90s fm

‏إظهار الرسائل ذات التسميات صحافة انا كتبتها. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صحافة انا كتبتها. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 3 مارس 2013

حيثما كانت مصلحة الإخوان..فثم شرع الله






*هذا حوار أجريته مع خبير الحركات الإسلامية حسام تمام، رحمه الله، عام 2008 بمناسبة مرور 80 سنة على إنشاء جماعة الإخوان. وأعيد نشره الآن لأنني أعتبره قراءة مفتاحية ضرورية لمن أراد أن يتعرف على أعمق محركات "الإخوان" بكل تعقيداتها

من رصاص التنظيم الخاص إلي رقة عمرو خالد ومن رهبان الليل فرسان النهار إلي "إصلاحيين وطنيين مدنيين".. يمعن الزمن في اثبات قدرته علي التغيير،او علي أقل تقدير ادعاءه،والنزول عليه ولو مداهنة.
كيف استطاعت الجماعة الثمانينية ان تحمل تناقضاتها وان تتحمل الضربات الخارجية وان تصمد رغم الاستنزاف الدائم الذي تتعرض له علي مدار هذا العمر المديد؟
وكيف انزلت السياسية واحتياجات اللحظة التاريخية،الجماعة العملاقة،علي قوانينها الخاصة،ليتخلي الإخوان عن الكثير من قناعات الآباء المؤسسين الاوائل،متسقين مع متطلبات المرحلة؟
80 عاما تفلصنا الان عن ميلاد جماعة الاخوان المسلمين،الجماعة السياسية الاجتماعية الدينية اليمينة الميول والقناعات علي كل المستويات تقريبا.
يرصد هذا الحوار مع خبير الحركات الاسلامية حسام تمام ملامح التغير التي طرأت علي جماعة الاخوان المسلمين منذ النشاة 1928 إلي اليوم،في رحلة سريعة بين الافكار والتاريخ والسياسة والفقه،متوخيا حذر الاستعداء الايدولوجي منحازا الي ضرورة التحليل والتروي،وإلي طرافة وبداهة الملاحظة أيضا.

80 سنة عمر "الاخوان المسلمين"..كيف صاغ التاريخ علاقته بالجماعة ،وكيف تأثرت الجماعة بالتاريخ؟

هناك مفتاحان اساسيان لقراءة الاخوان تاريخيا أولا:

الاخوان _كحركة_لديها القدرة علي "الفعل التاريخي"..أي أنها حركة لا يفوتها التاريخ بسهولة ولا تتخطاها أحداثه،لأنها قادرة دوما علي ركوب الموجة وتحمل في حقيبتها أدوات براجماتية خالصة،استغلتها الجماعة علي امتداد تاريخها في اعادة انتاج نفسها وفق المعطيات الجديدة، ففي نهاية الأربعينات مثلا ستجد تأثرا ملحوظا بأفكار العدالة الاجتماعية التي انتشرت في مصر،بينما سنجد النفس المعادي للإمبريالية والاستعمار في الخمسينات تماشيا مع السائد،في حين سنسمع في الستينات كلاما عن اشتراكية الاسلام أثناء علو المشروع الناصري الاشتراكي،والآن يتكلم الإخوان عن الإصلاح والديمقراطية..دائما ستجد الإخوان حاضرين ولديهم لكل حال لبوسها. 

أما المفتاح الثاني لقراءة الإخوان في التاريخ فهو قدرتهم علي الحركة انطلاقا من خلفية اسلامية مرنة بشكل كبير جدا علي عكس ما يبدو،فالاخوان لم يحصروا انفسهم مبكرا في مذهب فقهي أو اعتقادي محدد ولم يوقفوا مشروعهم علي رؤية فكرية لا يتجاوزونها،لكنهم أبقوا علي أنفسهم كمظلة " إسلامية " مفتوحة وقابلة لاستيعاب كل ما يحتمله الاسلام وكل ما يصدر عن الشريعة بتنوعه وتعدده،وما يحمله من إمكانات التفسير والتأويل، لذلك عند التدقيق فلن تجد سوي مساحة قليلة جدا للثوابت الدينية عند الاخوان.

اذن ما الضابط الفقهي او الفكري الذي اعتمدته الجماعة في مسيرتها كجماعة دينية بالدرجة الأولي؟

الاخوان تيار يضم خليطا متنوعا أقصي ما يكون التنوع، فلا يوجد قالب صرف أو مفهوم صارم لتحديد هوية الاخواني الفكرية او المذهبية ،فأعضاء في الجماعة يتراوحون من تخوم السلفية العلمية فالجهادية وصولا إلي تخوم الليبرالية، لكن يبقي التنظيم في النهاية هو الضابط الأكبر وهو المرجعية التي ينصاع الجميع لها،علي اختلاف أهواءهم السياسية ومراوحاتهم الدينية..وفي النهاية فأن الجميع يؤسس لأفكاره وفقا لمرجعية إسلامية ولو علي مستوي الشكل.

كيف تعايشت هذه التيارات المتناقضة والمتصارعة_بالضرورة_ داخل جسم الجماعة العملاق؟
مصلحة الجماعة – التي هي في المتخيل الإخواني مصلحة الإسلام، ثم ما تفرضه الضرورة التنظيمية كان دائما العنصر الحاسم والفاصل في مسيرتها وكان الحاكم بين اعضائها..فمنذ السبعينيات وحتي منتصف الثمانينات تعايش الجهاديون من امتدادات "النظام الخاص" أو " تنظيم 1965" وهم من نسميهم بأصحاب نظرية العنف المؤجل، تعايش هؤلاء مع تيار الدعوة والعمل العام الذي يتكون في معظمه من الناشطين النقابيين والسياسيين وأصحاب الخبرة في الاحتكاك الواسع اجتماعيا..وساعد علي التعايش في هذه المرحلة أن الجهاديين من الإخوان كانوا يرون أن لحظة العنف لم تحن بعد.
لكن مع تطور الجماعة وتوسعها في العمل السياسي والتواجد في العمل العام جاءت واقعة اغتيال السادات وما كشفته من خطورة العنف علي المشروع الإسلامي لتلزم الجماعة بتحقيق موقفها من العنف خاصة بعد أن صارت هناك جماعات مسلحة ولم يعد مجرد نوايا أو أمنيات..واختار "الاخوان" محاصرة تيار العنف داخلهم تماشيا مع ما تفرضه اللحظة التاريخية ونزولا علي مصلحة الجماعة.
الشيء نفسه كان قد حدث فيما عرف بفتنة التكفير، كانت بذوره موجودة من قبل لكنه حين صار تيارا واسعا داخل الجماعة أثناء محنة السجون يؤمن أتباعه بالتكفير كعقيدة صار المشروع الإخواني مهددا في صلبه فتوقف الإخوان عن التعايش مع هذه الأفكار وأصدر حسن الهضيبي كتابه الشهير "دعاة لا قضاة"..وهكذا تظل التيارات المتعارضة متعايشة داخل الجسد العملاق إلي أن تحين لحظة توتر تهدد المسار العام للجماعة؛ ساعتها تعلن عن نفسها وتحسم التعددية المتشظية داخلها لمصلحة رؤية معينة ...والضابط في النهاية- كما قلنا- هو تبني ما يحقق مصلحة الجماعة.

هل أفهم أن مصلحة الجماعة قد تتحدد بعيدا عن القاعدة الفقهية_علي مطاطيتها_نزولا علي احتياجات لعبة السياسة؟
إلي حد كبير..الرؤية الفقهية ليست محددة لمسار حركة الجماعة بقدر ما هي تأتي ضمن سلة اختيارات فقهية تنتقي منها الجماعة ما يحقق مصلحتها..وسأضرب لك مثالا بالواقعة التالية: طوال عمر الإخوان وهي تجمع في قواعدها بين رؤيتين في الفكر السياسي الأولي تنتمي لما قبل الدولة الحديثة وتري أن الأقباط أهل ذمة ويقع عليهم ما تفرضه عقود الذمة ، والثانية أكثر حداثة وتأثرت بخبرة بعض قطاعات الإخوان السياسية وتقر بقاعدة المواطنة ..وفي عام 1996 ظهر المرشد مصطفي مشهور علي صفحات الاهرام ويكلي وأعلن وقتها أن الأقباط أهل ذمة ويفترض أن تجري عليهم أحكام الذمة بما تقتضيها من دفع الجزية مقابل الإعفاء من الخدمة العسكرية!.
لم يكن هذا جديدا علي قطاعات كبيرة من الإخوان بل لدي كل الخطاب الديني التقليدي حتى في الأزهر، ولكن الحوار أحدث وقتها صدمة عنيفة وأثار الكثير من البلبلة وجر علي الجماعة نقدا جارحا وهدد ما أنجزته من مكتسبات علي مستوي الشارع السياسي فكان لابد ساعتها من مخرج..
فجاء مأمون الهضيبي ،الذي كان يشغل منصب نائب المرشد حينها، وأعاد شرح أو تفسير أو ضبط كلام مشهور بحيث ذهب به إلي معني بعيد تماما ينتهي به إلي القبول بالمواطنة!
الحق أن الإخوان لم يراجعوا أنفسهم وقتها، ولم يكذبوا علي الرأي العام ويتبنوا التقية كما قال البعض، الذي حدث أنهم اضطروا إلي تغليب خطاب أو رأي علي غيره طالما حقق مصلحة الجماعة ووجد ما يسنده شرعيا! ولما كانت مصلحة الجماعة سياسيا في أن تظهر محترمة لقاعدة المواطنة، ولما كان هناك تخريجة شرعية أبدعها الأستاذ طارق البشري أسس من خلالها إسلاميا لفكرة المواطنة فقد التقطها الإخوان وتبنوها ..فالإخوان دائما يدركون غريزيا مصلحة جماعتهم..وحيثما كانت مصلحة الجماعة ( التي هي مصلحة الإسلام في وعي الإخوان ) فثم شرع الله!

