90s fm

‏إظهار الرسائل ذات التسميات هي الهرتلة بفلوس (طراز 2). إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هي الهرتلة بفلوس (طراز 2). إظهار كافة الرسائل

الأحد، 14 أكتوبر 2012

الرأسمالية وتدريبات يوم القيامة..في كواليس المؤسسة العالمية



أقف أمام ماكينة القهوة في الدور الثاني من البناية الضخمة التي تحتل المؤسسة العالمية التي أعمل بها نصفه.
أنتظر دوري في طابور قصير ملول، يخفي الواقفون فيه تذمرهم ،من الانتظار ومن بعضهم البعض، تحت غطاء من اللياقة الاجتماعية التي يمكن أن تكتسبها بالتدريب، ما لم تكن منقوشة في وجدانك.
هنا في هذه البناية، في هذه المؤسسة، في إسار الطابع العام الذي يحكم الأمور..يمكنك أن تعرف كل شيء حول عشرات العاملين معك في القاهرة، وحول الآلاف بامتداد العالم.
إنهم يشربون القهوة أو النيسكافيه في الموعد الفلاني عادة، ويتناولون غدائهم في موعد آخر ثابت، بانضباط فسيولوجي ومزاجي صارم.
لو كنت أحد محللي الأداء الوظيفي لرسمت شكلا بيانيا بالمنحنيات الثلاث: المزاج-الأداء-الرغبات الفسيولوجية، ولبدا الارتباط الوثيق بين ثلاثتهم.
أنا هنا أواجه نفس الضغوط التي يكابدها شاب في مثل سني يعيش في سان فرانسيسكو، يجلس على "لاب توب" مطابق للذي أعمل عليه، شكلا وإمكانات، ولا يفرقهما عن بعضهما البعض سوى ملصق الباركود.
كلانا يواجه أزمات تقنية واحدة، ويظل كابوسه المقيم، ألا يصل تقييمه الوظيفي للدرجة التي يريدها وفقا لمنجزاته المهنية، التي تحسبها عليه برامج إحصاء وتعقب وتحليل فائقة الدقة.
كل نقرة مني على الكيبورد، تعني أنني أتخذ قرارا ما في عملي، ما يؤثر في نهاية المطاف على درجة الإنجاز وجودته، كل نقرة مني، أشبه بمقامرة قدرية حول ما سيؤول إليه تقييمي الوظيفي بعد 3 شهور.
وحين تواجهني مشكلة تقنية ما، يهرع فورا فريق عالمي لتباحثها وحلها..
ينضم إلى نافذة دردشة شباب تقنيون عباقرة..من الصين وإيطاليا وأمريكا..ودول كثيرة بينهما على الخريطة.
كل مرة أواجه فيها مشكلة تقنية..ينضم إلي هؤلاء جميعا..فأحس أنني أتباحث إصلاح الكون نفسه، لا أخوض مجرد دردشة عملية حول عطب فني في حسابي العالمي داخل هذه الشبكة العملاقة.
جميعهم يواجهون كوابيس تقنية شبيهة بما أواجه، وكلهم تقريبا يخضعون لنفس الضغوط، ونفس المميزات..
كلهم يتلقون رسائل البريد الإليكتروني التبشيرية التي ترسلها الإدارة الأم..حول مستقبل أفضل للعاملين في هذا الكيان.
وكلهم لديهم أهداف مرحة على نحو ما..أو هكذا يمكنك أن تتخيل إذا ما تصفحت صورهم الشخصية المدرجة في ملفاتهم المتاحة على شبكة داخلية عملاقة.
أتخيل زميلا صينيا يدعى "لي" مثلا، ينتظر إنهاء وردية عمله كي يمرح مع زميلته..في حين يبدأ زميلي الإنجليزي "آدم" ورديته بعدما قضى نوبة مرحه مع صديقته..في مشهد درامي تلعب فيه خطوط الطول ودوائر العرض وفروق التوقيت، دورا فنيا فوق المدهش.
أخالني وقد صرت شبيها بأشباهي من سائر موظفي المؤسسة العملاقة حول العالم.
نمتلك نفس البطاقات الممغنطة التي تفتح أبواب المكاتب والطرقات..نمتلك نفس جهاز اللابتوب..ونفس "مولًد" كلمة السر النقال..ونفس الحقائب التي تحمل شعار المؤسسة..ونفس الأيقونات الصغيرة..
الجميع يتنقل داخل نطاق دخل شهري بعينه، يجعلنا نشتري ملابسنا وأحذيتنا من محال بعينها، بالأحرى من أفرع هذه المحال، بحيث نصير في نهاية المطاف محشورين داخل أزياء وتصميمات بعينها..
نفس الموظفين يشترون من نفس الأفرع بنفس الأسعار حول العالم..
ويعضد الأمر رغبة التشابه داخل الجماعة الإنسانية..
فيحتذى البعض "لوك" البعض الآخر..وهكذا نصير جميعا نسخا مستنسخة..
أنظر إلينا (ها قد صرت أحدهم وأقول "إلينا"!) من زاوية منظور الطائر..بينما نسير كالروبوتات الآلية..
نجلس على المكاتب البنتاجونية التكوين (خماسية الأضلاع كلها)..نشرب القهوة في مواعيد بعينها، فنذهب لدورات المياه في مواعيد متزامنة تقريبا، ويترافق أداؤنا الحيوي مع انبساطنا المزاجي..وفي نهاية اليوم، نصل لنفس الدرجة من الإرهاق، ويجتاحنا نفس القدر من التوتر..لننتظر في نهاية الربع السنوي، تقييما دقيقا، يرتكز على أرقام وإحصاءات وشهادات مدراؤك وزوملاؤك..ولسان حال تقريرك يقول "اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا"..
لأول مرة أحس أن الرأسمالية تدربني على وقفة يوم الدين!

