90s fm

‏إظهار الرسائل ذات التسميات جيوبولوتيكي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جيوبولوتيكي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 3 مارس 2013

حيثما كانت مصلحة الإخوان..فثم شرع الله






*هذا حوار أجريته مع خبير الحركات الإسلامية حسام تمام، رحمه الله، عام 2008 بمناسبة مرور 80 سنة على إنشاء جماعة الإخوان. وأعيد نشره الآن لأنني أعتبره قراءة مفتاحية ضرورية لمن أراد أن يتعرف على أعمق محركات "الإخوان" بكل تعقيداتها

من رصاص التنظيم الخاص إلي رقة عمرو خالد ومن رهبان الليل فرسان النهار إلي "إصلاحيين وطنيين مدنيين".. يمعن الزمن في اثبات قدرته علي التغيير،او علي أقل تقدير ادعاءه،والنزول عليه ولو مداهنة.
كيف استطاعت الجماعة الثمانينية ان تحمل تناقضاتها وان تتحمل الضربات الخارجية وان تصمد رغم الاستنزاف الدائم الذي تتعرض له علي مدار هذا العمر المديد؟
وكيف انزلت السياسية واحتياجات اللحظة التاريخية،الجماعة العملاقة،علي قوانينها الخاصة،ليتخلي الإخوان عن الكثير من قناعات الآباء المؤسسين الاوائل،متسقين مع متطلبات المرحلة؟
80 عاما تفلصنا الان عن ميلاد جماعة الاخوان المسلمين،الجماعة السياسية الاجتماعية الدينية اليمينة الميول والقناعات علي كل المستويات تقريبا.
يرصد هذا الحوار مع خبير الحركات الاسلامية حسام تمام ملامح التغير التي طرأت علي جماعة الاخوان المسلمين منذ النشاة 1928 إلي اليوم،في رحلة سريعة بين الافكار والتاريخ والسياسة والفقه،متوخيا حذر الاستعداء الايدولوجي منحازا الي ضرورة التحليل والتروي،وإلي طرافة وبداهة الملاحظة أيضا.

80 سنة عمر "الاخوان المسلمين"..كيف صاغ التاريخ علاقته بالجماعة ،وكيف تأثرت الجماعة بالتاريخ؟

هناك مفتاحان اساسيان لقراءة الاخوان تاريخيا أولا:

الاخوان _كحركة_لديها القدرة علي "الفعل التاريخي"..أي أنها حركة لا يفوتها التاريخ بسهولة ولا تتخطاها أحداثه،لأنها قادرة دوما علي ركوب الموجة وتحمل في حقيبتها أدوات براجماتية خالصة،استغلتها الجماعة علي امتداد تاريخها في اعادة انتاج نفسها وفق المعطيات الجديدة، ففي نهاية الأربعينات مثلا ستجد تأثرا ملحوظا بأفكار العدالة الاجتماعية التي انتشرت في مصر،بينما سنجد النفس المعادي للإمبريالية والاستعمار في الخمسينات تماشيا مع السائد،في حين سنسمع في الستينات كلاما عن اشتراكية الاسلام أثناء علو المشروع الناصري الاشتراكي،والآن يتكلم الإخوان عن الإصلاح والديمقراطية..دائما ستجد الإخوان حاضرين ولديهم لكل حال لبوسها. 

أما المفتاح الثاني لقراءة الإخوان في التاريخ فهو قدرتهم علي الحركة انطلاقا من خلفية اسلامية مرنة بشكل كبير جدا علي عكس ما يبدو،فالاخوان لم يحصروا انفسهم مبكرا في مذهب فقهي أو اعتقادي محدد ولم يوقفوا مشروعهم علي رؤية فكرية لا يتجاوزونها،لكنهم أبقوا علي أنفسهم كمظلة " إسلامية " مفتوحة وقابلة لاستيعاب كل ما يحتمله الاسلام وكل ما يصدر عن الشريعة بتنوعه وتعدده،وما يحمله من إمكانات التفسير والتأويل، لذلك عند التدقيق فلن تجد سوي مساحة قليلة جدا للثوابت الدينية عند الاخوان.

اذن ما الضابط الفقهي او الفكري الذي اعتمدته الجماعة في مسيرتها كجماعة دينية بالدرجة الأولي؟

الاخوان تيار يضم خليطا متنوعا أقصي ما يكون التنوع، فلا يوجد قالب صرف أو مفهوم صارم لتحديد هوية الاخواني الفكرية او المذهبية ،فأعضاء في الجماعة يتراوحون من تخوم السلفية العلمية فالجهادية وصولا إلي تخوم الليبرالية، لكن يبقي التنظيم في النهاية هو الضابط الأكبر وهو المرجعية التي ينصاع الجميع لها،علي اختلاف أهواءهم السياسية ومراوحاتهم الدينية..وفي النهاية فأن الجميع يؤسس لأفكاره وفقا لمرجعية إسلامية ولو علي مستوي الشكل.

كيف تعايشت هذه التيارات المتناقضة والمتصارعة_بالضرورة_ داخل جسم الجماعة العملاق؟
مصلحة الجماعة – التي هي في المتخيل الإخواني مصلحة الإسلام، ثم ما تفرضه الضرورة التنظيمية كان دائما العنصر الحاسم والفاصل في مسيرتها وكان الحاكم بين اعضائها..فمنذ السبعينيات وحتي منتصف الثمانينات تعايش الجهاديون من امتدادات "النظام الخاص" أو " تنظيم 1965" وهم من نسميهم بأصحاب نظرية العنف المؤجل، تعايش هؤلاء مع تيار الدعوة والعمل العام الذي يتكون في معظمه من الناشطين النقابيين والسياسيين وأصحاب الخبرة في الاحتكاك الواسع اجتماعيا..وساعد علي التعايش في هذه المرحلة أن الجهاديين من الإخوان كانوا يرون أن لحظة العنف لم تحن بعد.
لكن مع تطور الجماعة وتوسعها في العمل السياسي والتواجد في العمل العام جاءت واقعة اغتيال السادات وما كشفته من خطورة العنف علي المشروع الإسلامي لتلزم الجماعة بتحقيق موقفها من العنف خاصة بعد أن صارت هناك جماعات مسلحة ولم يعد مجرد نوايا أو أمنيات..واختار "الاخوان" محاصرة تيار العنف داخلهم تماشيا مع ما تفرضه اللحظة التاريخية ونزولا علي مصلحة الجماعة.
الشيء نفسه كان قد حدث فيما عرف بفتنة التكفير، كانت بذوره موجودة من قبل لكنه حين صار تيارا واسعا داخل الجماعة أثناء محنة السجون يؤمن أتباعه بالتكفير كعقيدة صار المشروع الإخواني مهددا في صلبه فتوقف الإخوان عن التعايش مع هذه الأفكار وأصدر حسن الهضيبي كتابه الشهير "دعاة لا قضاة"..وهكذا تظل التيارات المتعارضة متعايشة داخل الجسد العملاق إلي أن تحين لحظة توتر تهدد المسار العام للجماعة؛ ساعتها تعلن عن نفسها وتحسم التعددية المتشظية داخلها لمصلحة رؤية معينة ...والضابط في النهاية- كما قلنا- هو تبني ما يحقق مصلحة الجماعة.