هذا يتنافي تماما مع السائد بأن هناك "مفتي" خاص بالجماعة وأنهم يتحركون مدفوعين بمباركته الدينية والشرعية فيما يفعلون؟
لا أعتقد أن للاخوان مفت شرعي بما تعنيه كلمة مفتي، فالشيخ عبد الله الخطيب الذي يطلق عليه هذا اللقب ليس مفتيا بما هو متعارف عليه لكنه اقرب للمستشار الشرعي بل وفتواه غير ملزمة، فالخطيب مثلا تعود رؤيته الفقهية حيال الأقباط لما قبل مرحلة الدولة الحديثة ( أحكام أهل الذمة ) بينما يمضي السلوك السياسي للجماعة في طريق مخالف له تماما.


لا أميل إلي القبول بفكرة وجود كهنوت داخل الاخوان،لكنه في أفضل الأحوال فكرة المرجعية الشرعية العامة وليس أكثر،هم لا يقدمون علي حرام بين واضح،لكن في نفس الوقت لا يأخذون رأيا فقهيا مقيدا لعمل الجماعة.
وهناك حادث هام ينبغي الالتفات اليه ،ففي انتخابات 1987 دعم الاخوان سيدة علي قائمة حزب العمل فاعترض الشيخ عبد الستار فتح الله أستاذ التفسير بجامعة الأزهر وعضو مكتب الارشاد،ودار جدلا كبيرا،فطرح السؤال نفسه بين الاخوان عن وزن وحجية رأي الفقيه أو العالم في مقابل راي السياسي أو الحركي،وانتهوا إلي أن الشرع حيث المصلحة العامة وأن كلام الفقهاء مرجح غير ملزم إذا ما كانت القضية تحتمل أكثر من اجتهاد،والمهم المصلحة وتحققها..ومن ثم فللسياسي أن يتبني رأي الفقيه الإخواني أو يتركه لغيره طالما لم يخالف الإسلام ..الغريب أن الإخوان لم يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم نظريا وإعلاميا وقتما اتهموا بأنهم يتبنون مبدأ ولاية الفقيه في حين أن ممارستهم الداخلية كانت أنضج بكثير مما قالوه بشأن مجلس الرقابة الشرعية..لكنها علي العموم جزء من حالة التراجع العام داخل الإخوان .

انت تشكك هكذا في دور الخلفية الدينية لقرار الجماعة وحيثيات انطلاقها تاريخيا،أو علي أقل تقدير تقلل من دوره؟
أنا أنظر للاخوان كحركة اجتماعية لها مشروع سياسي أكثر منها تنظيم دعوي إسلامي مغلق..دوما ستجد لها صلة بالواقع وحالة من التماس معه لدرجة الانغماس فيه،بينما تقوم صلتها بالدين علي تنزيله علي الواقع ومحاولة تطبيقه..وهي كحركة اجتماعية لدية قابلية للتطور مع تطور مجتمعها بحسب توفر شروط ذلك.

لكن المجتمع اليوتوبي الذي تتحدث عنه الأدبيات الاخوانية مجتمع اسلامي صرف،وليس مشروعا مؤسسا علي معطيات مجتمعية واقعية؟
أول وأهم قاعدة لكي تدرس الإخوان أن تترك مسافة بين ما يقولونه وما يفعلونه واقعيا إذ لا صلة بينهما شرطية بالضرورة..ثم هناك كذلك تحولات كبيرة في الممارسة الواقعية حدثت بينما الأدبيات لا يطرأ عليها تحولات إلا نادرا../ثلا في حقبة السبعينيات إلي نهاية الثمانينيات كانت تروج في القواعد الإخوانية مقولة سيد قطب (جيل قرآني فريد) التي كانت عنوانا لأحد فصول كتابه (معالم في الطريق)..كان لهذه المقولة فعل السحر في سعي قيادات الجماعة وكوادرها إلي الوصول لنموذج الوحدة الفكرية التي تؤسس للقاعدة " النقية " في منطلقاتها الشرعية وتأسيسها الفكري وفي معاملاتها بل وفي صورتها وهيئتها أو ما كان يعرف ب" الهدي الظاهر".وكلها كانت تتحالف علي بناء "مناضل" إخواني "نقي" و"مختلف" عن أقرانه وزملائه في بيئته. غير أن تحولات كثيرة – خاصة علي المستوي الاجتماعي والاقتصادي- جعلت هذه المقولة أقرب إلي أحلام الرومانسية أو- في أفضل الأحوال- إلي ذكري جميلة من مرحلة " البراءة " التي يحن إليها المناضل الإخواني ويجترها في حديث الذكريات دون أن يلتزم بالسعي إلي تحقيقها.
لم نعد أمام ذلك المشروع التربوي القديم الذي يتبناه الإخوان لصياغة أفرادهم بدأ بالاخلاق والمعاملات وحتى السلوك الاجتماعي والملبس بل ومفردات اللغة التي يتحدثها الاخواني نفسه!..لقد ذهبت هذه المرحلة من البراءة او السذاجة الايدولوجية ليفرض الواقع نفسه باحتياجاته وتطوراته ونصبح أمام إخوان عاديين يقتربون من الناس إن لم يتماهوا معه.

اذا سلمنا أن هذه المرحلة اصبحة في حقيبة الذكريات،كيف اصبح الكادر الاخواني اليوم؟
الكادر الإخواني يقرأ في التراث الإسلامي أقل مما يقرأ في شئون الحياة، وتزخر مكتبته بمجموعات ستيفن كوفي في علم الإدارة وروايات باولو كويلو ..ولا يشعر بحرج أن يقتبس في إحالاته إلي فلاسفة ومفكرين غربيين وغير مسلمين بل وربما رآها عنوانا للثقافة والتميز علي خلاف ما كان عليه أسلافه في جيل السبعينيات.

وهو ينفق جزءا لا باس من تفكيره في الإجابة عن سؤال: أين وكيف يقضي عطلة الصيف؟، يذهب إلي السينما ويتناقش في آخر ما شاهده من أفلامها، ويقتني الأطباق اللاقطة وإن سعي في بعض الأحيان لتشفير القنوات الإباحية، لكنه فيما عدا ما يجرح الأخلاق مقبل علي المتعة والترفيه خاصة مباريات كرة القدم التي لم يعد يختلف "المناضل" الإخواني في حبها ومتابعتها والاهتمام بها عن بقية أفراد الشعب المصري الذي يذوب فيها عشقا. لقد كف " المناضلون" الإخوان عن التهكم علي "الولع" المصري بكرة القدم ولم يعودوا يرونها مظهرا للخفة أو مضيعة للوقت أو وجها من وجوه الانصراف عن قضايا الأمة كما كانت نظرتهم من قبل. لقد أدان نواب الإخوان في البرلمان مثل غيرهم تشفير مباريات كاس الأم الأفريقية الأخيرة وحرمان الشعب المصري من متعة مشاهدتها، وشاركوا غيرهم من السياسيين في نصب شاشات العرض في الساحات الكبرى لتشاهد الجماهير المصرية المباريات مجانا! وحين فاز المنتخب المصري بالبطولة سارع رئيس الكتلة الإخوانية في البرلمان إلي إصدار بيان تهنئة بالفوز ولم تمض عليه ساعات حتى اصدر المرشد العام – في سابقة هى الأولى- بيانا رسميا للتهنئة بالإنجاز القومي الذي حققه اللاعبون المصريون!

مثل هذه الخطوات تشي أن هناك تحولا واسعا في الرؤية والممارسة السياسية للجماعة،كيف تقيم المشهد السياسي الاخواني الحالي؟
أدي الدخول البراجماتي والكثيف للإخوان في السياسة إلى تخليهم عن الرواية الكبرى – الدولة الإسلامية – والالتزام بطرح برنامج لا يبعد كثيرا عن برامج الأحزاب الوطنية الأخرى، ، بل والليبرالية منها علي وجه الخصوص.

من يتابع الخطاب الإخواني في الفترة الأخيرة يلاحظ غياب مفردات الرواية الكبري من الدولة الإسلامية والخلافة الراشدة والوحدة السياسية الجامعة لكل الأمة الإسلامية ومفاهيم أهل الذمة، كما سيلاحظ حضور مكثف ومتصاعد لمفردات خطاب جديد لا علاقة له بالقديم وإنما يرتبط بمشروع حزبي سياسي بامتياز حتى وإن لم يعلنه أصحابه كاملا
فالبرنامج السياسي للإخوان تتأكد يوما بعد يوم مفارقته – تماما- لكل ما كان يقدمونه عن "المشروع الإسلامي"، باتجاه برنامج ديمقراطي بعيد عن الأرضية الدينية التي كانوا ينطلقون منها ، فكثر حديثهم عن الاحتكام التام للشعب أيا كانت خياراته، والقبول بحق ومبدأ تداول السلطة والتسليم باختيار الشعب مهما كانت، وأن حكم الشريعة مرتهن بقبول الشعب له؛ مع اتجاه للتخفف من المرجعية الدينية ففي العمل السياسي قياسا بما كان يحدث من قبل. 

لقد اضطر الإخوان بفعل الدخول الكثيف في العمل السياسي إلي أن يقولوا كلاما محددا بعيدا عن العموميات الفضفاضة التي كان يحرصون عليها وهو ما كان له أثر بالغ علي مقدرتهم السابقة علي الحشد الواسع لقطاعات متعددة ومتباينة في المجتمع.
وواكب ذلك تحول ثان بالغ الأهمية طال هذه المرة الدولة المصرية نفسها التي عاشت تحولات اقتصادية كبرى كانت تصب جميعها ضد مصالح الطبقات الفقيرة ، فكان أن بدأت هذه الأيدلوجية في التفكك لتكشف عما وراءها من تناقضات طبقية ومصلحية هائلة أكبر من أن يستمر تسترها وراء أيدلوجية تخلي عنها ممثلوها الرسميون.