السبت، 31 مارس 2012

..أو في مثل هذا المقام فلنقل

تنظر لي بعين لائمة كلما هممت رحيلا..
أنظر في عينهيها الطفلتين، وفي مقامي خالا لها، بينما عيناها اللوزيتان تقطران دمعا ساكنا، عند ساعة الفراق..يمزقني آلاف المرات..
خالها أنا، أو في مثل هذا المقام فلنقل.
تارة تناديني: خالو أحمد، وتارة بتخفف محبب إلى نفسها: أحمد..
تبلورت علاقتي معها فجأة، وهي في طور التحول من الطفولة للمراهقة..
أقرص وجنتيها الناعمتين، وألكزها مشاكسة، فتضحك ضحكة بريئة نقية من غير سوء، تنير بوجودها/حبورها كهف روحي الظلمة أروقته.
كالعادة: أحكي لها حكايا خيالية كي تسرح بعيدا، ثم أقرصها فجأة أو أصفعها صفعة خفيفة على وجهها : عليكي واحد!
تقطع خلفي المنزل جريا، ثم أحملها وألقيها علي السرير، وأجري منها ثانية..وهكذا إلى أن يهدني التعب، أو تناديها جدتها الآمرة بغير مفاوضة.
اليوم أمسكت ذراعيها، هزهزتهما، وقبالتنا مرآة كبيرة، وقلت لها: أنت الآن فوق السحاب، اسمعي موسيقى الكون يا حبيبة خالك، واستشعري بياض الأعالي حوالي وجهك، وارقبي من طرف خفي زرقة سماءك، ولتتحسسي صقيعه يتسرب لما تحت إبطيك.. ولتتنفسي ضبابه إذ يتغشاك..أنت فوق هذا الكون يا حبيبة خالك..
أقول لها كل هذا كي تسرح مني، وأخطف صفعة سريعة..
وبينما اتأهب لصفعتي مبيتة النية، أراها تبكي..ثم تميل علي وتقبل وجنتي..
لقد راحت في خيالتي فعلا، ومسها السحاب وجاء برده سلاما على بشرتها النضرة الغضة الخجول..
أقول لها، حابسا دمعي: فداك ملء الأرض رجال كخالك يا بنية..
**
الأخت هي، أو في مثل هذا المقام فلنقل..
أشبه الناس بي كلاما، وأنا أشبه الناس بها لغة..ومن قواسمنا المشتركة: الارتباك حيال غسيل الأطباق وتنظيف المنزل وباقي الأمور التي تحتاج لهؤلاء المخضرمين الذين يشترون كل شيء أرخص مما تشتريه أنت أيها البائس المخدوع دوما.
هي الوحيدة التي ترى معاركي الدون كيشوتية، وتدرك دفاعي السيزيفي عن قضيتي إياها.
لا أتحرج أن أصارحها كيف يعتمل الأمر بصدري، فهي الوحيدة ربما التي تفهم "الآلية" وتعرف من أين تأتي الوجيعة..
يدهشني دوما مساندتها لي وسط المعركة، بكلمات بسيطة..
لأنها تدرك أن احتياجي، ليس إلا كلمات.
(ولا يداوي جرح اللسان إذا عقر، إلا مداواة اللسان إذا طبب)
**
كالأم هي، أو في مثل هذا المقام فلنقل..
يكفي أن تنظر إلى لتعرف أنني جائع..تعد نصف طن ساندويتشات وتضعه قبالتي ثم تبتسم..
فأحس أنني لن تفيض روحي من هذا العالم وأنا جائع أبدا..
**
كالملكة هي، أو في مثل هذا المقام فلنقل..
كل سطوتها الملكية..تدفع عني كل شيء حين أريدها أن تدفع عني..
أهرع إليها حين يكون الأمر على حافة الخطر فحسب، وما دون ذلك دونها..
**
كال....، أو في مثل هذا المقام فلنقل
ولا يوجد شيء كي أقوله عنها.
**