هل أفهم أن مصلحة الجماعة قد تتحدد بعيدا عن القاعدة الفقهية_علي مطاطيتها_نزولا علي احتياجات لعبة السياسة؟
إلي حد كبير..الرؤية الفقهية ليست محددة لمسار حركة الجماعة بقدر ما هي تأتي ضمن سلة اختيارات فقهية تنتقي منها الجماعة ما يحقق مصلحتها..وسأضرب لك مثالا بالواقعة التالية: طوال عمر الإخوان وهي تجمع في قواعدها بين رؤيتين في الفكر السياسي الأولي تنتمي لما قبل الدولة الحديثة وتري أن الأقباط أهل ذمة ويقع عليهم ما تفرضه عقود الذمة ، والثانية أكثر حداثة وتأثرت بخبرة بعض قطاعات الإخوان السياسية وتقر بقاعدة المواطنة ..وفي عام 1996 ظهر المرشد مصطفي مشهور علي صفحات الاهرام ويكلي وأعلن وقتها أن الأقباط أهل ذمة ويفترض أن تجري عليهم أحكام الذمة بما تقتضيها من دفع الجزية مقابل الإعفاء من الخدمة العسكرية!.
لم يكن هذا جديدا علي قطاعات كبيرة من الإخوان بل لدي كل الخطاب الديني التقليدي حتى في الأزهر، ولكن الحوار أحدث وقتها صدمة عنيفة وأثار الكثير من البلبلة وجر علي الجماعة نقدا جارحا وهدد ما أنجزته من مكتسبات علي مستوي الشارع السياسي فكان لابد ساعتها من مخرج..
فجاء مأمون الهضيبي ،الذي كان يشغل منصب نائب المرشد حينها، وأعاد شرح أو تفسير أو ضبط كلام مشهور بحيث ذهب به إلي معني بعيد تماما ينتهي به إلي القبول بالمواطنة!
الحق أن الإخوان لم يراجعوا أنفسهم وقتها، ولم يكذبوا علي الرأي العام ويتبنوا التقية كما قال البعض، الذي حدث أنهم اضطروا إلي تغليب خطاب أو رأي علي غيره طالما حقق مصلحة الجماعة ووجد ما يسنده شرعيا! ولما كانت مصلحة الجماعة سياسيا في أن تظهر محترمة لقاعدة المواطنة، ولما كان هناك تخريجة شرعية أبدعها الأستاذ طارق البشري أسس من خلالها إسلاميا لفكرة المواطنة فقد التقطها الإخوان وتبنوها ..فالإخوان دائما يدركون غريزيا مصلحة جماعتهم..وحيثما كانت مصلحة الجماعة ( التي هي مصلحة الإسلام في وعي الإخوان ) فثم شرع الله!

هذا يتنافي تماما مع السائد بأن هناك "مفتي" خاص بالجماعة وأنهم يتحركون مدفوعين بمباركته الدينية والشرعية فيما يفعلون؟
لا أعتقد أن للاخوان مفت شرعي بما تعنيه كلمة مفتي، فالشيخ عبد الله الخطيب الذي يطلق عليه هذا اللقب ليس مفتيا بما هو متعارف عليه لكنه اقرب للمستشار الشرعي بل وفتواه غير ملزمة، فالخطيب مثلا تعود رؤيته الفقهية حيال الأقباط لما قبل مرحلة الدولة الحديثة ( أحكام أهل الذمة ) بينما يمضي السلوك السياسي للجماعة في طريق مخالف له تماما.


لا أميل إلي القبول بفكرة وجود كهنوت داخل الاخوان،لكنه في أفضل الأحوال فكرة المرجعية الشرعية العامة وليس أكثر،هم لا يقدمون علي حرام بين واضح،لكن في نفس الوقت لا يأخذون رأيا فقهيا مقيدا لعمل الجماعة.
وهناك حادث هام ينبغي الالتفات اليه ،ففي انتخابات 1987 دعم الاخوان سيدة علي قائمة حزب العمل فاعترض الشيخ عبد الستار فتح الله أستاذ التفسير بجامعة الأزهر وعضو مكتب الارشاد،ودار جدلا كبيرا،فطرح السؤال نفسه بين الاخوان عن وزن وحجية رأي الفقيه أو العالم في مقابل راي السياسي أو الحركي،وانتهوا إلي أن الشرع حيث المصلحة العامة وأن كلام الفقهاء مرجح غير ملزم إذا ما كانت القضية تحتمل أكثر من اجتهاد،والمهم المصلحة وتحققها..ومن ثم فللسياسي أن يتبني رأي الفقيه الإخواني أو يتركه لغيره طالما لم يخالف الإسلام ..الغريب أن الإخوان لم يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم نظريا وإعلاميا وقتما اتهموا بأنهم يتبنون مبدأ ولاية الفقيه في حين أن ممارستهم الداخلية كانت أنضج بكثير مما قالوه بشأن مجلس الرقابة الشرعية..لكنها علي العموم جزء من حالة التراجع العام داخل الإخوان .

انت تشكك هكذا في دور الخلفية الدينية لقرار الجماعة وحيثيات انطلاقها تاريخيا،أو علي أقل تقدير تقلل من دوره؟
أنا أنظر للاخوان كحركة اجتماعية لها مشروع سياسي أكثر منها تنظيم دعوي إسلامي مغلق..دوما ستجد لها صلة بالواقع وحالة من التماس معه لدرجة الانغماس فيه،بينما تقوم صلتها بالدين علي تنزيله علي الواقع ومحاولة تطبيقه..وهي كحركة اجتماعية لدية قابلية للتطور مع تطور مجتمعها بحسب توفر شروط ذلك.