ماذا عن الشباب الاخواني وسط هذه المعادلة المضطربة؟كثيرا ما يحتدم الصراع بينه وبين مكتب الارشاد،ويحمل داخله الكثير من الطموحات والاحباطات،جيل ديناميكي بصورة تقوده للكثير من الصدامات؟

هناك جيل جديد يتغير بوتيرة اسرع من قدرة الجماعة علي متابعته وإدراكه،لكن الصراع والخلاف دوما داخل الجماعة لم يكن خلافا بين أجيال بل كان خلافا وفق الرؤية والمشروع ، والضابط التنظيمي قابل لاحتواء أي شيء دوما، وساعد علي قوة الرابط التنظيم أن التجربة أثبتت لهم أن الخارج من الجماعة خسران،مثل نموذج حزب الوسط ، ففي ظل سيطرة النظام الحاكم المطلقة لم يبق في الساحة غير الاخوان،واصبح الانخراط في صفوفهم للحركيين والتغييريين من الشباب افضل الخيارات. والجماعة بدورها ترفع للشباب شعار "انفتحوا" ،وانطلق هؤلاء الشباب بدورهم واقبلوا علي اشياء لم تكن لتتم في زمن سابق فقبل ثلاثة اعوام في عيد الحب نظم شباب الاخوان في جامعة القاهرة احتفالية لعيد الحب أطلقوا عليها اسم ( يوم محمد ) Mohamed Day! لتقديم رؤية إسلامية في الحب! 

ورغم كل شيء فقدرة الإخوان علي احتواء شبابهم أكبر من بقية القوي السياسية ،انظر لشباب الحزب الناصري الذين انشقوا في حزب الكرامة وانظر إلي شباب حزب الوفد الذين خرجوا في حزب الغد وغيره..هذه مشكلة قائمة في الكثير من التشكيلات والاحزاب،والشباب في الاخوان قابل للاستيعاب من قبل الجماعة تحت لواء الانضباط التنظيمي،مع قدرة الجماعة علي الاحتفاظ بنفسها رغم اختلاف مشروعات البعض داخلها.

والرؤية الاقتصادية للجماعة؟هل هناك رؤية من الاساس للاخوان في المسألة الاقتصاية؟
دائما ما كان الاخوان تيار اقرب الي اليمين في المسالة الاقتصادية وباستثناء كتابي سيد قطب ( العدالة الاجتماعية في الاسلام ) والغزالي ( الاسلام واوضاعنا الاقتصادية ) اللذان تأثرا بأجواء الحديث المتصاعد عن العدالة الاجتماعية نهاية الأربعينيات فإن الاخوان يمكن التعامل معهم كحركة يمينية،فالجماعة تاريخيا قامت في نشأتها علي صغار الملاك وصغار الموظفين ثم كان تطورها التاريخي بان تكون قاعدتها الطبقة الوسطي وخاصة الشريحة الوسطي والدنيا منها، ومن ناحية ثانية نرصد تاريخيا وجود قيادات في رأس هرم الجماعة من ذوي اليسر او الثراء مثل محمد حامد ابو النصر المرشد الثالث الذي كان اقطاعيا كبير ا من منفلوط ( تسمي باسم عائلته منشية ابو النصر التي ولد فيها) وهناك ايضا موظفي الدولة وكان منهم عدد لا باس به هناك كذلك تيار المشايخ والازهرية وهو بعيد تقليديا عن افكار اليسار والعدل الاجتماعي..لكن هذا لا يعني- بالضرورة-عدم الاحساس بالفقراء او عدم الرغبة في مساعدتهم ..لقد كان الاخوان دائما قريبين منهم ولكن ليس عبر مقاربة قانونية او سياسية لقضية العدل الاجتماعي بل عبر مقاربة احسانية تقوم علي مساعدتهم والعطف عليهم وليس التدخل قانونيا وسياسيا لمصلحتهم.

x ولكن كان لوجود قسم البر والمقاربة الاحسانية تأثيرات متناقضة فهو وإن ربط الاخوان بالفقراء ولم يبعدهم عنهم ( كما لدي اليمين الليبرالي مثلا ) فهو قلل من فرصة نشوء تيار داخل الاخوان ذي ميل يساري أو معني بالمسالة الاجتماعية بعيدا عن المقاربة الاحسانية .
هذا تاريخيا أما واقعيا فإن مراجعة سريعة في مواقف الإخوان من القضايا السياسية والاقتصادية الاجتماعية في مصر تقول إن الجماعة صارت أقرب إلي حزب وطني قطري بل وحزب يميني ذو توجهات ليبرالية في المسالة الاجتماعية الاقتصادية حيث القبول أو عدم الممانعة للتحولات التي طالت البلاد باتجاه أقرار سياسيات التحول الاقتصادي نحو تبني اقتصاد السوق القائم علي الخصخصة وإعادة الهيكلة وحرية التجارة وانسحاب الدولة  

وجاء ذلك ليؤكد ان الجماعة اتجهت إلى اليمين الرأسمالي بفعل التركيبة الداخلية واتساع حجم ودور رجال الأعمال فيها، وهو توجه أكدته مجمل التحولات الدينية في البرجوازية المصرية المتدينة سواء التي ترتبط بالجماعة أو التي تدور في فلك ما عرف بظاهرة الدعاة الجدد، وخلت مواقف وأدبيات الإخوان – وآخرها مبادرة الإصلاح الصادرة في مارس 2004 – من أي تمثيل لهموم الطبقات الدنيا.
ويظهر ذلك أيضا في الوعي الإخواني فقد تغيرت حقبة الحلم فلم تعد الدنيا دار الابتلاء والشرور ولم تعد جحيم المؤمن أو مجرد شجرة يستظل بها ثم يغادرها إلي الآخرة بل صارت مرغوبة ومقصودة والنجاح فيها معيار للإيمان الديني ومؤشرا علي النجاح في الآخرة ..أقبل الإخوان علي الدنيا وأعاد الوعي الإخواني توجيه بوصلته فصارت محاضن التربية والتكوين والتثقيف تخرّج نوعا جديدا من الكوادر، إنه كادر راغب في الدنيا بعد أن كان راغبا عنها، همّه أن يبني ذاته ويتعلم إدارتها ليستعد لمواجهة متطلبات الحياة أكثر مما يستعد لسؤال الآخرة، فحظه في الدنيا هو عنوان لحظه من الآخرة! ولديه من التراث ما يدعم رؤيته الجديدة فالمشروع الإسلامي يقوم به أمثال عثمان بن عفان و الزبير بن العوام (رمزا لليسر والغني) وليس أهل الصُّفّة من فقراء المهاجرين!.

هذا التخبط الايدولوجي بين الديني والسياسي وبين الديني والديني،مع صراع الاجيال،يطرح سؤالا منطقيا..علي مدار 80 عاما من ينظر افكار الجماعة؟
الجماعة لم تشهد سوي منظر واحد فقط بامتداد تاريخها هو سيد قطب،بخلاف ذلك فالجماعة لا تهتم بالفكر والمفكرين والفكرة لديها جديرة بالاطلاع والاهتمام بمقدار ما هي نافعة علي ارض الواقع،وبمدي قدرتها علي الانجاز،بخلاف ذلك لايشغل الاخوان انفسهم بشيء،ورغم مرور قامات علمية وفكرية كعبد القادر عودة ومحمد طه بدوي وتوفيق الشاوي وجمال الدين عطية وعبد الحليم أبو شقة ومحمود أبو السعود ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي..,غيرهم ،إلا أن "المفكر" برؤيته الشاملة بقدرته الموسوعية..فكرة غائبة عن الإخوان.

الجمعة، 21 ديسمبر 2012

السلفيون..من تجارة الهريسة لمقاولات الأفكار




يلفتني منذ منتصف التسعينات، اختصاص أفراد منتمين للتيار السلفي بصناعة وتجارة الهريسة في أكثر من محافظة من محافظات مصر، بصورة تبدو مثيرة للتساؤلات بقدر ما تدعو للدهشة.
استوقفني الأمر في كل مرة احتككت بها بأحد محال بيع الهريسة..دوما هناك رجال ملتحون (أقرب إلى البدانة)..يبيعون الهريسة على خلفية قرآنية بصوت أحمد بن علي العجمي.
ضمنت الملاحظة في سلسلة تحقيقات أجريتها عام 2007 حول السلفيين في مصر (الانتشار والقناعات..المرجعية والزي..الشيوخ والأتباع..إمكانات التحول الكامن..الدور المستقبلي الذي قد يلعبه السلفيون في مصر).
وفي لقاء مع خبير الحركات الإسلامية حسام تمام،رحمه الله، فكر معي في الأمر قليلا، ثم قال: يعتقد السلفيون في حديث شريف يقول بأنه سيجيء يوم على الأمة يدخل فيه المال الحرام في رزق كل مسلم إلا الراعي في الصحراء.
ومن ثم فإن السلفيين يتخوفون خوض مغامرة العمل في صناعات أو تجارات أو مهن مركبة أو ذات مراحل معقدة، قد يتخلل الحرام "المرتقب" أيا من مراحلها.
لذا فإن الهريسة_كجزء من تجارة الحلوى_ تمثل صناعة بسيطة،ويمكن إخضاعها لمقياس الحلال والحرام بسهولة.
إلا أن السلفيين في السنوات السبع الأخيرة، تملكوا بصورة كبيرة زمام تجارة مستلزمات الكمبيوتر، ففي مولات الكمبيوتر بالقاهرة، لا يخفي الانتشار السلفي..
فهناك دوما رائحة بخور سعودي في بهو المول، وهناك دوما قرآن بصوت أحمد العجمي..وهناك الكثير من "جزاكم الله خيرا"..و"اتفضل يا أخي".
وهو تحول حمل من الدلالات، ما لا يجوز معه الاستغراب اليوم من انخراط السلفيين بغتة في الشأن السياسي العام على هذا النحو. فالسلفيون يتطورون زمنيا ويطورون من أهدافهم وتجربتهم، فالانقطاع عن العالم لم يثبت جدواه كوسيلة تعايش، ولا اعتزاله ممكن عمليا ونفسيا.
السلفي مطمئن أكثر مما نعتقد..هو شخص يقيم كل الأمور على مقياس واحد فقط (حلال أم حرام؟)..ومن ثم فإنه لا يواجه الكثير من الأسئلة الوجودية والقيمية التي تنتاب التيارات الأخرى.
الأمر بنظره حلال أم حرام؟ وتحديد الحلية من الحرمانية أمر محدد سلفا..له معايير ومقاييس دقيقة للغاية..
كل أمر وشأن في العين السلفية يمكن قياسه على هذا المعيار ..
(الديمقراطية تعني حكم الشعب للشعب)..
جملة كهذه حين تطرحها أمام الذهن السلفي، لن يتم التعامل معها على النحو الذي سنفكر نحن فيه..فهي جملة تحتوي مجموعة من المعطيات التي ينبغي إخضاعها بداهة للمعايير الصارمة..
الديمقراطية (كنظرية غربية هل هي حلال أم حرام؟ وهل لو ثبت جدواها يجوز للمسلم الاستعانة بنظريات الغرب ونقلها أم لا؟)
حكم الشعب للشعب؟ هل يجوز أن يحكم الشعب في ظل حكم الله؟ ولو جاز هل يحكم الشعب وفقا للشريعة المبينة أم أن هناك مساحات للاجتهاد والتغيير؟ وإذا جاز فهل يجوز أن تحكم جماعة بعينها باقي الأمة؟ وما هي مواصفات هذه الجماعة في هذه الحالة؟
كل مرحلة من مراحل التساؤل تخضع لسلسلة من المداولات والمشاورات الفقهية الصارمة التي تجيد المدرسة السلفية تمرير الأمور من خلالها.
يفخر السلفي بهذا البنيان الصارم، فهو يستند إلى أصول علمية ليس بالهين الإحاطة بها، لذا فإن هناك دوما دروس في علوم الشأن الإسلامي يتدارسها السلفي بدأب وانقطاع عسكريين.
وهذا التدارس، يضع السلفي أيا كان مستوى تعليمه الذي حصل عليه، على قدم المساواة مع الأزهري الذي تبددت سنو عمره الشابة في غياهب المتون وفي هوامش الرسالات!
وهي إحدى نقاط الضعف التي طورها التيار السلفي على مستوى أفراده، وهناك تسجيلات مرفوعة على موقع يوتيوب لمفتى الديار المصرية د.علي جمعة، يسخر فيها من تقعرهم الخاوي الذي لا يستند على قاعدة علمية بعمق تلك التي يستند عليها الأزاهرة الأشاوس!