الأربعاء، 8 فبراير 2012

طيف الزوجة..معاهدة الجوارح

كانت على نحو ما تشبه الزوجة.
وربما لأن لسفر الزوجة في القلب وحشة، تستحيل كل النساء إلى نسخ مفترضة منها.
كلما وفعت عيني على واحدة، أجري-لاشعوريا- مجموعة من التعديلات الشكلية بحيث تنتهي إلى الزوجة في النهاية.
أضغط حجم السيدات الأضخم، أطيل القصيرات، أخال السمراوات وقد أضحين أكثر شقرة..مئات التعديلات-في أجزاء من الثانية- تفضي إلى أن كل نساء الأرض مجرد صورة، مؤنسة، من أصل تتلهف نفسي عليه، غدوا ورواحا.
***
وقفت بجواري اليوم شبيهة، من حيث العطر، واللون، حتى من ناحية المعصم، كان ملبسها يكشف شيئا ما يتكشف لي من معصم زوجتي يوميا، وتداريه هي في ملاطفة يومية اعتدناها، سيما يوم الأحد.
في تشوشي، وفي استحالة كل النساء لصورة منها، وفي أثر العطر، وفي تطابق لون البشرة، وفي ملابسة الاحتياج العاصف، كدت ألمس هذه الفلانة، كدت أضمها إلي، وأنا في نوبة لا وعي مكتملة النواحي، مسددة الخطى.
اقتربت منها، وزوجتي أمام عيني، تنسمت العطر، طابقت في حدقتي لون البشرة، ابتسمت حيال المعصم، ذبت في الكون من حولي.
أخالني في كرة زرقاء كبيرة، أتقلب تحت قبة سماوية، ونجوم تحاوطني من كل جانب، في تكرار أثير لحلم الطفولة، وفي نبوءة مبكرة، لمشهد انتقالي للعالم الأخروي.
اقتربت منها، وشغفي بالزوجة يكاد يفقدني حواس التمييز الأولى..
هممت أن أضع باطن كفي على ظاهر كفها..وطيف الزوجة يلوح لي كباقي الوشم على ظاهر اليد.
وحين كان التماس سيقع، أحسست برودة في كل جسمي، ثم حرارة كأنني المحموم في قيظ غليظ.
كانت الرسالة واضحة: الجسد ميز، في حين لم يميز اللاوعي..وقد عطل الجسد اللاوعي، بالرغم من تسيير الثاني للأول.
كأنما على الجوارح عهد ألا تميل إلا إليها.

الجمعة، 20 يناير 2012

أن تحبها على ما ذهبت إليه المعتزلة..