لكن المجتمع اليوتوبي الذي تتحدث عنه الأدبيات الاخوانية مجتمع اسلامي صرف،وليس مشروعا مؤسسا علي معطيات مجتمعية واقعية؟
أول وأهم قاعدة لكي تدرس الإخوان أن تترك مسافة بين ما يقولونه وما يفعلونه واقعيا إذ لا صلة بينهما شرطية بالضرورة..ثم هناك كذلك تحولات كبيرة في الممارسة الواقعية حدثت بينما الأدبيات لا يطرأ عليها تحولات إلا نادرا../ثلا في حقبة السبعينيات إلي نهاية الثمانينيات كانت تروج في القواعد الإخوانية مقولة سيد قطب (جيل قرآني فريد) التي كانت عنوانا لأحد فصول كتابه (معالم في الطريق)..كان لهذه المقولة فعل السحر في سعي قيادات الجماعة وكوادرها إلي الوصول لنموذج الوحدة الفكرية التي تؤسس للقاعدة " النقية " في منطلقاتها الشرعية وتأسيسها الفكري وفي معاملاتها بل وفي صورتها وهيئتها أو ما كان يعرف ب" الهدي الظاهر".وكلها كانت تتحالف علي بناء "مناضل" إخواني "نقي" و"مختلف" عن أقرانه وزملائه في بيئته. غير أن تحولات كثيرة – خاصة علي المستوي الاجتماعي والاقتصادي- جعلت هذه المقولة أقرب إلي أحلام الرومانسية أو- في أفضل الأحوال- إلي ذكري جميلة من مرحلة " البراءة " التي يحن إليها المناضل الإخواني ويجترها في حديث الذكريات دون أن يلتزم بالسعي إلي تحقيقها.
لم نعد أمام ذلك المشروع التربوي القديم الذي يتبناه الإخوان لصياغة أفرادهم بدأ بالاخلاق والمعاملات وحتى السلوك الاجتماعي والملبس بل ومفردات اللغة التي يتحدثها الاخواني نفسه!..لقد ذهبت هذه المرحلة من البراءة او السذاجة الايدولوجية ليفرض الواقع نفسه باحتياجاته وتطوراته ونصبح أمام إخوان عاديين يقتربون من الناس إن لم يتماهوا معه.

اذا سلمنا أن هذه المرحلة اصبحة في حقيبة الذكريات،كيف اصبح الكادر الاخواني اليوم؟
الكادر الإخواني يقرأ في التراث الإسلامي أقل مما يقرأ في شئون الحياة، وتزخر مكتبته بمجموعات ستيفن كوفي في علم الإدارة وروايات باولو كويلو ..ولا يشعر بحرج أن يقتبس في إحالاته إلي فلاسفة ومفكرين غربيين وغير مسلمين بل وربما رآها عنوانا للثقافة والتميز علي خلاف ما كان عليه أسلافه في جيل السبعينيات.

وهو ينفق جزءا لا باس من تفكيره في الإجابة عن سؤال: أين وكيف يقضي عطلة الصيف؟، يذهب إلي السينما ويتناقش في آخر ما شاهده من أفلامها، ويقتني الأطباق اللاقطة وإن سعي في بعض الأحيان لتشفير القنوات الإباحية، لكنه فيما عدا ما يجرح الأخلاق مقبل علي المتعة والترفيه خاصة مباريات كرة القدم التي لم يعد يختلف "المناضل" الإخواني في حبها ومتابعتها والاهتمام بها عن بقية أفراد الشعب المصري الذي يذوب فيها عشقا. لقد كف " المناضلون" الإخوان عن التهكم علي "الولع" المصري بكرة القدم ولم يعودوا يرونها مظهرا للخفة أو مضيعة للوقت أو وجها من وجوه الانصراف عن قضايا الأمة كما كانت نظرتهم من قبل. لقد أدان نواب الإخوان في البرلمان مثل غيرهم تشفير مباريات كاس الأم الأفريقية الأخيرة وحرمان الشعب المصري من متعة مشاهدتها، وشاركوا غيرهم من السياسيين في نصب شاشات العرض في الساحات الكبرى لتشاهد الجماهير المصرية المباريات مجانا! وحين فاز المنتخب المصري بالبطولة سارع رئيس الكتلة الإخوانية في البرلمان إلي إصدار بيان تهنئة بالفوز ولم تمض عليه ساعات حتى اصدر المرشد العام – في سابقة هى الأولى- بيانا رسميا للتهنئة بالإنجاز القومي الذي حققه اللاعبون المصريون!

مثل هذه الخطوات تشي أن هناك تحولا واسعا في الرؤية والممارسة السياسية للجماعة،كيف تقيم المشهد السياسي الاخواني الحالي؟
أدي الدخول البراجماتي والكثيف للإخوان في السياسة إلى تخليهم عن الرواية الكبرى – الدولة الإسلامية – والالتزام بطرح برنامج لا يبعد كثيرا عن برامج الأحزاب الوطنية الأخرى، ، بل والليبرالية منها علي وجه الخصوص.

من يتابع الخطاب الإخواني في الفترة الأخيرة يلاحظ غياب مفردات الرواية الكبري من الدولة الإسلامية والخلافة الراشدة والوحدة السياسية الجامعة لكل الأمة الإسلامية ومفاهيم أهل الذمة، كما سيلاحظ حضور مكثف ومتصاعد لمفردات خطاب جديد لا علاقة له بالقديم وإنما يرتبط بمشروع حزبي سياسي بامتياز حتى وإن لم يعلنه أصحابه كاملا
فالبرنامج السياسي للإخوان تتأكد يوما بعد يوم مفارقته – تماما- لكل ما كان يقدمونه عن "المشروع الإسلامي"، باتجاه برنامج ديمقراطي بعيد عن الأرضية الدينية التي كانوا ينطلقون منها ، فكثر حديثهم عن الاحتكام التام للشعب أيا كانت خياراته، والقبول بحق ومبدأ تداول السلطة والتسليم باختيار الشعب مهما كانت، وأن حكم الشريعة مرتهن بقبول الشعب له؛ مع اتجاه للتخفف من المرجعية الدينية ففي العمل السياسي قياسا بما كان يحدث من قبل. 