ومن ثم فإن السلفي شخصية مغايرة عما يعتقده قطاع واسع من الناس حوله، فهو ليس الشاب الفقير الذي قرأ كتيب فتاوى سعودي من هذا الطراز الذي يحرم الغناء وارتداء المناظير الشمسية، ويدعو الرجال لإطلاق اللحى والنساء للانتقاب..ويختلس النظرات للسيدات الجميلات، ويتمنى لو اغتصبهن بعد انتهاءه مذاكرة فتوى ابن تيمية مساء كل ثلاثاء.
السلفي شخصية أعمق وأعقد مما يشاع، هو شخص له زيه الخاص، جلباب أبيض سعودي مكوي بعناية..دوما متعطر برائحة من تلك الروائح البدائية البشعة (الياسمين خاصة)..يصحو مبكرا لصلاة الفجر، ويمارس أحيانا رياضة رفع الأثقال (المؤمن القوي خير)..يواظب على دروسه من حديث وسيرة وفقه بانتظام صارم.. وينتمي عادة لإحدى محافظات الدلتا..ويميل لامتهان المهن التي لا تتطلب الحركة الكثيرة فهو عادة يبيع شيئا ما، هريسة أو مستلزمات كمبيوتر أو ملاحف وحليب نوق.
يحلم بالزواج من فتاة تحوز صحيح مسلم، لأنه يمتلك صحيح البخاري ومن ثم فإن بيتهما سيكون جنة لصحاح الأحاديث وموئلا لصحيح الدين (على فكرة واحد صاحبي سلفي اسمه محمود كان هو ده حلمه بالظبط وصارحني به اكتر من مرة).
وإذا كان متزوجا يحلم بابنه الأول معاذ أو البراء أو مصعب أو عمار..أو بابنته حفصة أو نسيبة أو أي اسم يصعب تذكره بسهولة.
شخص راسخ واثق في نفسه لأنه ينتمي لأفراد الفرقة الناجية (كلهم في النار إلا واحدة..)..مستعد لمجابهة الآخرين (هداهم الله)..متأهب دوما لخوض المعارك لأنه يمتلك حيثيات إطلاق الحكم..فكما قلنا كل شيء إما حلال وإما حرام.
وحين تضغطه الظروف، ويهاجمه الجميع، سيقول قول الشيخ محمد حسين يعقوب "البلد بلدكم مش بلدنا..نحن نريد الجنة".
(المقال أعلاه منشور من نحو عام ونصف، وأعيد نشره الآن هنا على المدونة، دون الانطلاق من أي أغراض هجائية، هي فقط محاولة للفهم، جابنها الصواب أم جافاها، كليا أو جزئيا)

الأحد، 31 يناير 2010

أبودجانة الخراساني..استراتيجية اللاعب الثاني عشر






"

"أنا أعيش في حالة نفسية معقدة, أحرجت كل أدبيّات الطب النفسي".. يبدو هذا الاقتباس -من مجمل الكتابات المنسوبة لهمام البلوي أو "أبو دجانة الخراساني" بالمنتديات "الجهادية"- هو المدخل الأقرب لقراءة شخصية الطبيب الأردني الذي فجر نفسه في سبعة من ضباط وعملاء وكالة الاستخبارات الأمريكية "سي آي إيه" قبل وقت قريب في ولاية خوست، في واحدة من أكثر عمليات القاعدة نجاحا.
في قصة البلوي عدد من التساؤلات المعلقة والثغرات الاستخباراتية التي لا تفصح عن نفسها في المستوى الأول من الرواية الرسمية، والتي ينفرد الجانب الأمريكي بالإفصاح عنها، لكن جانبا آخر من الرواية -ربما هو الأهم- يكمن في ما تركه البلوي نفسه من كتابات على المنتديات الجهادية والتي ترسم إلى مدى بعيد شخصية الطبيب "الجهادي" الذي كبد الاستخبارات الأمريكية هذه الخسارة المريعة.
وهمام خليل أبو ملال البلوي هو طبيب أردني من أصل فلسطيني تزوج من تركية تدعى "دفني بيرق"، هي المصدر الوحيد الآن للمعلومات المتاحة عن شخص البلوي بكل التعقيدات التي ينطوي عليها الحديث عنه.
وفي مقابلة مع مجلة نيوزويك الأمريكية في عددها الصادر بتاريخ 19 يناير قالت إن اللحظة الحاسمة في تاريخ البلوي هي لحظة الغزو الأمريكي للعراق والتي راح زوجها على إثرها يقرأ بنهم وينخرط في أنشطته على شبكة الإنترنت بطريقة أخذت تتسم بطابع نظامي يوما بعد يوم، خصوصا مع اتجاه البلوي للإفصاح عن آرائه الجهادية بصورة جهرية تستند إلى استدلالات قرآنية وأحاديث نبوية طالما رددها على مدار السنوات الماضية، إلى أن تمت ترجمتها إلى فعل مشهود في "عملية فيرجينيا".
استغماية الجهاد
"الحالة النفسية المعقدة" التي يصف بها البلوي نفسه ليست سوى تعبير عن شجونه الشخصية لبقائه في خانة القاعدين عن الجهاد غير القادرين على ممارسته، يقول البلوي في إحدى المقالات المنسوبة إليه على "منتديات الفلوجة الإسلامية" قبل ستة أشهر: "عندما أرى طفلا يلعب (الاستغماية) مع رفاقه, فيختبئ خلف سيارة مصطفة بجانب الطريق أو وراء جدار بناية... تراه عيناي كملثم يترصد لدورية أمريكية عسكرية وينتظر بلهفة ساعة الصفر.. تتحول صرخاتهم الطفولية إلى تكبيرات وتهليلات وكأنه كمين: الله أكبر, فتح من الله ونصر قريب, نفذ أخي على الهمر, نفذ على الدبابة! أنظر إليهم مستسلما لخيالي, متخليا عن بقايا "ملكة التمييز الواقعي" فأنا ألمح في وجوههم براءة أراها في وجوه جنود دولة العراق الإسلامية".
ويستمر البلوي في وصف الإحالات الذهنية التي يقيمها تجاه مفردات الواقع من أمامه حتى يصير كل ما حوله مجرد مشاهد مجتزأة من معارك "جهادية" ولحظات "استشهادية" في مواجهة أعداء "دولة الإسلام".