ربما كان كارل يانج عالم النفس العظيم، هو الذي ذهب إلى فرضية أن الشخصين اللذين يتصادمان في زحام الشوارع، كل منهما قد أخذ قرار الاصطدام بالآخر-لاشعوريا- قبل نقطة الصدام بحوالي 200 مترا مثلا.
للأمانة: ربما لم يقل يانج هذا..وربما لا توجد نظرية بهذا الطرح..لكني أصدق أن ثمة شيء ما هناك في قلب هذا العالم على هذه الشاكلة، ومن هنا أبدأ معك هذا الخطاب:
حبيبتي..
منذ سنوات مضت وقد أدركت أن نقطة الالتقاء قادمة حتما، رأيتك وسط الزحام، على نحو مشوش، لكن هيئتك وشت بأنك أنت أنت.
(سأصطدم بك، ويضرب البرق ضربته، ويمر وقت سريع، لأفاجأ بنفسي ويداي تشابكان يديك ومعنا خمسة أطفال على الأقل، ثم أتذكر ما جرى بين اللحظتين مندهشا ، لحظة الصدام فلحظة التنبه، ثم سعيدا لأني اختلستك من الزمن ولأن الزمن اختلسني لك، ولأن السماء تواطئت على تمرير هذه الدراما العذبة)
كنت أدرك-قسما بمن رفع السماء بلا عمد- أننا سائران لهذه النقطة حتما، ما جعلني أرسم سيناريوهات محتملة (مكانيا) لهذا الموعد المخزون على جدول أعمال الزمن.
درست خرائط تحركاتك، كنت أقول ربما يكون اللقاء الأول في هذه المكتبة في هذه الأمسية في هذا المطعم..
درست تاريخ ميلادك المتوازن رقميا كأنه سيمفونية عمرية لا مجرد تأريخ عابر..وقرأت كل ما يخص تحركاتك النجمية، وتنبؤاتك الفلكلية..
أخضعت كل ما تقولينه لتحليل مضن، استعنت فيه بكل ما أعرف ومالا أعرف، إلى أن أنتهيت لتصور محكم عنك..
وضعت خارطة تحركاتك المحتملة (محل العمل والسكن وأماكن يحتمل وجودك فيها)، جوار مستقبلك الفلكي، حيال تحليلك النفسي، ثم التقت الخيوط الثلاثة-على وفاق قدري- فكان الاصطدام المرتجى..رغم انقضاء الزحام من مسرح أحداثنا المشترك، بما يجعل من الاصطدام بيننا مجرد تلكيك مدروس لا أكثر.
وفي هذه النقطة الحائرة ..تحاصرني خلاصة أسئلة المعتزلة (أي الحبين كان أسبق انبثاقا من رحم السماء؟ أيهما الحادث وأيهما القديم؟ وهل مقترف حبك خالد في حبك؟....) أقف حيال تساؤل يعبث بيقيني، ويبدده بلا ارتئاف.
إذا كنا حتما صائرين إلى ما صرنا إليه..وإذا ما كانت الإراداتان متعاقدتان منذ سنين مضت، وإذا كانت السماء تغض الطرف كثيرا كي نتقاطع، وإذا كانت ملائكتي الحارسة تسرب لي معلومات عمدية عن كل شيء، وإذا كنت أنت تعرفين هذا كله دون أن أنطقه..
إذا كان هذا-كل هذا- على هذا القدر من الثبات والرسوخ واليقين..لم أفتقدك على هذا النحو الموجع؟
ولم أشك-ورأسك مستكين على صدري- أن المخطط قد تعتريه أي عوامل خارجية تغير من النتيجة النهائية؟
حبيبتي..
كل ما أملكه من حطام الدنيا هو جاكتي المفضل الذي أخلعه عليك في الليالي القارسة البرودة، وزجاجة العطر التي لا تفارق حقيبتي، ونحو عشرين ورقة مالية من فئة لم أتفحصها جيدا ولا يعنيني تفحصها، والكثير من حبك الذي لم يختمر كاملا بعد..
ربما لأن نبؤتي قالت: إذا أحب..كتم..وإذا كتم مات؟
حبيبتي..
كل هذا الإفصاح الذي تعتقدينه..هو الكتمان عين الكتمان..
إذ أن الحقيقة لا تختزلها الحروف مهما كانت الملابسات والدوافع والموهبة.

