونيو 2010

لقد كسرت قلبي يا فريدو..لقد كسرته!


قبل عامين تقريبا، شرع صديقي في تمثيل مشهد من فيلم الأب الروحي، ثم وضع كفيه على صدغي أحد الحاضرين قائلا " I knew it was you!" .."لقد عرفت أنه أنت!".

المشهد لمايكل كورليوني (آل باتشينو) حين التقى أخاه "فريدو" في كوبا وسط أجواء الهرج والمرج التي صاحبت الثورة الكوبية.

جوقة: (فيدل فيدل فيدل فيدل فيدل فيدل)

كان الأخ الهارب قد حاول اغتيال أخيه الأكبر "مايكل" وعندما فشلت المحاولة فر إلى أمريكا الجنوبية وقرر العيش هناك.

حين التقى مايكل أخاه، وضع يديه على صدغيه ثم فركهما بعنف (أم حنان؟)، وقال له "لقد عرفت أنه أنت!".. لقد كسرت قلبي يا فريدو..لقد كسرته!

رغم كآبة المشهد إلا أن أيا من الحاضرين لم ينكر الانجذاب الخفي الذي شدنا جميعا لإعادة تمثيله بصورة متناوبة.

كنا نتحدث حينها أن سلسلة الأب الروحي هي المعادل الموضوعي لأخلاق الرجال في كل زمان ومكان.

لقد صاغت هذه السلسة أعمق وأعقد ما يعتمل في نفس الرجل (العاطفة/القرار/الانتقام/الوفاء)، وأتذكر أن بعض الجالسات تبرمن من كثرة الحديث عن الفيلم وأيدن هذه الملاحظة : هو فيلم رجالي بحت.

لعبة قدرية دفعتني لإعادة تمثيل نفس المشهد، في وقت لاحق، مع أعز الناس على قلبي..

وضعت يدي على صدغيه، ضغطت بعنف، ثم قلت له: لقد كسرت قلبي يا أخي..لقد كسرته.

ولم أكن أعرف أنني أمثل المشهد الختامي لعلاقتنا سويا.. قبل ثلاثة شهور من نهايتها.

كلما تذكرت فريدو، أضغط على صدغيه بعمق وأقول له في خيالي: لقد كسرت قلبي يا أخي..لقد كسرته.

السبت، 13 فبراير 2010

أورجازماه..قصور في وصف الحالة


إذا دبدبت برجلي على الأرض وأخذت أحكها حكا ثقيلا، بينما يداي تعبثان في شعري وتدلكان فروة الرأس بصورة محمومة، وأخذت أقطع أقرب طرقة لي جيئة وذهابا..فأنا إذا في أقصى حالات سعادتي.. "أورجازما العمل".

الشغل بمفرده يكاد يكون ألذ ما أفعل في حياتي، كل موضوع أكتبه هو عملٌ ملحميٌ قائم بذاته، يعني شيئا ما كبيرا بالنسبة لي، حتى لو كان تقريرا صحفيا من الدرجة الرابعة ..عن زراعة الجميز في صفط اللبن.

حين يتم تكليفي بإتمام عمل ما، أجلس مكاني صامتا وقتا لا بأس به، ألتقط أنفاسي وأحس أني في تحد مع قوى كونية أكبر مني بمراحل، أراهن على ضآلتي في مواجهة العملاق الغاشم، أعتمد على حيلتي لمراوغة اليد الباطشة التي لا أراها، أتخيل خيوط الفكرة أمامي، أحاول إقامة علاقات افتراضية بين الأشياء والأشخاص والوقائع، وأنطلق مثلما يفعل كتاب الدراما في كتابة "مربع العلاقات".

كلما نجحت في الإمساك بطرف من أطراف قصتي، تزداد حرارة جسمي، أضطر لركل الأرض وحك الجسد بصورة هستيرية، والنقر على الكيبورد بصورة متوجسة مضطربة.

شيئا فشيء ينزاح غموض الوضع، وتفصح الأفكار عن نفسها، أجدني أنطق العبارات المفتاحية لكل فكرة كما لو كانت نصا قديما أحفظه منذ الطفولة.

أحس ساعتها أني قادر على اختراق أعتى أنظمة الحماية..كل شيء يستحيل أمامي لأكواد (01010011010101010) ولكل كود ثغرته، والثغرة جوار الثغرة صورة واضحة نقية.

كلما أوغلت في الإتمام، كلما ارتفعت حرارة جسدي، ربما مقرونة بلهاث خفيف وتأوه مكتوم..يزداد صوت نقري على الكيبورد، تتراص السطور أمامي بسرعة مدهشة، تفوق سرعتي الشخصية في الكتابة.

وفي لحظة الذروة ..تستحيل نقراتي العاصفة إلى جمل موسيقية تامة، تشبه موسيقى المارشات العسكرية، وتبدو صفحة ال"ورد" أمامي كما لو كانت نسيجا أسودا مزخرفا يرسم نفسه بنفسه على تلك الصفحة البيضاء.. كل شيء ينساب بدقة محسوبة.

(حرارة الجسد/زخرفة الصفحة البيضاء/موسيقى الكيبورد/تأوهاتي المكتومة)..

وفي تلك اللحظة التي انتهى فيها من الكتابة، وأحس تمامها واكتمالها، أضرب على الكيبورد آخر "فول استوب"
بشيء من التعالي والراحة والشماتة والتشفي والفخر.

أتنفس بصوت مسموع، ويرتخي ذراعاى، وأتأمل صفحة ال"ورد" من أمامي بشيء من العطف والحنو، أود لو أن ربتت عليها ومسدتها.

أمد يدي إلى الكيبورد في كسل ودعة ..أضبط جملة هنا أو جملة هناك، إلى أن يستحيل المنجز أمامي شيئا شبه مكتمل.

ساعتها أود أن أتكور على نفسي في وضعية النوم الجنيني _وضع نومي الأساسي هو_مجففا قطرات العرق البادر المتحدرة على جبهتي.

مرتاح أنا الآن..