لكن البلوي الذي تدمع عيناه، حنينا، للجهاد بينما تتوقف سيارته أمام دورية مرور حتى يندهش الشرطي الذي كاد أن يحرر له مخالفة مرورية، يقرر أن يتحرك من خانة "اللاعب الثاني عشر" ليتحول إلى اللاعب "الحادي عشر". حيث يصف محللو كرة القدم دور الجمهور في المباراة باللاعب الثاني عشر، لكن "أبو دجانة"، وفقا لتوصيفه لموقعه، قرر أن يغير إستراتيجيته ويحل نزيلا على ساحة "الجهاد" التي طالما اشتاق إليها.
وهو ما يدفع بعدد من التساؤلات، فكيف اقتنعت المخابرات الأمريكية أن طبيبا شابا سيعطيهم معلومات هامة وربما يساعدهم في القبض على أيمن الظواهري بموجب خلفياته المعرفية في هذا المجال؟ وماذا لو أن هذا الشاب الجهادي قد اختار لنفسه اسما حركيا "أبو دجانة الخراساني" في حياته الجهادية التي بدا للمخابرات الأمريكية أنه أقلع عنها.
والاسم لا يحتاج لتفسير، فقد اختار أن يكني نفسه بكنية الصحابي أبو دجانة الذي اشتهر بأنه صاحب العصابة الحمراء (الرغبة في الشهادة وعدم العبء بالخصوم) يوم أحد والفارس المغوار الذي جندل المشركين وضرب منهم كل بنان. واختار أن يلقب نفسه بالخراساني بما يحمله اللقب من إحالات واضحة، أخذ أحد المشاركين على منتدى "الحسبة" الجهادي يفسرها في مقال رثائي لهمام البلوي بالتالي: "لماذا الخراساني؟.. هل لأن خراسان غالية لدرجة أنه عاش فيها.. حتى لو من وراء الشاشات، هل لأنها خضراء "كالحسبة الخضرا"..!أم لأن فيها أسامة.. رمز الفخر، في جبين العز شامة..! أم لأن كتائب النصر ستخرج منه.. طلائع خراسان...".
وكيف فات على المخابرات الأمريكية والأردنية أن البلوي ربما يكون مخادعا، وأنه ينفذ مخطط أكبر، عبر هو نفسه عنه بتحوله من "الجمهور المشاهد" إلى أحد اللاعبين؟ فهل جنده الأمريكان دون الاطلاع على تاريخه ودون قراءة شخصيته التواقة للجهاد مهما كان الثمن؟ أم أن سي آي إيه لم تفطن إلى أن البلوي ربما يكون ثمرة من ثمار المنتديات والمواقع القاعدية التي أخذت على عاتقها حشد الأتباع وتجنيد العقائديين الجدد بعد شتات التنظيم في البلاد؟.
الغرب نفسه اعتبر أن أسلوب عمل القاعدة الجديد يشبه أسلوب الشركات الكبرى والماركات العالمية، التي قد تتمركز في بلد واحد لكن آلاف التوكيلات تملأ باقي البلدان، ومن ثم أصبحت القاعدة مثل "ماكدونالد وكنتاكي"، لها فروع في كل مكان، تعمل بالخلطة السرية للمقر الأم!.
تنقيب باربي
يصف البلوي في أحد مقالاته خياله عن دولة الإسلام قائلا: "بعد أن تَتوسع خارِطة الدولة, وتَنتحر على صُخورها أمواج الكفر العَاتية, ستهيمن ثقافتنا على العالم, وستلبس باربي النقاب وستقرأ القرآن برواية حفص عند لمسها, سَنصدر الأبطال والرموز عبر المحيطات حتى تعثر على طفلٍ كامبوديٍ سماه أبوه البوذي "أُسامة" تيمّنا بالرجل الأسطورة. سَتجد كوريا جنوبياً يلبس الغترة والعقال ويجلس في مكتبه الخاص في الطابق الواحد والخمسين من ناطحة السّحاب, ويغني أنشودة أبي عبد الملك بلكنة كورية, دون أن يفهم معانيها:
"سَنخوض معاركنا معهم, وسنمضي جموعا نردعهم، ونعيد الحق المغتصبَ, وبكل القوة ندفعهم".
"سيصنع اليابانيون حلوى المعمول بالتّمر في عيد الفطر, وسيأكل البرازيليون لحوم الأضاحي بدلا من الديك الرومي, وستمتلئ لا فيغاس بلابسي الدشداشة العربية أو السروال الأفغاني... وسَيشرب الفرنسيون ماء زمزم في عبوات معدنية, سَتتسابق شركات السينما العالمية لتصوير الأفلام الحربية المستقاة من وحي الحضارة الإسلامية, وستجد أول عبارة في الفيلم: "لا نَسمح بعرض الفيلم مع الموسيقى".
لا تحتاج كتابات البلوي إلى توضيح حول طبيعة الرجل، الذي يحلم بتنقيب باربي ويشغله هاجس ألا تصاحب الموسيقى أفلام دولة الإسلام القادمة!.. وهو ما يزيد من تعقيدات الأسئلة القائمة، فبينما تعيب وسائل الإعلام الأمريكية على وكالة الاستخبارات وقوعها في الخطأ التنفيذي الهائل بالتقاء سبعة من عناصرها دفعة واحدة بـ"الهدف" بينما تنص لوائح وأدبيات الاستخبارات ألا يلتقي "الحالة" سوى ضابطها المسئول، مع السماح في حالات قليلة بوجود عنصر آخر.


دعك من فشل الأمريكان في قراءة البلوي، لكن كيف يتمكن شخص على هذا القدر من البساطة والسطحية "الظاهرية" في خداع أكبر أجهزة الاستخبارات في العالم؟. لم تكن مقومات البلوي سوى الرغبة المتحرقة للجهاد، فضلا عن بعض المهارات البلاغية الأخرى التي لا تعني في النهاية أي براعة تنظيمية بالضرورة، ولا يبدو البلوى سوى نتاج خالص لمطالعات على شبكة الإنترنت انتهت به عضوا في تنظيم القاعدة ومديرا لتحرير موقع "الحسبة" التابع لها. أي أن الرجل صنع عن بعد وبأقل كلفة ممكنة، وقدم في النهاية أفضل نتيجة يمكن حسبانها في نقاط التنظيم.
لكن مقالا لأبي دجانة على منتدى "الحسبة الجهادي" يعود تاريخه لسنة 2007 ربما يشير إلى تتبعه لـ"سي آي إيه" بالدراسة والبحث، تمهيدا لعملية الخداع الكبرى التي كان يخطط لها.
أسامة الصغير
يقول أبو دجانة في مقاله المعنون بـ"في داخلهم أسامة صغير"..: "هل رأيتم أمريكا أو أي إمبراطورية قبلها شكلت وحدة كاملة ضمن وكالة الاستخبارات, تتألف من مئات الأشخاص هدفها الوحيد القبض على شخص واحد كما فعلت أمريكا مع أسامة؟ تخيل, مئات الأشخاص... بعضهم يلبس الكرافتة ويجلس في مكتب فاخر كمدير فرع أو دائرة، وبعضهم يلبس اللباس الأفغاني وينغمس عينا على المجاهدين.
هل تعلمون من هو مايكل شوير؟ هو المدير السابق لوحدة السي آي إيه المتخصصة في البحث عن أسامة فقد وظيفته كمدير وبعد ذلك كعضو في السي آي إيه بعد فشله في الوصول إليه, يتوقع من هذا الشخص أن يكون أكثر رجل في العالم يكره أسامة لكن شوير, عندما يتكلم عن أسامة, تجده لا يشفي غليل أعداء أسامة, الرجل يتكلم عن أسامة وكأنه يخفي شيئا عما يجول في قلبه, عندما أستمع لهذا الرجل, أشعر أنه لا يكره أسامة, بل ربما يتعاطف معه, كأن في داخله "أسامة صغير", مختبئ في أعماق وجدانه, مستتر في أحشائه بعيدا عن الأنظار, علمت أن بعض زملائه في الوحدة كانوا يمازحونه ويقولون له:
لعل شيطان أسامة قد ركبك؟ لكن شوير, الذي يعرف عن أسامة أكثر من أي أمريكي آخر, يعلم أن الذي اعتراه ليس شيطانا, ولولا قومه لقال في الرجل غير الذي يقول؛ فخوفه ممن حوله, أو حرصه على مكاسبه يمنعه من البوح عن "أسامة الصغير" الذي يخفيه في باطنه, عد إلى كتابه المسمى "الفوقية الإمبريالية, لماذا يخسر العالم الحرب على الإرهاب" لتجد عجابا.. يقول شوير: بن لادن وجماعته يدافعون عن قيم يحبونها ويتمسك بها أيضا معظم المسلمين".
كيف لا وهو يرفض وصف أسامة بالإرهابي, ويقول عنه: "هو محارب وليس إرهابيا, بن لادن شجاع وليس جبانا, بن لادن مؤمن, متدين"، هذا ما يقوله قائد صليبيّ في السي آي إيه, قضى بضع سنين من عمره في مطاردة زعيم تنظيم القاعدة!
أي أن البلوي كان من المهووسين بقراءة الكتب الاستخباراتية أو على الأقل تلك المتقاطعة مع مساحة اهتمامه الشخصي، وهو ما يدعم من فرضية أن المخابرات المركزية مجرد جهاز استخباراتي فاشل، يشغل البدناء من أكلة البيتزا مواقع قيادية فيه دون استحقاق حقيقي، للدرجة التي جعلتهم يقعون في شرك شاب صغير مثل همام البلوي.
ومن مجمل كتابات أبي دجانة الخراساني أو "أسامة الصغير".. فهو أولى الناس بها الآن سواء في عرفه أو في عرف جماعته، ويبدو أن الرجل الشبح "بن لادن" تحول إلى "شبح الرجل" وقد انتثر في ألف "أسامة".. خرقوا سقف النجاحات المفروض، وربما سينجحون في خرق أسقف أخرى مادام إبداعهم وخيالهم الشخصي قادرا على سوقهم إلى هناك.. حيث وقفوا شامتين في وكالة الاستخبارات.. وحيث وقفت وكالة الاستخبارات تضيف إلى خيباتها خيبة جديدة.



السبت، 6 ديسمبر 2008

هل سمموا مقتدي الصدر؟

آخر صورة ظهر فيها الصدر..ويبدو منهكا بعض الشيء

كتب_أحمد الدريني

كشفت مصادر داخل التيار الصدري بالعراق للبديل عن تراجع صحة الزعيم الشيعي مقتدي الصدر قائد جيش المهدي وزعيم التيار الصدري ،وأفادت بأن هذا التراجع ربما بسبب تعرضه لعملية تسمم بغرض اغتياله جرت خلال الأشهر القليلة الماضية.

وأجرت البديل عددا من الاتصالات مع عدد من قادة التيار الصدري وبعض الأشخاص الذين يعتقد أنهم مقربون من الزعيم الشيعي الشاب إلا أنهم تحفظوا علي ذكر اسماءهم،ولم يجزموا تماما بحقيقة ما يجري.

وقال قيادي سابق بالتيار ،تحفظ علي ذكر اسمه ، في اتصال هاتفي مع البديل:"هناك إشاعة تدور منذ مطلع هذا العام حول تدهور صحة السيد مقتدي الصدر بعد تعرضه للسم،لكن مقربين من سماحة السيد يقولون أن صحته غير مستقرة وأنه يدخل في نوبات غيبوبة طويلة وإفاقة مضطربة منذ فترة بعيدة".

وأردف المصدر :"لا يوجد أصل واضح ومحدد لحادث التسمم ولا يمكن تتبع أثره ولا يوجد دليل عليه،لكن تراجع صحته والأعراض التي يصفها مقربون من سماحته تشي أن ذلك مطروح بشدة،وأنه تعرض لعملية اغتيال بطيئة بنوع مخصوص من السموم".

ولم يجزم المصدر بأن حادث التسمم المشكوك في صحة ثبوته قد جري في مدينة "قم" الإيرانية التي زارها الصدر قبل أشهر،وقال :"الحادث قد يكون جري في قم أو في النجف،لا أحد يعلم".

وتدوالت منتديات شيعية قريبة من خط التيار الصدري أنباء عن توعك صحة الصدر الصغير ورجحت قائلة "قد يكون مسموما" واعتبرت أن الصدر الشاب يتحمل أثر السم نظرا لقوته البدنية.