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2011

لماذا أنا فيل؟ قراءة في الافتراس والانطواء والوثنية وروح الواجب



الارتباط بالأفيال أعمق من أن يتم اختزاله لفظيا في حقيقة أن كلا منا يشبه الحيوات الذي يحبه.
أحسني فيلا، فيلا بالمعنى الحرفي للكلمة.
لو سقطت بي طائرة في براري أفريقيا أو الهند، ووقفت قبالة قطيع أفيال، سأجري عليهم متلهفا، بينما تلامس يداي الأرض وتستطيل زلومة لي، ويتضخم حجمي..سأعود للقطيع الذي حُرمت من معايشته طفلا، وتم اختطافي منه ومن قواعده، إلى حيث يقبع نوع آخر من الثدييات، يرتدي التي شيرت القطني، ويشاهد التلفاز، ويكتب عن الفلسفة، ويصيغ قواعد أنظمة رأسمالية وقحة للغاية.
أنا فيل!
1-الافتراس: لا يتعرض الفيل لهجوم الأسود إلا في الليل، وعادة ما يكون هجوما مكائديا وحشيا يستهدف صغار الأفيال، وفي غياب باقي القطيع، أما في النهار فإن الأســد ، يبدو "مسخوطا" جوار الفيل، قطا مغلوبا على أمره، ولا يفترس أيا من حيوانات الغابة في حضور الفيل، فالفيل توازن ردع أخلاقي داخل الغابة ، ويرهب الأسود في وضح النهار.
أنا شخصيا لا أحب أن أقود أو أتزعم ولا أحب النجومية المنفردة (فليكن الأسد ملكا للغابة)..لكنني لا أسمح لأي من كان أن يفترس أحدا في حضوري، لا أطيق الجور والضيم والاستعراض.
إذا ما تباهى أحد على أحد في شيء ما، أحس باستنفار داخلي، وأنكل بالمتباهي المختال، تهوينا للأمر على نفس الضعيف المسكين.
(لا تتباهى أمامي كم أنت رائع وموهوب وعظيم ولم تحدث قط، إلا إذا كنا بمفردنا معا، أما في حضور من هو أضعف من حضرتك-افتراضا- فلا تختال عليه كي لا أدق عنقك)
2-الوثنية: يرتبط الفيل على نحو حنيني، مع الأماكن التي يمر بها، ومع رفاقه في القطيع، يتذكر كل شيء وكل مكان، وحين يتوقف أمام مقبرة الرفاق القدامى أو الوالدين والأجداد، يتوتر ويحزن ويلامس عظام وجماجم الراحلين في مشهد ربما هو الأكثر كآبة وعاطفية وصدقا على وجه الأرض.
ثم يبكي لأن كل شيء حاضر في ذهنه وكل الذكريات والأماكن ماثلة أمام عينيه طوال الوقت.
3-الشعور بالواجب، وضرورة حماية القطيع ومراقبة الصغار ومساعدة المحتاج..كيف تقع عيناك في عيني من يحتاجك ثم توليه ظهرك.
4-الانطواء: الفيل انطوائي رغم مرحه، وحين يستشعر قرب وفاته، ينفصل تلقائيا عن القطيع ويذهب لأماكن المياه ويموت هناك بلا صخب أو ضجيج، فهو حين يتألم يتألم منفردا، وحين يموت يفضل ألا يتحسر عليه رفاق القطيع..شعوره أنه ذاهب لاستكمال الرحلة مع الراحلين الأول.

تماثيل الأفيال التي تحتل دولاب ملابسي، ومنضدة غرفتي، ومكتبي، وعلى شاكلتها كانت ميدالية مفاتيحي، وخلفية حاسوبي الشخصي، وأيقوناتي المتناثرة..هي رسالة وخيار واضح لهذا العالم.

السبت، 27 أغسطس 2011

الحب كخانات متوازية


(عجبت لسعي الدهر بيني وبينها...فلما انقضى ما بيننا سكن الدهرٌ)..أبو صخر الهزلي

الغريب في الحب، أنه إرادة مشتركة، يستتبعها تواطؤ كوني.

وبمقدار ما هي الإرادة، بمقدار ما سيكون التواطؤ.

جذوة الإرادة حين تتقد بداخلي-دعني أحكي عن نفسي قليلا كما عودتك في هذه المدونة- أحس أنني أرغم الكون على التماهي مع إيقاعاتي الشخصية، ويلح على ذهني فيلم الكارتون الشهير fantasia 1949 الذي يلعب فيه ميكي ماوس دور الساحر، ويتحكم في الأشياء من حوله ويجعلها تدور في فلكه الشخصي.

حين أحب فلانة، تتشابك كل العناصر وتتعاضد بحيث نتقابل، ونتحدث.

حين أحب فلانة، تتشكل كل الصدف-من الفراغ البحت- كل نجتمع سويا.