لقد اضطر الإخوان بفعل الدخول الكثيف في العمل السياسي إلي أن يقولوا كلاما محددا بعيدا عن العموميات الفضفاضة التي كان يحرصون عليها وهو ما كان له أثر بالغ علي مقدرتهم السابقة علي الحشد الواسع لقطاعات متعددة ومتباينة في المجتمع.
وواكب ذلك تحول ثان بالغ الأهمية طال هذه المرة الدولة المصرية نفسها التي عاشت تحولات اقتصادية كبرى كانت تصب جميعها ضد مصالح الطبقات الفقيرة ، فكان أن بدأت هذه الأيدلوجية في التفكك لتكشف عما وراءها من تناقضات طبقية ومصلحية هائلة أكبر من أن يستمر تسترها وراء أيدلوجية تخلي عنها ممثلوها الرسميون.

ماذا عن الشباب الاخواني وسط هذه المعادلة المضطربة؟كثيرا ما يحتدم الصراع بينه وبين مكتب الارشاد،ويحمل داخله الكثير من الطموحات والاحباطات،جيل ديناميكي بصورة تقوده للكثير من الصدامات؟

هناك جيل جديد يتغير بوتيرة اسرع من قدرة الجماعة علي متابعته وإدراكه،لكن الصراع والخلاف دوما داخل الجماعة لم يكن خلافا بين أجيال بل كان خلافا وفق الرؤية والمشروع ، والضابط التنظيمي قابل لاحتواء أي شيء دوما، وساعد علي قوة الرابط التنظيم أن التجربة أثبتت لهم أن الخارج من الجماعة خسران،مثل نموذج حزب الوسط ، ففي ظل سيطرة النظام الحاكم المطلقة لم يبق في الساحة غير الاخوان،واصبح الانخراط في صفوفهم للحركيين والتغييريين من الشباب افضل الخيارات. والجماعة بدورها ترفع للشباب شعار "انفتحوا" ،وانطلق هؤلاء الشباب بدورهم واقبلوا علي اشياء لم تكن لتتم في زمن سابق فقبل ثلاثة اعوام في عيد الحب نظم شباب الاخوان في جامعة القاهرة احتفالية لعيد الحب أطلقوا عليها اسم ( يوم محمد ) Mohamed Day! لتقديم رؤية إسلامية في الحب! 

ورغم كل شيء فقدرة الإخوان علي احتواء شبابهم أكبر من بقية القوي السياسية ،انظر لشباب الحزب الناصري الذين انشقوا في حزب الكرامة وانظر إلي شباب حزب الوفد الذين خرجوا في حزب الغد وغيره..هذه مشكلة قائمة في الكثير من التشكيلات والاحزاب،والشباب في الاخوان قابل للاستيعاب من قبل الجماعة تحت لواء الانضباط التنظيمي،مع قدرة الجماعة علي الاحتفاظ بنفسها رغم اختلاف مشروعات البعض داخلها.

والرؤية الاقتصادية للجماعة؟هل هناك رؤية من الاساس للاخوان في المسألة الاقتصاية؟
دائما ما كان الاخوان تيار اقرب الي اليمين في المسالة الاقتصادية وباستثناء كتابي سيد قطب ( العدالة الاجتماعية في الاسلام ) والغزالي ( الاسلام واوضاعنا الاقتصادية ) اللذان تأثرا بأجواء الحديث المتصاعد عن العدالة الاجتماعية نهاية الأربعينيات فإن الاخوان يمكن التعامل معهم كحركة يمينية،فالجماعة تاريخيا قامت في نشأتها علي صغار الملاك وصغار الموظفين ثم كان تطورها التاريخي بان تكون قاعدتها الطبقة الوسطي وخاصة الشريحة الوسطي والدنيا منها، ومن ناحية ثانية نرصد تاريخيا وجود قيادات في رأس هرم الجماعة من ذوي اليسر او الثراء مثل محمد حامد ابو النصر المرشد الثالث الذي كان اقطاعيا كبير ا من منفلوط ( تسمي باسم عائلته منشية ابو النصر التي ولد فيها) وهناك ايضا موظفي الدولة وكان منهم عدد لا باس به هناك كذلك تيار المشايخ والازهرية وهو بعيد تقليديا عن افكار اليسار والعدل الاجتماعي..لكن هذا لا يعني- بالضرورة-عدم الاحساس بالفقراء او عدم الرغبة في مساعدتهم ..لقد كان الاخوان دائما قريبين منهم ولكن ليس عبر مقاربة قانونية او سياسية لقضية العدل الاجتماعي بل عبر مقاربة احسانية تقوم علي مساعدتهم والعطف عليهم وليس التدخل قانونيا وسياسيا لمصلحتهم.

x ولكن كان لوجود قسم البر والمقاربة الاحسانية تأثيرات متناقضة فهو وإن ربط الاخوان بالفقراء ولم يبعدهم عنهم ( كما لدي اليمين الليبرالي مثلا ) فهو قلل من فرصة نشوء تيار داخل الاخوان ذي ميل يساري أو معني بالمسالة الاجتماعية بعيدا عن المقاربة الاحسانية .
هذا تاريخيا أما واقعيا فإن مراجعة سريعة في مواقف الإخوان من القضايا السياسية والاقتصادية الاجتماعية في مصر تقول إن الجماعة صارت أقرب إلي حزب وطني قطري بل وحزب يميني ذو توجهات ليبرالية في المسالة الاجتماعية الاقتصادية حيث القبول أو عدم الممانعة للتحولات التي طالت البلاد باتجاه أقرار سياسيات التحول الاقتصادي نحو تبني اقتصاد السوق القائم علي الخصخصة وإعادة الهيكلة وحرية التجارة وانسحاب الدولة  

وجاء ذلك ليؤكد ان الجماعة اتجهت إلى اليمين الرأسمالي بفعل التركيبة الداخلية واتساع حجم ودور رجال الأعمال فيها، وهو توجه أكدته مجمل التحولات الدينية في البرجوازية المصرية المتدينة سواء التي ترتبط بالجماعة أو التي تدور في فلك ما عرف بظاهرة الدعاة الجدد، وخلت مواقف وأدبيات الإخوان – وآخرها مبادرة الإصلاح الصادرة في مارس 2004 – من أي تمثيل لهموم الطبقات الدنيا.
ويظهر ذلك أيضا في الوعي الإخواني فقد تغيرت حقبة الحلم فلم تعد الدنيا دار الابتلاء والشرور ولم تعد جحيم المؤمن أو مجرد شجرة يستظل بها ثم يغادرها إلي الآخرة بل صارت مرغوبة ومقصودة والنجاح فيها معيار للإيمان الديني ومؤشرا علي النجاح في الآخرة ..أقبل الإخوان علي الدنيا وأعاد الوعي الإخواني توجيه بوصلته فصارت محاضن التربية والتكوين والتثقيف تخرّج نوعا جديدا من الكوادر، إنه كادر راغب في الدنيا بعد أن كان راغبا عنها، همّه أن يبني ذاته ويتعلم إدارتها ليستعد لمواجهة متطلبات الحياة أكثر مما يستعد لسؤال الآخرة، فحظه في الدنيا هو عنوان لحظه من الآخرة! ولديه من التراث ما يدعم رؤيته الجديدة فالمشروع الإسلامي يقوم به أمثال عثمان بن عفان و الزبير بن العوام (رمزا لليسر والغني) وليس أهل الصُّفّة من فقراء المهاجرين!.