فيما حمل البعض المخابرات الايرانية مسؤولية الحادث المزعوم،وتداولوا صورة لشخص يبدو من هيئته كما لو كان مقتدي الصدر،بصحبة شخصين آخرين يرتديان ملابس عسكرية ،ويسير الثلاثة في ردهة مكان يبدو كالسجن،وتظهر فيه أبواب زنزانة مفتوحة.

وقال ناشر الصورة إنها صورة زائفة يتم تداولها في ايران مصحوبة بتعليق مفاده أن الشخص هو مقتدي الصدر وأنه مودع بأحد سجون الحرس الثوري الايراني،وعزا تداول الصورة الي .."جهود المخابرات الايرانية التي تريد تسريب أن السيد مقتدي الصدر مغيب رغماً عنه و أن كل ما يصدر عنه هو بغير علمه" علي حد تعبيره .

وقال أحد القادة الروحيين بجيش المهدي ويدعي "م.ب" قبل أيام للبديل :"السيد مقتدي ظهر علي قناة آفاق ردا علي كل من يقول أنه بإيران" ولم ينف القائد الروحي "م.ب" أن الصدر ذهب لحوزة "قم" لبعض الاغراض الدراسية والعلمية.

وأرسل القائد "م.ب" للبديل نسخة من حلقة قناة آفاق التي أذيعت نهاية شهر أكتوبر الماضي ،عبر شبكة الانترنت، ويظهر فيها مقتدي الصدر(34 عاما) مرتديا منظارا طبيا ويبدو أكبر في السن وأكثر إرهاقا،بينما غزا الشعر الأبيض لحيته.خلافا لمظهره المتين وجسده الممتليء ولحيته فاحمة السواد.

وكان الصدر قد ظهر في مارس الماضي علي شاشة قناة الجزيرة في حوار مع بسام بن جدو،نفي فيه الاخير ان يكون علي علم بمقر محاوره،وقال الصدر في مجريات الحوار "لقد اخترت العزلة الأخروية" واستدرك قائلا "إن صح ذلك التعبير".

وأضاف "لقد اعتزلت للتعبد والتعلم،سائرا علي نهجي أبويّ الشهيدين وعلي خطا أجدادي من الأئمة" لكنه استدرك "أنا موجود في المجتمع وأعاني مشاكله ومشاكل أهله،ولازال التيار الصدر باقيا بأشخاصه وقياداته ولازلت معهم وفيهم ومنهم إن شاء الله".

كما وجه الصدر انتقادا عنيفا لإيران بين سطور الحوار وقال أنه راجع السيد الخامينائي حين التقاه بالأراضي الايرانية في بعض الشؤون المشتركة بين ايران والعراق،وعقب بأان "99% من الاطراف الدولية الحاضرة في العراق،تبحث عن مصلحتها الشخصية لا عن مصلحة العراق".

وكان الصدر قد أعلن قبل أسابيع قليلة اعتراضه علي الاتفاقية الأمنية في العراق،وأعلن عن تكوين ما أسماه "لواء اليوم الموعود" الذي نفي القائد "م.ب" للبديل أن يكون هو ذاته كيان وتشكيلات جيش المهدي،وأوضح "م.ب" :"اللواء مكون من خيرة أبناء جيش الامام المهدي خلقا وخبرة".

وأرسل القائد "م.ب" للبديل رابطا اليكتروني لنسخة ورقية بخط يد مقتدي كتبها قبل أقل من شهر تقريبا،يعلن فيها عن تأسيس "لواء اليوم الموعود" وبتجريب الرابط مرة أخري ظهر أمس الجمعة لم يعمل الرابط،وبدا ان هناك عطلا في عدة مواقع تابعة للتيار الصدري أبرزها موقع "فرسان المقاومة الاسلامية".

من ناحية أخري حاولت البديل الوصول إلي القائد الميداني السابق بالتيار "حمزة الطائي" والمكني ب"أبو درع" لكن عطلا في خط هاتفه حال دون ذلك،لكن شخصا مقربا منه قال :"الطائي ليس في العراق الآن،وأنا أرجح أن السيد الصدر قد تعرض لعميلة تسميم لأن اختراق الدائرة الأمنية اللصيقة له يعد أمرا مستحيلا،فالتشكيلات التي تحرس سماحته مجهزة علي اعلي مستوي قتالي وهم من خيرة ابناء التيار الصدري".

وقال المصدر المقرب من الطائي :"التيار الصدري غني بكوادره وأبناءه،ويظل سماحة السيد مقتدي الصدر رغم كل مايثار حوله من تشكيكات من وقت لآخر هو رمز التيار الذي يجتمع حوله الكوادر التي تدين بالولاء له وللسيد الشهيد الوالد محمد صادق الصدر".

ويثير الانتباه إشارة بعض الصدريين إلي مقاومة مقتدي الصدر لأثر السم نظرا لقوته البدنية،وهو ما يبدة إسقاطا رومانسيا علي حادث تسميم النبي محمد_صلي الله عليه وآله وسلم_بواسطة امرأة يهودية دست له السم في لحم شاة وفقا للرواية المعروفة،وأخذ النبي يحس بالوجع إلي أن لاقي ربه وكان صحابته يرجعون تحمله للسم إلي متانة بنيانه وقوته الجسدية،مستشهدين بقوله في بعض المواضع :"إني لأتوعك كما يتوعك رجلان منكما".



_______

منشور اليوم بالبديل

الخميس، 6 نوفمبر 2008

عندما صاحت السيدة كارول: لقد فعلها أوباما..فعلها..فعلها يا ميشيل


كانت ثلاث خطوات فقط تفصل بين السيدة كارول صاحبة هذا المنزل وبين راشيل الفتاة ذات ال14 ربيعا التي أمسكة لوحة مرسومة لباراك أوباما ووضعتها بجوار وجهها وهي تتابع أخبار الانتخابات علي شاشة سي إن إن.عندها صرخت راشيل : "اووووووه لقد حصلنا علي نيوهامبشير"..عندها قفز الجميع فرحا،فقدت حسمت نيوهامبشير امرها لصالح باراك اوباما. وعندما قطعت راشيل هذه الخطوات الثلاث وضعت علي الطاولة التي تتوسط الصالة طبقا من البطاطس الشيبسي امام ما يقرب من عشرة مراهقين سود يتابعون ما يجري في كل ولاية،عن طريق الانترنت وشبكات التلفزيون الامريكي.

وحينها قالت لها إحدي الصديقات اللوائي يملأن المنزل:لي صديق يتصل من ولاية أخري يقول لي نحن نسير بصورة جيدة..أوباما يحصد الاصوات ياكارول..إنه يفعلها..عندها مالت كارول علي الارضية الخشبية لصالة منزلها ثم لمستها طويلا بينما تضغط علي اسنانها فرحا "تاتش وود".

كارول سيدة سوداء في نهاية الثلاينات،لديها ثلاثة اطفال،وتحظي بمكانة عالية بين مجتمع الافروامريكيين في مدينة سيراكيوز بنيويورك،لذا فقد كان طبيعيا ان تختار ثماني عائلات من اصول زنجية بيتها لتترقب فيه نتيجة الانتخابات.

الدخول الي بيت كارول لايستدعي الكثير من التدقيق كي تدرك انك في عالم متكامل خاص بالسود.فبين حوالي 22 شخصا في هذا المنزل ،قبيل اعلان النتيجة، كان الجميع يرتدي تي شيرتات تحمل صورة اوباما او ملصقات تشير الي تأييده،بينما اختار تشارلز(15 سنة) ارتداء تي شيرت يحمل صورة القس البروتستانتني مارتن لوثر كينج،بينما موسيقي الراب تصدع من مكان ما،ويقوم كل ثلاث دقائق تقريبا احد المراهقين ليرقص علي ايقاعها.

تنحيت عن طريق السيدة كارول وهي توزع المزيد من بوسترات التأييد علي الطاولة لأجدها تضع علي احدي الرفوف عددين من إحدي المجلات المختصة بعالم السود،كان غلاف العدد الأول يحمل صورة اوباما،بينما الثاني يحمل صورة ميشيل زوجته،وبعدهما بعدة سنتيمترات كتاب اوباما الاشهر "من أحلام والدي".

وعندما دخلت السيدة ميشيل التي تبدو في أواخر الخمسينات ،هلل المراهقون احتفاءا بها وهللت السيدات اللوائي برفقة كارول،فقد كن مشغولات حينها باعداد اكواب البيبسي وأطباق الفراخ المحمرة والمكرونة والحلوي.

قالت لي ميشيل :"أوباما هو الشخص الصح في المكان الصح،انه الرجل الذي سيضع الامور في نصابها". قلت لميشيل هل لي أن أسألك لماذا اشعر ان تأييد هذا المنزل لاوباما راجع بالمقام الاول لانه اسود؟ فردت :"انه يعكس عالما يفيض بالانسانية،انه يمثل خلفية ما تدعو للتفاؤل،الامر ليس لانه اسود فقط..انظر الي ما يمثله باراك اوباما".

ولم تكد تكمل جملتها التالية حتي صرخت راشيل :" ياهوووووووووو لقد حصلنا علي بنسلفانيا" فهلل الجميع وتركتني راشيل وراحت ترقص مع الصبية المراهقين فرحا بفوز السيد اوباما بولاية أخري...وصاحت كارول :"أوباما يفعلها..انه يفعلها يا ميشيل!".

ساعتها

أخذت فيفان ذات الستة عشر عاما زمام المبادرة وقالت لي :"انا أنتمي لعائلة من الطبقة المتوسطة..ببساطة شديد سيهتم بي اوباما ولن يفعلها ماكين".

أخرجت السيدة كارول من الثلاجة تورتة (يصل مقاسها تقريبا الي 40 سم في 20 سم) يحمل نصفها صورة مرسومة لباراك أوباما، ولدي رؤيتها هللت النساء وأطلقن صيحات الفرحة.لكن شيئا ما حدث جعل كارول تحبس أنفاسها .."لقد ضاعت نورث كارولينا" هكذا همست راشيل!