حين أحب فلانة، تنحسب مكونات بعينها من المشهد ويحلها محلها مكونات أخرى، بحيث يصير المسرح لنا وحدنا، سنؤدي عليه ما شئنا، وسط استحسان مقطوع الأنفاس من هذا العدم وذاك القدر اللذان يراقبان ما يحدث في نشوة وخدر بائنين.

متى تتغير هذه الحالة؟

حين أحب فلانة (هذه)..وتحبني هي.

في هذه اللحظة، نكون إرادتان معا، في مواجهة واقع أضعف منا سويا.

أنا أثق أنني بإرادتي الشخصية منفردا أغير قوانين الكون ونواميسه.

(كنت صغيرا حين كنت أختلي بنفسي في غرفتي وأقرر-بصورة غير قابلة للتراجع- أن القوات الأمريكية في العراق لابد أن يصيبها عطب ما اليوم، فتجيء أخبار نشرة التاسعة بتدمير دبابتين إبرامز، ومقتل سبعة جنود هناك)..(لا يعنيني أن ينسبوا الأمر للمقاومة أو لجماعة أبو الزحفليت الحوقاني)

(كم أمطرت الدنيا لأجل في غير أوقات المطر، وكم تشابكت السحب أمام منزلي، وكم من مرة انكسر عنق فلان الذي أكرهه-أنا أكره بصفاء مدهش- وكم من مرة دخلت غرفتي فوجدت أحدهم ترك لي عليها كيس عسلية ونبتتي ريحان).

لكن حين تعانق إرادتي إرادة من أحب، أحس أن شكل قوتنا المشتركة مذهل.

(لذلك لا أتورع من التلويح من وقت لآخر بالخطف كفعل كلاسيكي في المتناول، مادمنا سويا في ظل إرادة مشتركة)

حين تتحد الإرادتان، يجيء كل شيء لينتظم في إطار الجاذبية التي تربط مكونات هذا المشهد مع بعضه البعض (أنا أعشق ميكانيكا الكم).

الفيرمونات: أو الروائح الجسدية الخاصة التي يفرزها جسد كل واحد منا، وعلى ضوئها وبصورة كبيرة يتحدد مدى قابلية اثنين للارتباط معا، تصبح في أدق لحظات انسجامها.

فيرموناتي وفيرموناتها..نعزف سويا مقطوعة في تمجيد الطبيعة وقوانينها الفسيولوجية الرائعة، وأقول لها ما رأيك أن أذهب لأبيك وأقول له والله يا عمي أنا وبنت حضرتك فيرموناتنا متوافقة جدا، وعشان كده أنا قررت أخطفها ولما نتجوز هعزم حضرتك طبعا.

التناسق الفلكي: كأن يمر زحل من الشمس، أو يقابل المشترى برج الأسد، أو أيا من هذا الهراء الذي تتحدث عنه ماغي فرج.

تناسقنا، يصبح اقتناصا للحظة لا تتكرر إلا كل ستين سنة.

فأنا من الذين يسيطر عليهم فلكيا كوكب (نبتون)..هذا الأزرق الجذاب المنزوي منفردا في آخر المجموعة الشمسية. وهي ستكون ممن يؤثر عليهم أي شيء.

بمراجعة الخريطة الفلكية سيتضح أن نبتون وهذا ال(أي شيء) الآن في أقصى درجات توافقهما الكوني.

كل شيء يتناسق بقدر.

يتناغم بإرادة.

لذلك الحب مشروع "إرادة" من الطراز الأول..أن نظل على إرادتنا بأن يتم هذا.

حين تنزوي الإرادة، في أي من مراحل هذا الحب (حتى في مرحلة الخلق الجنيني، التي تتطلب دأبا وإرادة مشتركة أطول، كي يجيء للدنيا هذا الحب، ولا يتحول لمجرد أثلولة جنينية-وفقا للتعبير العلمي الغبي- في رحم العاطفة ويتلاشى في العدم).

ومن ثم قال شاعر لا أعرفه:

فلا تبك حبا جنينا عليه...سقيناه هجرا طويلا فملَ

الشاهد، أن الإرادات إذا لم تحسم موقفها، فإن الحب كما يولد فكرة..يموت فكرة.

حين أقيم الأمور، أحس أن إرادتي تعاف كل شيء منذ سنة.

وأن كل بوادرها، بوادر أثلولية..إلى زوال.