هذا التخبط الايدولوجي بين الديني والسياسي وبين الديني والديني،مع صراع الاجيال،يطرح سؤالا منطقيا..علي مدار 80 عاما من ينظر افكار الجماعة؟
الجماعة لم تشهد سوي منظر واحد فقط بامتداد تاريخها هو سيد قطب،بخلاف ذلك فالجماعة لا تهتم بالفكر والمفكرين والفكرة لديها جديرة بالاطلاع والاهتمام بمقدار ما هي نافعة علي ارض الواقع،وبمدي قدرتها علي الانجاز،بخلاف ذلك لايشغل الاخوان انفسهم بشيء،ورغم مرور قامات علمية وفكرية كعبد القادر عودة ومحمد طه بدوي وتوفيق الشاوي وجمال الدين عطية وعبد الحليم أبو شقة ومحمود أبو السعود ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي..,غيرهم ،إلا أن "المفكر" برؤيته الشاملة بقدرته الموسوعية..فكرة غائبة عن الإخوان.

الجمعة، 21 ديسمبر 2012

السلفيون..من تجارة الهريسة لمقاولات الأفكار




يلفتني منذ منتصف التسعينات، اختصاص أفراد منتمين للتيار السلفي بصناعة وتجارة الهريسة في أكثر من محافظة من محافظات مصر، بصورة تبدو مثيرة للتساؤلات بقدر ما تدعو للدهشة.
استوقفني الأمر في كل مرة احتككت بها بأحد محال بيع الهريسة..دوما هناك رجال ملتحون (أقرب إلى البدانة)..يبيعون الهريسة على خلفية قرآنية بصوت أحمد بن علي العجمي.
ضمنت الملاحظة في سلسلة تحقيقات أجريتها عام 2007 حول السلفيين في مصر (الانتشار والقناعات..المرجعية والزي..الشيوخ والأتباع..إمكانات التحول الكامن..الدور المستقبلي الذي قد يلعبه السلفيون في مصر).
وفي لقاء مع خبير الحركات الإسلامية حسام تمام،رحمه الله، فكر معي في الأمر قليلا، ثم قال: يعتقد السلفيون في حديث شريف يقول بأنه سيجيء يوم على الأمة يدخل فيه المال الحرام في رزق كل مسلم إلا الراعي في الصحراء.
ومن ثم فإن السلفيين يتخوفون خوض مغامرة العمل في صناعات أو تجارات أو مهن مركبة أو ذات مراحل معقدة، قد يتخلل الحرام "المرتقب" أيا من مراحلها.
لذا فإن الهريسة_كجزء من تجارة الحلوى_ تمثل صناعة بسيطة،ويمكن إخضاعها لمقياس الحلال والحرام بسهولة.
إلا أن السلفيين في السنوات السبع الأخيرة، تملكوا بصورة كبيرة زمام تجارة مستلزمات الكمبيوتر، ففي مولات الكمبيوتر بالقاهرة، لا يخفي الانتشار السلفي..
فهناك دوما رائحة بخور سعودي في بهو المول، وهناك دوما قرآن بصوت أحمد العجمي..وهناك الكثير من "جزاكم الله خيرا"..و"اتفضل يا أخي".
وهو تحول حمل من الدلالات، ما لا يجوز معه الاستغراب اليوم من انخراط السلفيين بغتة في الشأن السياسي العام على هذا النحو. فالسلفيون يتطورون زمنيا ويطورون من أهدافهم وتجربتهم، فالانقطاع عن العالم لم يثبت جدواه كوسيلة تعايش، ولا اعتزاله ممكن عمليا ونفسيا.
السلفي مطمئن أكثر مما نعتقد..هو شخص يقيم كل الأمور على مقياس واحد فقط (حلال أم حرام؟)..ومن ثم فإنه لا يواجه الكثير من الأسئلة الوجودية والقيمية التي تنتاب التيارات الأخرى.
الأمر بنظره حلال أم حرام؟ وتحديد الحلية من الحرمانية أمر محدد سلفا..له معايير ومقاييس دقيقة للغاية..
كل أمر وشأن في العين السلفية يمكن قياسه على هذا المعيار ..
(الديمقراطية تعني حكم الشعب للشعب)..
جملة كهذه حين تطرحها أمام الذهن السلفي، لن يتم التعامل معها على النحو الذي سنفكر نحن فيه..فهي جملة تحتوي مجموعة من المعطيات التي ينبغي إخضاعها بداهة للمعايير الصارمة..
الديمقراطية (كنظرية غربية هل هي حلال أم حرام؟ وهل لو ثبت جدواها يجوز للمسلم الاستعانة بنظريات الغرب ونقلها أم لا؟)
حكم الشعب للشعب؟ هل يجوز أن يحكم الشعب في ظل حكم الله؟ ولو جاز هل يحكم الشعب وفقا للشريعة المبينة أم أن هناك مساحات للاجتهاد والتغيير؟ وإذا جاز فهل يجوز أن تحكم جماعة بعينها باقي الأمة؟ وما هي مواصفات هذه الجماعة في هذه الحالة؟
كل مرحلة من مراحل التساؤل تخضع لسلسلة من المداولات والمشاورات الفقهية الصارمة التي تجيد المدرسة السلفية تمرير الأمور من خلالها.
يفخر السلفي بهذا البنيان الصارم، فهو يستند إلى أصول علمية ليس بالهين الإحاطة بها، لذا فإن هناك دوما دروس في علوم الشأن الإسلامي يتدارسها السلفي بدأب وانقطاع عسكريين.
وهذا التدارس، يضع السلفي أيا كان مستوى تعليمه الذي حصل عليه، على قدم المساواة مع الأزهري الذي تبددت سنو عمره الشابة في غياهب المتون وفي هوامش الرسالات!
وهي إحدى نقاط الضعف التي طورها التيار السلفي على مستوى أفراده، وهناك تسجيلات مرفوعة على موقع يوتيوب لمفتى الديار المصرية د.علي جمعة، يسخر فيها من تقعرهم الخاوي الذي لا يستند على قاعدة علمية بعمق تلك التي يستند عليها الأزاهرة الأشاوس!