لم يبدد صمت ضياع نورث كارولينا وانحيازها لصالح جون ماكين سوي المزحة التي أطلقتها بيري ذات الخمسة عشر ربيعا وهي تخاطبني :"أتود أن تعرف لماذا أشجع باراك اوباما؟" أومأت لها أن نعم،فأمسكت صورة زيتية له ووضعتها بجوار وجهها وقالت :"لانه يشبهني..ألست تري؟ إنها ذات الملامح". هنا تقول "جاكي" ذات السبعة عشر عاما: لا نعتبر ان اول رئيس اسود هو باراك اوباما..فلدينا جون إف كيندي وبيل كلينتون!

ضحك الجميع،من المزحة التي ترمي الي انهم سود يؤيدون مرشحا اسودا..هكذا هي الحقيقة أو جزء منها!

عندها سألت تشارلز ذي السبعة عشر عاما :"لماذا ترتدي تي شيرت يحمل صورة مارتن لوثر كينج الليلة؟"..فرد تشارلز :"أنا أشجع باراك اوباما..وقد كان لكينج حلم..ولاوباما حلم ايضا..انه نفس الحلم..أنا اشجع الحلم".

ثم أردف تشارلز :"انا اتفق معه في سياساته سيما فيما يخص الخارج والقضايا الاقتصادية وموضوع الطاقة" ثم يستدرك :" ماكين رجل جيد ايضا..لكني أميل لاوباما".

تعبت من طول الوقفة التي امتدت لثلاث ساعات تقريبا،وحينها جلست بجوارهم علي الكنبة،وتناولت الصورة الزيتية لاوباما التي تناولتها بيري منذ قليل،فإذا في الصورة تغييرات في الملامح عن الشكل الاصلي..هذه الصورة جعلت اوباما زنجيا اكثير من اللازم!..لقد وسعوا فتحتي انفه وغيروا شيئا ما في ملامحه..عندها لاح تي شيرت تشارلز الذي يحمل صورة مارتن لوثر امام وجهي،فإذا بشبه كبير بين الرجلين بعد التعديل!

هنا يقول جورج الذي يرتدي تي شيرت كبير يحمل صورة اوباما :"سياسة اوباما الخارجية ومقاربته الاقتصادية تروقاني جدا..بينما ماكين ليس كذلك يا تشارلز".

جاءتني السيدة كارول وقالت لي برقة بالغة :ألا تريد أن تتناول أي شيء؟ فشكرتها بشدة،فكررت:من فضلك ان احتجت شيئا ما قل لي،وبينما نتبادل الابتسامات الرقيقة صاحت بييري :"أوووووووووه بنسلفانيا معنا..بنسلفانيا لنا!".

حينها هلل الجميع وصرخوا وراح الاطفال يمرحون هنا وهناك بينما البالونات الحمراء لا تفارق ايديهم،ومن وقت لاخر يوقعون شيئا من مكانه هنا او هناك،الي ان اصطدم بي احدهم،ذو اربعة سنوات فقط،سألته عن اسمه فقاله لي..لم اسمعه جيدا فتهجاه بعنف ! لم استوضحه فسألته لماذا تشجع باراك اوباما،فوضع اصبعه في فمه وقال :"لانه لطيف!".

هنا التقطني فرانك ذو الاحد عشر عاما بعدما انهي مكالمة هاتفية مع احد الاصدقاء وقال لي :"يقولون ان اوباما اشتراكي..انا أؤيده، واعتقد ان شيئا من الاشتراكية مطروح فعلا في سياسته،لكنه شيء سيقودنا للامام وسيحسن اوضاعنا".

وصل المنزل في هذه اللحظة الي درجة من الزحام لايمكن وصفها،الضجيج من كل مكان،راشيل ترقص علي اغنية راب،جورج يتناول طبقا من الحلوي ويقطع الطريق من وقت لاخر،كارول تتمم علي ضيوفها،ميشل تلتقط صورا فوتغرافية من وقت لاخر وتهلل وتصيح "أوباما ياهووووووووووووو".

إلي أن بث التلفزيون تقريرا تفصيليا عن الوضع أشار الي تقارب نسبة الرجلين،عندها وجم الجميع وشهقت كارول،وصمت الاطفال وخيم صمت ما علي المكان لمدة دقيقة تقريبا،بدت خلاله اطباق الحلوي كما لو كانت تشاركهم الصمت هي الاخري وبدا كل شيء في المنزل محبطا،حتي الاثاث نفسه.

راح الحاضرون يستأذنون رويدا رويدا،واضطررت لترك منزل السيدة كارول فقد وصلت الساعة الثانية عشر الا عشر دقائق تقريبا،وحين قطعت المسافة عائدا نحو الفندق،بينما الطرقات هادئة جدا،سمعت صيحات النصر :"أووووووووووووووووووووووووووووووه..فعلها أوباما..فعلها"


____

منشور اليوم بالبديل،ويرجي الاستئذان حال الرغبة في استخدام الصورة




الخميس، 4 سبتمبر 2008

عبد الباسط عبد الصمد..الشيخ براندو

عيناه الخضراوان ووسامة وجهه كانتا وثيقة الإدانة الكاملة ،فهذا الرجل لم يخلق ليكون شيخا معمما ولا زاهدا ناسكا، بل ارتأي كثيرون_ومن بينهم فايزة أحمد ومحمد عبد الوهاب_ أن الشيخ عبد الباسط عبد الصمد ولد ليعمل مطربا لا مقرئا..ومن هنا فقد أطلق عليه البعض لقب "الشيخ براندو"..في مضاهاة ظريفة لنجم هوليوود في ذلك الوقت ..الوسيم "مارلون براندو".

لكن عبد الباسط كان له رأي آخر،كان إحساسه بكتاب الله الذي يحمله بين جنباته إحساسا مختلفا ،دفع بالشيخ الوسيم إلي أفق غير محدود،تلاقت فيه أقصي درجات الفن مع أنقي درجات الإيمان..لايكاد سامعه يستفيق أبدا من روعة التلاوة ولا من يقين الخشوع الذي يتخلل موسيقي منطقه،قراءته مبتداها حنجرته ومنتهاها السماء السابعة..التقي_مع عبد الباسط_ المعادل الفني مع المعادل الإيماني في لقاء قلما يتكرر علي هذا القدر من العظمة والجمال.

في جنوب مصر،أرمنت،محافظة قنا،عام 1927،ولد الشيخ عبد الباسط عبد الصمد وحفظ القرآن لعشر سنين، ورعاه أبوه مذ كان طفلا متمثلا فيه شيئا ما لم يكن يستطيع تسميته،يحكي الشيخ فيما نسب إليه من مذكرات " يقول الشيخ عبد الباسط في مذكراته :" كان سني عشر سنوات أتممت خلالها حفظ القرآن الكريم الذي كان يتدفق على لساني كالنهر الجاري ، وكان والدي موظفاً بوزارة المواصلات ، وكان جدي من العلماء فطلبت منهما أن تعلم القراءات فأشارا علي أن أذهب إلى مدينة طنطا لأتلقى علوم القرآن والقراءات على يد الشيخ محمد سليم ، ولكن المسافة بين أرمنت وبين طنطا بعيدة ، ولكن الأمر كان متعلقاً بصياغة مستقبلي ورسم معالمه مما جعلني أستعد للسفر ، وقبل التوجه إلى طنطا بيوم واحد علمنا بوصول الشيخ محمد سليم إلى أرمنت ليستقر بها مدرساً للقراءات بالمعهد الديني بأرمنت ، واستقبله أهل أرمنت أحسن استقبال واحتفلوا به وأقاموا له جمعية للمحافظة على القرآن الكريم بـ ( أصفون المطاعنة ) فكان يحفِّظ القرآن ويعلم علومه والقراءات ، فذهبت إليه وراجعت عليه القرآن كله ثم حفظت الشاطبية."

و في إحدي ليالي عام 1945 صعد الفتي أخضر العينين جميل القسمات إلي منصة التلاوة في قرية مجاروة لقريته "المراعزة" وأخذ يلهج بكلمات الله ويتغني بالذكر الحكيم في ليلة لن تنساها تلك القرية إلي الأبد..في تلك الليلة الصافية أطلق الفتي اليافع عبد الباسط لحنجرته الإذن لتعلن عن نفسها علي الملأ للمرة الاولي مؤسسا أول حجر في دولة تلاوته .

وكان طبيعيا أن يجد الفتي الملائكي الصوت طريقه للإذاعة المصرية،إلي أن حصل علي وسامها عام 1950،لتتفتح له كل الآفاق بعد ذلك،وليتعرف المسلمون وغير المسلمين أن هناك نفحة سماوية تجلت في حنجرة ذلك الشيخ..وكما هو معروف "ألا إن لله في أيام دهركم نفحات..ألا فتعرضوا لنفحات الله"..وبالفعل لم يكذب الناس خبرا،ذهبت القلوب والنفوس الي نفحات الله..ذهبت بإخلاص ومحبة وتلقائية إلي الشيخ المرهف واستمعت الي كلام ربها.

وفي بداية الخمسينات وبينما الشيخ بصحبة أبيه،في صحن الحرم المكي أثناء أداءهما فريضة الحج التف حوله المعجبون،وجاءه مدير إذاعة جدة إبراهيم الشوري وطلب منه أن يرتل القرآن بصوته في الحرم..وقد كان..وبلغ صوت الشيخ عنان السماء،ليس دونها ودونها حجاب.

ثم طلب منه الشوري أن يسجل القرآن بصوته لإذاعة جدة،فقبل الشيخ ثم قرأ القرآن أمام الملك سعود،وذهب الي الحرم المدني،ورتل الايات ترتيلا بجوار رسول الله في مقامه الشريف،ومنذ ذلك القوت انفتحت الآفاق في حياة الشيخ إلي مالا نهاية،وطاف بلدان العالم الاسلامي يقرأ القرآن ويحصد الاعجاب..ترق له القلوب ويسعي اليه الملوك والرؤساء والوجهاء..ويهلل ويكبر علي نغم تلاوته البسطاء.

أصبح الشيخ الملائكي الصوت ملء السمع والبصر،حتي قيل أن فايزة أحمد ومحمد عبد الوهاب حاولا إقناعه باحتراف الغناء،ولما آثر الشيخ أن يعيش للقرآن ويموت له،مازحه عدد من مشاهير المطربين :"أهو أحسن لينا لاننا كنا هنقعد في بيوتنا لو انت غنيت".