وإلا فقل لي كيف لم أنجب 10 آلاف طفل إلى الآن (هي فكرة مروعة بحد ذاتها أن تكون أبا) وكيف لم أقل لكل اللوائي توافقت معهن فلكيا أو فيرمونيا (دعك من ذهنيا ونفسيا الآن) سر التجاذب الطاريء الذي لم يستطعن تفسيره وأفهم أنا سره منفردا.

إرادتي، تحتاج لنفضة ترج كياني.

الخميس، 14 يوليو 2011

عسفا..قياسات الحب المنحازة


الأشياء بلا معنى تقريبا، فقط السياق هو الذي يعطيها أبعادا أخرى..

قل لي لماذا أنخرط في قياس المسافة بين النقطة التي أستقر فيها الآن ونقطة أخرى على الخريطة؟ ما الذي قد تعنيه حقيقة أن هناك 100 كيلو متر أو 300 كيلومتر..أو 2000 كيلو متر بيني وبين نقطة ما أخرى؟

حين يغيب عني شخص حبيب إلى نفسي، أهرع للخريطة، وأحسب ألف مرة المسافة بيني وبينه، وفي كل مرة آمل أن تكون 280 كيلو فقط بدلا من 295 مثلا.

بل بانعدام أمانة أتغاضى عن سنتيمتر هنا أو هناك أثناء القياس بالمسطرة، كي تتقلص المسافة-نفسيا- فأتعزى قليلا.

هل يعني قميصي الأبيض شيئا في ذاته؟ لا شيء على الإطلاق.

لكنه يعني أشياء كثيرة حين يكون هو الشيء الذي ارتديته في أول لقاء صدفوي بين وبين فلان أو فلانة.

"فلان"؟. "فلانة"؟ ما هذا التجريد السخيف للحقائق؟

روحي تكاد تفارقني وأدعو من أحب "فلان" او "فلانة".

أتذكر درسا كنا نذاكره قديما في الجبر، وهو : حاصل الضرب الديكارتي، وحسب ما أتذكر، كان يبحث في العلاقات بين الأرقام _كحقائق مقنعة_ وبين بعضها البعض، فضلا عن عدد من المتغيرات الأخرى.

فمثلا قد تكون العلاقة بين الرقم 2 و8 هي أن 8 أربع أضعاف 2، وقد تكون العلاقة بينهما أنهما رقمان زوجيان، وقد تكون أن تكعيب الرقمين يشترك في أنه تكعيب له قابلية الجذر التربيعي! أو أي شيء من هذا القبيل.

إذا هناك علاقات قائمة، ولكن القضية في تحديد السياق والمسمى..على نحو ما يفرضه الأمر الواقع والإرادة المشتركة!

ومن هنا كان العسف في القياس..

أنظر إلى الساعة فإذا هي 11 ، ما يعني أنه قد مرت عشر ساعات كاملة منذ آخر مرة تحدثت فيها إلى فلان أو فلانة (التجريد قاس وسخيف لكنه أسلم في هذه الحالة).

وهل تعني 10 ساعات شيئا في حد ذاتها؟ ماذا لو كانت الساعة الآن 11 و17 دقيقة.؟ كنت سأقول: يااااااااااااه مرة عشر ساعات و17 دقيقة منذ آخر مرة تحدثت فيها إلى فلان أو فلانة.

التلاكيك بمفردها هي التي تكفل لنا إيجاد علاقات متعسفة بين الوقائع والأفكار والأشياء..ومن ثم كان "التلفيق" ملكة ذهنية متقدة في أدمغة الأفاقين، والعاشقين..فحسب.

ومن ثم، لا أجد ضيرا من أن أربط مشاعري بشروق الشمس بالموستاردا بالدبابة الإبرامز بالقمصان الكاروهات بالتين الشوكي ببائع العسلية الذي يحتل ناصية طلعت حرب، لأن كلها ذرائع وقرائن، بلا معنى في ذاتها..أنا فقط خلقت السياق، فانتظم كل شيء في علاقة حميمة مع الآخر.

وهو ما يؤكده خبراء نفسيون، ولكن على تنويعة أخرى، وهي أن بعض مشاعرنا تحتاج لقرائن-عادة واهية-كي تنطلق..فمثلا إذا سافرت أم وتركت ابنتها الصغيرة (لظرف أو آخر)..ثم شاهدت عصفورا على شجرة ستبكي بحرقة..وتقول (عصفورة..والعصفورة صغيرة..وبنتي صغيرة!)