ومن ثم فإن السلفي شخصية مغايرة عما يعتقده قطاع واسع من الناس حوله، فهو ليس الشاب الفقير الذي قرأ كتيب فتاوى سعودي من هذا الطراز الذي يحرم الغناء وارتداء المناظير الشمسية، ويدعو الرجال لإطلاق اللحى والنساء للانتقاب..ويختلس النظرات للسيدات الجميلات، ويتمنى لو اغتصبهن بعد انتهاءه مذاكرة فتوى ابن تيمية مساء كل ثلاثاء.
السلفي شخصية أعمق وأعقد مما يشاع، هو شخص له زيه الخاص، جلباب أبيض سعودي مكوي بعناية..دوما متعطر برائحة من تلك الروائح البدائية البشعة (الياسمين خاصة)..يصحو مبكرا لصلاة الفجر، ويمارس أحيانا رياضة رفع الأثقال (المؤمن القوي خير)..يواظب على دروسه من حديث وسيرة وفقه بانتظام صارم.. وينتمي عادة لإحدى محافظات الدلتا..ويميل لامتهان المهن التي لا تتطلب الحركة الكثيرة فهو عادة يبيع شيئا ما، هريسة أو مستلزمات كمبيوتر أو ملاحف وحليب نوق.
يحلم بالزواج من فتاة تحوز صحيح مسلم، لأنه يمتلك صحيح البخاري ومن ثم فإن بيتهما سيكون جنة لصحاح الأحاديث وموئلا لصحيح الدين (على فكرة واحد صاحبي سلفي اسمه محمود كان هو ده حلمه بالظبط وصارحني به اكتر من مرة).
وإذا كان متزوجا يحلم بابنه الأول معاذ أو البراء أو مصعب أو عمار..أو بابنته حفصة أو نسيبة أو أي اسم يصعب تذكره بسهولة.
شخص راسخ واثق في نفسه لأنه ينتمي لأفراد الفرقة الناجية (كلهم في النار إلا واحدة..)..مستعد لمجابهة الآخرين (هداهم الله)..متأهب دوما لخوض المعارك لأنه يمتلك حيثيات إطلاق الحكم..فكما قلنا كل شيء إما حلال وإما حرام.
وحين تضغطه الظروف، ويهاجمه الجميع، سيقول قول الشيخ محمد حسين يعقوب "البلد بلدكم مش بلدنا..نحن نريد الجنة".
(المقال أعلاه منشور من نحو عام ونصف، وأعيد نشره الآن هنا على المدونة، دون الانطلاق من أي أغراض هجائية، هي فقط محاولة للفهم، جابنها الصواب أم جافاها، كليا أو جزئيا)

الجمعة، 7 سبتمبر 2012

دليل الحيران في الرد على ردود الإخوان

عزيزي عضو تنظيم الإخوان المسلمين..
إيماء إلى جملة أسئلتك وردودك المتكررة في كل المحافل الإلكترونية، والتي باتت محل تندر عام، أود أن أجيبك عنها في إطار علاقة المصارحة التي تفرضها علي علاقات: الجيرة والعشرة والجنسية (أنا مصري مش فلسطيني على فكرة).
أولا: ردا على سؤالك حول انتقادنا "بعض" تصرفات مرسي: "وكنتوا ساكتين ليه أيام مبارك؟".. يا عزيزي أيام مبارك كنا نهتف في التسعينات (يا مبارك يا جبان يا عميل الأمريكان) وكنتم تهتفون بأمر قياداتكم : (يا مبارك ليه تستنى وإنت معاك أحفاد البنا).
وفي 2008، كنا نقف معكم في نفس المظاهرات نهتف ضد تواطؤ مبارك على ضرب غزة (الحتة الغالية عليكم)، وكنت تسكتون تماما حين نتعرض له، وحين ننظر إليكم مندهشين متسائلين (سكتوا ليه؟) كنتم تقولوا : الإمام البنا نهى عن التجريح في الهيئات والأشخاص يا أخي!
ثانيا: ردا على سؤالك: لماذا تلتفتون إلى الجوانب السلبية في رئاسة مرسي؟ يا عزيزي نحن لسنا أولاد خالته. نحن مواطنون ونمارس سلطتنا الرقابية على الرئيس، وهي التجربة التي دشنت نفسها في نهايات حقبة مبارك على شبكة الانترنت بصورة أعنف بكثير مما يجري. فمازال الإيقاع العام هو تلمس الأعذار لمرسي وترقب خطواته، بشيء من العقلانية..لا احتفاء في غير موضعه، ولا مساندة بلا علة تنظيمية!
مرسي يدرك أكثر منك أن صدفة طائشة، تعاقدت عليها أقدرا إلهية، واستكمل إتمامها أصوات النكاية في شفيق، جاءت به إلى موقعه..الرجل يجتهد، دعه يجتهد ودعه يقيل عثرات نفسه بنفسه.
عزيزي انت بمفردك من تستعد للدفاع عن تحويل دفة الاقتصاد المصري للاعتماد على زراعة ثمار الحرنكش الكاروهات..أما أنا فمن حقي مناقشة "رئيس" مصر ومحاسبته في كل خطوة تمس هذا الوطن..حتى لو كانت هذه الخطوة هي اعتقال أفراد من جماعة الإخوان المسلمين!
ثالثا: تساؤلك الدائم حول سلوك حمدين صباحي وتصريحاته، وسخريتك من مجمل ما يقول ، لا يعكس سوى أنك ترى فيه المنافس والوريث الأقوى لنظام الإخوان ولمرسي شخصيا. فلا تعتقد أننا معه في كل ما يقول، ولا تعتقد أنه ليس محل نقد. فقط دع عنك "بعبع" أننا نتربص بكم وبالمشروع الإسلامي (لن أتكلم عن مشروع النهضة الآن وسأترفق بك وسأفصله عن المشروع الإسلامي مؤقتا). فنحن لسنا الهيئة العليا لحركة الكفار الجدد.ولا نجتمع في كهوف مظلمة كي نمزق المصاحف ونتباحث كيفية اسقاط حكم الإخوان المسلمين.
ملحوظة: لا تعتقد أن كل من هو ضدك هو "يساري"..هذا اختزال مخل بالعالم يا عزيزي، فهناك أشرار كثيرون يملأون هذه الدنيا بخلاف اليسار.