بدا أن للشيخ المرهف طريقته المميزة في القراءة،إذا بسمل أخذك إلي عالم غير محسوس تشعر أنك زرته من قبل لكنك لا تتذكر ما هو ولا اين هو،فقط كل المعلومات المتوفرة عنه أنك لايمكنك زيارته الا اذا استمعت الي الشيخ عبد الباسط.

وما أدراك ما بعد البسملة،فالشيخ يتحرك من آية لآية كأنما يرتقي سلم الصعود إلي السماء،وتباعا فأنت بجواره ..يصعد الشيخ فتسمو روحك وتتحس معه الملأ الأعلي بمكوناته..كيف هو؟

للشيخ تلاوات شهيرة لسورة يوسف علي وجه الخصوص،واحدة منها لا تترك لسامعها الفرصة كي يمارس فعل "الاعجاب" أو يندهش علي أقل تقدير.. ليس بوسع سامعها أن يجلس مكانه أو أن ينعقد لسانه..ستقوم من مكانك منفعلا لو أنك من النوع العاطفي،وسينطلق لسانك لو أنك من الطراز الروحاني من الناس :"اللاااااااااااااااااااااااااااااه".

في هذه القراءة جاء الشيخ علي مشهد مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام وهي تقول :"هيت لك"..فقرأها عبد الباسط خمسة مرات بأربع قراءات مختلفة"هيتٌ لك" و"هيتُ لك" و"هئت لك" وهًيت لك" كان مؤاداها النهائي أنك تكاد تري امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه وتخلع عنه قميصه ممزقا قد من دبر!..وصمت الشيخ هنيهة ثم قال بلسان يوسف بحزم وجدية :"معاذ الله".

كرمت عدة دول الشيخ الجليل منها سوريا بمنحه وسام الاستحقاق، ووسام الأرز من لبنان والوسام الذهبي من ماليزيا ووسام من السنغال وآخر من المغرب،وانتهت حياته الحافلة مثلما تشير بعض المصادر :" عندما تمكن مرض السكر منه تمكناً شديداً ثم أصيب بالتهاب كبدي مما دفع الأطباء إلى نصحه بالسفر إلى لندن للعلاج وكان بصحبته ابنه طارق ، وبعد أن مكث هناك في لندن أسبوعاً طلب من ابنه طارق أن يعود به إلى مصر ، وفي تاريخ 30 / 11 / 1988 م فارق الشيخ عبد الباسط هذه الحياة إلى حياة أبدية أزلية" .

الثلاثاء، 2 سبتمبر 2008

الحصري..رتّل فأبكي


لا يترك الشيخ محمود خليل الحصري لمحبيه وعاشقي تلاوته الفرصة لاتخاذ المسافة الكافية منه إذا ما حاول أحدهم الكتابة عنه،هو قريب قرب صوته الدافيء، وحنون كموسيقي حنجرته السماوية، ومذهل يكتسح كل ما أمامه بأناقة وفروسية ،هو الأب ذو المهابة حينا،وهو الجد الحنون تارة أخري..عليك أن تتوحد معه توحده مع كتاب ربه..وإذا لم يحدث لك هذا..فاستمع له مرة أخري من فضلك لأنك لم تسمعه جيدا حتي الآن.

فالحصري لأسباب لا ندركها تحديدا،يبدو كأمر محسوم أزلا..هو الحصري وكفي..علي حنجرته هبط القرآن لاسطوانات الاذاعة المصرية،ومن حنجرته استمع ملايين المسلمين الي كتاب الله بقراءات عدة..لم نفق من بديع قراءته لحفص عن عاصم حتي باغتنا برائع تلاوته ل"ورش"..ومن قراءة لأخري ومن تلاوة لغيرها كان الشيخ الجليل يتحرك بثبات ورسوخ كما لو كان مبعوثا في مهمة خاصة،قطع علي نفسه عهدها قبل أن تحل روحه في بدنه.

ولد الشيخ الجليل الحصري عام 1917 في قرية شبرا النملة،وحفظ القرآن بكتاب القرية،وتم تعيينه بالإذاعة المصرية عام 1944 وخرج صوته علي الهواء مباشرة للمرة الأولي يوم 16 نوفمبر من نفس العام،إلي أن تقلد منصب شيخ المقاريء المصرية عام 1960، ليسجل في ذلك العام القرآن كاملا للمرة الأولي في تاريخ الاذاعة.وليمنحه عبد الناصر بعدها بسبع سنوات وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولي.

وكان الشيخ _بطبيعة الحال_ في ذلك الوقت واحدا من تجليات قوة الدولة الناصرية التي رسخت نفسها بجيوش من المبدعين والمثقفين والموهوبين والعلماء والمشايخ والقراء، فالشيخ سافر مع عبد الناصر وصاحبه في عدد من جولاته الخارجية وكانت حنجرته السماوية وقراءته الرجولية الزعامية(إذا صح أن نصف أجواء تلاوته بهذه الصفات) جزءا من بريق زعامة مصر ونفوذها البالغ في ذلك الحين.وانظر إلي ما يعتري مستمعيه حين يعتلي الشيخ منصة التلاوة،بل بلغ الامر أن حمل عشاقه سيارته في ماليزيا وهو بداخلها تعبيرا عن محبتهم الفائضة وعشقهم الذي لا ينتهي للرجل المبارك.

وهو ما أدركه السادات بعد ذلك عندما قرر أن يصطحبه ايضا لعدة جولات خارج مصر،وبلغت الامور ذروتها حين قرأ الحصري القرآن في قلب البيت الأبيض أمام الرئيس الامريكي جيمي كارتر،ثم رتل الايات ترتيلا في مبني الأمم المتحدة.

لا تكفي القراءة الظاهرية لحياة الشيخ الحصري لمعرفة سر تفوقه الكاسح وتمكنه المذهل،فهذا الرجل إذا قدم إلي قراءة القرآن كان يبدو كما لو كان منفصلا عن كل ما حوله،تتسق روحه وحنجرته،ويتواصلان سويا مع أنشودة السماء دون وسيط أو وسيلة..الروح تعي والحنجرة تترجم "وما كان عطاء ربك محظورا".

قراءة القرآن لدي الحصري لم تكن عملا فنيا،أو أداءا احترافيا،كان رساليا يدرك أن ثمة شيء ما في القرآن أبعد وأعظم من مجرد تلاوته علي الملأ بصوت عذب وفقا لأحكام ضابطة حازمة فحسب،يحكي عنه الأديب والحكاء الكبير خيري شلبي أنه قال له :"سيولة التطريب تختزل ثلاثة أرباع التأثير القرآني المطلوب توصيله في كثير من الآيات التربوية الحاسمة..إن التطريب يجعل المستمع ينبسط وينتعش كما لو كان يسمع أغنية جميلة وهذا لا يجوز" ثم سكت الشيخ الحصري قليلا وقرأ آية من آيات العقاب والوعيد أمام خيري شلبي فاستشعر الاخير نوعا من الرهبة فقال الحصري بعدما صدق :"هكذا لابد أن أضرب المستمع بها في دماغه ليفيق مباشرة!".

وهذه الفلسفة في قراءة القرآن تظل هي السمة الابرز مع الحصري علي الاطلاق،فهو واحد من أكثر القراء تمكنا من إدارك العلاقة الصوتية المفترضة مع كل آية وفقا لغرضها ولموسيقاها الداخلية..فقد كان ينتقل من ضمير لآخر في القران مدركا طبيعة التلاوة المفترضة في هذا الجزء أو غيره،فإذا سمعته يتحدث بلسان الله :"يا موسي إني أنا الله" استشعرت رهبة الحق إذا تكلم..وإذا تكلم بضمير الوسيط كما ورد في الكتاب الحكيم :"يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم" ستسشعر خجل كليكما أمام خطاب الحق..بينما ستحس براعة القاص والحاكي الماهر حين تجتذبك الآيات تباعا :"فأجاأها المخاض الي جذع النخلة".

وكان للحصري حضوره إذا اعتلي منبر القراءة،فمن مسجد السيد أحمد البدوي الذي رتل فيه الشيخ القرآن ترتيلا من العام 1949 حتي العام 1955 إلي مسجد الإمام الحسين بالقاهرة،كان الرجل الجليل يدرك طبيعة ما نذرته الأقدار إليه..يلقي بالدنيا خلف ظهره ويجلس جلسته الثابتة..تتحرك يداه إلي خده عفوا وطوعا وتمارس روحه هوايتها المفضلة في العروج لأعلي كأنما ليعاين الوحي في منبعه الاول قبل أن يترجمه اللسان وتجهر به الحنجرة..يتلو الشيخ وهو راسخ في مكانه كأنما مهابته من مهابة نصه..وكأنما يشفق علي نفسه من عظم المهمة "إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا" فيرق الصوت وتختنق العبرة ويذرف الرجل دمعا طويلا.ويحكي البعض أن آخر ما قرأه قبل وفاته عام 1980 قول الحق تعالي :"يسألونك عن الساعة أيان مرساها ،فيم أنت من ذكراها،إلي ربك منتهاها،إنما انت منذر من يخشاها،كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها" وقالوا قرأها بصوت غريب وبلحن شجن وببصيرة صافية.

والعلاقة بين الحصري وكتاب الله لم تكن علاقة سطحية تنتهي سريعا بمجرد ترجله عن منبر التلاوة،بل الآيات ملء جوارحه وسمت سلوكه "وأما السائل فلا تنهر".. وهنا يحكي خيري شلبي :"شهدت بعيني الكثير من اعمال البر قام بها الشيخ الحصري،ورأيت الكثير من المساعدات الخيرية التي يقدمها للمشاريع الخيرية وللمحتاجين وللناس كأفراد ذوي حاجات من غير ان يعلنوا عنها أو يسألوه صدقة،كان سخيا جوادا".

ويحكي عنه ابنه السيد الحصري أن أباه كان حنونا وكان يشجع ابناءه علي حفظ القرآن وكانت مكافأة حفظ السطر خمسة عشر قرشا وحفظ الجزء الواحد عشرة جنيهات..كان ذلك عام 1960.