الثلاثاء، 12 يوليو 2011

دورليوني وذو السلوبيت الأحمر..ومعركة مع الجاذبية لأجل المنزوية




(1)

كانت جدتي تحكي لي في آخر أيامها عن ابنها الأول الذي مات مرضا، قبل ستين سنة:

(..كان أبيضاني ووشه محمر..مليان..وشعره أصفر..الواد كان محسود..تشوفه الحريم تقول الله أكبر..كان-اسم النبي حارسه- لابس سلوبيت أحمر..وزي القمر وهو عنده 4 سنين بس.

اصطحبته جدتي للطبيب حين توعك بشدة، كان طبيبا إيطاليا منتدبا لذلك المكان النائي في جنوب البلاد، في النصف الأول من القرن المنصرم.

تقول لي اسم الطبيب الإيطالي، الذي ما زالت تحتفظ به في ذاكرتها رغم مضي ما يقرب مما يزيد على نصف القرن، كأنها تقول لي اسم أحد أبنائها الذين لم يحصدهم منجل الموت في سن الطفل الأول.

كان اسمه دورليوني كما أتذكر..ولا أفهم كيف احتفظت باسم إيطالي قح كهذا في ذاكرتها الممتلئة..

في آخر لحظاتها كانت تردد اسم ابنها الأول واسم دورليوني..ولم يفهم أحد شيئا..بخلافي أنا.

أنا الوحيد الذي انتميت معها لعالم دورليوني..والطفل ذو السلوبيت الأحمر.

(2)

حين تقاسمنا حكاياتنا، عرفت أنها درست في نفس المدرسة المجاورة لمدرستي الإعدادية!

كان أصحابي يتفنون في معاكسة فتيات مدرستها عند محطة التروماي، أثناء استلقائهن في تعب مغر، على مقاعد الانتظار، بعد انتهاء اليوم الدراسي..

إلا أنا..كنت أنزوي.

وكانت صاحباتها..يتجاوبن أحيانا مع أولاد مدرستي (كان يجمع بين المدرستين منافسة علمية شرسة فقد كانت كلتاهما تضمان فصولا للمتفوقين..منها فصلي وفصلها).

إلا هي..كانت تنزوي.

أتذكر الآن بوضوح..كان هناك دوما فتاة منزوية..

(جليا يحضرني: التقت عينانا بغتة، في مرة من مرات الانزواء اليومي)

لم أكن أعلم أني سأنزوي معها مستقبلا..لنستأنف ما لم نبدأه حينها.

(3)

مثلت لمرة واحدة في حياتي، أديت دورا في مسرحية تاريخية، وأنا في الثالثة عشر من عمري

أتذكر الحلول الاحتيالية التي كنت أجهزها مع نفسي، إذا ما نسيت النص المسرحي أمام الجمهور!

تحضرني اللحظة التي انخرط أحدهم في تجهيزي خلالها بملابس مسرحية تلائم الدور..

واللحظة التي أديت فيها آخر تدريب على العرض..

واللحظة التي قررت فيها ألا أخرج من نشوة التمثيل أبدا، حتى ولو كذبا..

واللحظة التي استوعبت فيها كيف يمكن أن أتألق منفردا دون أن ألعب دور البطل الأوحد.

أبتسم بمرارة، ممزوجة بسخرية، حين أتذكر أن دوري الأول والوحيد كان: الساحر!

(4)

كانت تقف مستندة إلى الحائط بجوار المكتبة..

وفي أقل من ثانية..تقرر الجاذبية الأرضية أن تستعرض مواهبها الكامنة

يوشك كتابان عملاقان على السقوط على رأسها..أمد ذراعي بسرعة، بينما جسمي ثابت.

ألتقطها بطرف يدي، وأجذبها نحوي..كأننا في رقصة "صالصا"..

تجيء نحوي، وهي تبتسم مشدوهة..وأنا أسارع الزمن وأصارع الجاذبية..

تستقر رأسها في صدري، وتكاد تعاتبني-بدلال متهاو، بينما روحي تكاد تفارقني، خوفا عليها..

تلتفت هي فزعة إلى الخلف، حيث صوت سقوط "الداهيتين"..بينما أنا ألتقط أنفاسي للمرة الأولى منذ ثانيتين كأنهما الدهر.