رابعا: جملتك الشهيرة السخيفة : "أنا مش إخوان بس"..كنت عضوا أو متعاطفا أو متولها في أسطورة الجيل القرآني الفريد، فإن هذا لن يضعك تحت طائلة مراقبة أمن الدولة..صدق يا عزيزي أن مبارك غار، وأن أخا لك في التنظيم يحكم الآن مصر..وكفى خوفا وولولة. إذا لم تكن إخوان، فلماذا تبدو أحمقا لهذا الحد في دفاعك غير المبرر؟ لماذا أنت مستعد لتبرير تطبيع العلاقات مع روسيا بوصف إن تلجها حلو وممكن نحطه في عصير القصب؟ ومستعد لتفهم زيارة مرسي للبرازيل عشان القهوة المتحوجة ترجع متحوجة زي زمان؟ ومستعد للتهليل لصفقة استيراد بطاريق من القطب الشمالي بوصفها أرخص من الفراخ البيضا؟ عزيزي شكلك أرعن للغاية..كف عن هذا واسترجل وقل أنا إخوان..وواجه العالم.
أنا أعرف أنك تتخيل أن الصحفيين مجرد مرتزقة مضللين، يتصيدون أنصاف التصريحات، ويزيغون بالمعاني بعيدا عن المرامي، ويجتزأون من السياق، ويطرحون أسئلة استشرافية مستفزة.
أنا أعرف أنك تكره جهاز التسجيل الصغير الذي يحمله الصحفيون، وتكره الكاميرا الديجيتال التي يرفعون  مقاطعها المصورة على يوتويب، وتكره حضورهم في ندواتكم. لكن حقيقة الأمر وطبائع الحياة، تقول أنكم كأي جماعة إنسانية "ستهلفطون كثيرا" وسيوثق الصحفيون هذه الهلفطة.
العالم فوضوي بأكثر مما تعتقدون، وربانية الدعوة أمر يعتمل في مخيلتكم فحسب، أما على أرض الواقع، فشيطانية النازع تتاخم الربانية المتخيلة، وتخالج النفوس، وأنت تحفظ يا أخي وتعرف أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من العروق.
ولعمرك وعمر مرشدك وشاطرك أيها الأخ الكريم في "الجماعة" لا يوجد في مصر 10 صحفيين يمكنهم أن يقوموا بكل هذه المهارات البهلوانية ضد تنظيمك.

عزيزي عضو التنظيم، أنا لا أكرهك ولا أكره المشروع الإسلامي (وأنا الآن أنتظر أن تشرحه لي لأني لم أستوعب مشروع النهضة الذي يبدو كسراب بقيعة)..أنا صديقك العزيز الذي يصلي بجوارك العشاء في المسجد بعدما يعود منهكا من يوم عمل طويل..
الفارق بيني وبينك أنني لا أكون أفكاري بناء على تعميمات أسرتك في التنظيم.
ولا أعتقد أن المشروع الإسلامي، هو ما قال عنه خيرت الشاطر (جاء بمشاركة 1000 خبير) فأنا أقلق دوما من الأرقام الصحيحة! أنا فقط لا أعتقد أن خيرت الشاطر من المبشرين بالجنة، ولا أطمح أن يكون في النار.
فقط فليراقب استثماراته وسوبر ماركتاته، وسلسلة محال الملابس الشهيرة التي يقال أنها مملوكة له والتي تبيع للنساء ملابس لا توافق الشريعة الإسلامية!

الخميس، 29 مارس 2012

المرشح البوستر..حازم أبو اسماعيل وجمهور الترسو


الوحدة البصرية الأكثر انتشارا الآن في القاهرة، هي الزرقة المحيطة ببوسترات المرشح حازم صلاح أبو إسماعيل. تنساب حوالي الوجه الكلبوظ النضر الرائق البشرة، كما لو كانت حقيقة أبدية..كما لو أن بوستراته هذه من قديم الأزل..تكونت في العصور الجيولوجية الأولى..مع انبثاق النيل ومع تشكل الكثبان الرملية ومع دبيب أقدام الديناصورات على الأرض.

لا تخطيء العين، أين ولت، زرقة البوستر، وبياض وجه الرجل المكلل بلحية شائبة، وشيئا من نور، لا ندري حقا أهو نور الإيمان، أم مجرد ظلال فوتوشوب، لبوستر يبدو لائقا بشخص يرشح نفسه لفتح الأندلس لا رئاسة مصر.

الظاهرة مدهشة حقا (عدد البوسترات وجغرافية انتشارها) واللتان تشيان أن الحقيقة أكبر من أن نفسرها بمجرد حماس قطاع من التيار السلفي متعاطف مع أبو اسماعيل، أو أن نعزوها لأنصاره من البسطاء الذين يعتقدون أن ترشيح أبو اسماعيل صفقة رابحة مع المشيئة العليا المنحازة –قطعا- لتولية هذا الرجل البركة "إللي يعرف ربنا"..ومن ثم سينصلح الأداء الشرطي وتتحسن الخدمات الصحية وتقام دولة العدل وترخص السلع وتفتح السماء أبواب بركاتها علينا..بينما تتفجر ينابيع الخير هنا وهناك..

هذه الرسالية في توزيع ولصق "البوستر" تصل لدرجة الهوس ، لا مجرد اقتناع ذهني أو حتى نفسي برجل، متواضع القدرات السياسية ولا يتسم بشبهة ألمعية ذهنية من بعيد أو قريب..بل ليس حتى كداعية من نجوم الصف الأول!

أعتقد أن جمهور الترسو، من محدثي "السلفية" و"الإسلاموية" ، فضلا عن عموم الطبقة الأقل تعليما والأقل نصيبا في الدخل، والتي استهدفتها قنوات الناس والرحمة عبر السنوات الماضية ، هي قوام مضخة معجبي "أبو اسماعيل".

وهو ما يمكن استنطاقه من هتاف أحد معجبيه، قبيل دخول حازم لندوة بجامعة ما ..."البرنس وصل"!

هتىف، هذا المعجب النصير، ل"البرنس" بعد فاصل من التقديم المسف الذي يسبق عادة أغاني العندليب الأزرق أبو تريكة الأغنية الشعبية عماد كباكا..

جمهور أبو اسماعيل هو طبقة جديدة من الناس، لم تتبلور اتجاهات إسلامية واضحة لهم، بمقدار ماهم راغبون في عقد صفقة مع المعادلة القائلة بأن "الإسلامي"..يعرف ربنا وسيعود بنا لأيام عمر بن عبد العزيز حيث كان بيت المال يفيض بصرر الدنانير..وحيث "الخليفة" يأكل الطعام ويسير في الأسواق..وحيث الناس سواسية..

وهو ما أكاد أجزم أن أبو اسماعيل نفسه يتصوره عما سيكونه..

حازم يترشح "اسميا" على منصب "الرئاسة"..بينما في قرارة نفسه، يطرح نفسه للأمة "إماما عادلا" وفقا للإرث الإسلامي اليوتوبي، الذي لم يتحقق تقريبا إلا في عصور الصحابة الخلفاء..بدرجات متفاوتة وبصيغ مختلفة.

يعتقد هذا الجمهور أن حازم أبو اسماعيل سينام تحت الشجرة بينما يدخل عليه مبعوث ملك الروم، أو فلنقل آنا باترسون..كي ترى رقع جلبابه، وطمأنينته وحب شعبه له..لتقول: لو أن الجالس في البيت الأبيض يرى هذه الأمة..لتحنكس الحنكليس تبقبقا وتشنطرا..وتبكي.

الرجل غير مقنع للسلفيين المخضرمين نوعا ما، ولا للإسلاميين المنحدرين من بنى تنظيمية أكثر سبكا وتبلورا في أفكارها وطروحاتها من رؤى "حازم" البسيطة المطمئنة التي تعتقد أن البركة في الرزق أهم من ميزان المدفوعات والموازنة العامة.

الرجل أبيض مشرب بحمرة، تستقر في الوعي المصري كدليل ترجيحي على ترف الأسرة التي ينتمي إليها أو تلك التي يتولى رعايتها، ويتحدث بصراحة تنطوي على وضوح صارخ ونقاء لا ينكر..ومشمولة أيضا بهبل نوعي لا يمكن استبعاده.

(وليعذرني الأستاذ حازم في نعوتي، وليتسع صدره الكريم، فهو شخص كما يبدو من ملامحه سمح النفس صافي السريرة)

ومن ثم تتضاعف الدهشة حيال هذه الحالة التي تخلق "مخلًصا" (بتشديد اللام) حتى لو يكن على القدر السينيمائي اللازم (كحد أدنى في مواصفات المخلصين ومدعي المهدوية والإمامة!) كي يقوم بهذا الدور.

بوسترات حازم تشير إلى أن هناك شيء ما ارتدادي في وعيي قطاع ما من المصريين لا يمكن استيعابه في إطار الردة والمجافاة لمبارك وكل رموز مرحلته، ولا يمكن فهمه في إطار افتراض أن الهجرة إلى الله (كأننا حدنا عنه كي نهاجر إليه!) مع مرشح يبدو ماتا بصلة ما لقرون خلت لا القرن الحالي، هي الحل الناجع والشافي..

هتف أنصاره في استقباله في محاضرة بإحدى الجامعات ...."مصر فتحها ابن العاص..وحازم هيحررها خلاص"..إنهم يعتقدون بقوة أن مصر واقعة تحت غزو ما وأن حازم هو المحرر المنتظر..

ومن ثم فإن كل هذه البوسترات ضد هذا الاستعمار..

إنهم رومانتكيون جدا..ألا توافقوني؟

الأحد، 11 ديسمبر 2011

السلفيون والثقافة..هل يقرأ عبد المنعم الشحات رجل المستحيل فعلا؟



على نحو بدا كوميديا أكثر منه أي شيء آخر، قال نادر بكار المتحدث الرسمي باسم حزب النور السلفي أن الحزب (والتيار السلفي) لا يعاديان الأدب والفنون، وأنهم يحترمون أعمالا أدبية كرجل المستحيل وروايات أحمد خالد توفيق "ماوراء الطبيعة" وأشعار فاروق جويدة.
تشير الخيارات الذوقية للتيار بأنه في حالة مراهقة شاملة، وليس على مستوى ممارسة السياسة فحسب، والتي يعمد السلفيون إلى اعتبارها فضيلة تعكس قدر برائتهم في مواجهة باقي التيارات المدنسة.
يكف المراهق في مصر عن قراءة رجل المستحيل ببلوغه السادسة عشر، ويميز رداءة شعر فاروق جويدة فور التحاقه الجامعة، ويظل يقرأ أحمد خالد توفيق من باب الحنين، واتساقا مع عذوبة الرجل وإنسانيته المتفلتة من بين سطوره.
ربما نستسلم لطرافة التصريح، الذي-ربما- اعتبره بكار بيانا من فوق سبع سماوات ، ليدحر مزاعم العلمانيين عن معاداة السلفيين للثقافة، وليسعى لحل أزمة تصريحات الشحات حول أدب نجيب محفوظ.
لكن هذا التصريح-بهذه الخيارات- يكشف لنا ما هو أعمق من مجرد "مراهقة".
أعتقد أن السلفيين يميلون للخيارات الوقائية..
فالسلفي طوال الوقت يتوخى المناطق الإشكالية والشائكة التي قد تورده مواضع الشبهات..فهو يريد أدبا بلا مشاهد جنسية ولا تساؤلات عقيدية، ولا نزوع فلسفي مغاير لعقيدته..هو بالأحرى لا يريد شيئا مؤرقا.
وأنا شخصيا أحترم هذه الرغبة وأقدرها جدا..وأتفهمها، وأعتقد أن لكل شخص حق قراءة ورفض ما يريد، وفقا لأي أرضية يستند إليها (ذوقية أو سياسية أو عقائدية).
وهو أمر ليس حكرا على السلفيين فحسب، فاليسار- هذا التوجه الذي قطع أفراد كثيرون منتمون له مسافات في المعرفة والجدل، ربما غير مسبوقة في الوعي الإنساني- يتخذ مسافة قاسية من أدب "جورج أورويل" وآخرين، من الذين بدلوا مذاهبهم وكانوا شيعا!
وبالمثل كانت القطيعة بين الرأسمالية (وملحقاتها من عقائد سياسية واقتصادية وانسانية) وبين أدب آرثر ميللر وهارولد بنتر!
أي أن المعاداة العقيدية بين الجماعات السياسية وبين الأعمال الأدبية ليست بدعا، جاء به السلفيون، ومن ثم هم الأغبياء الرجعيون الظلاميون.
مذهبي الشخصي : إذا لم يعجبك نجيب محفوظ فلا تقرأه..ببساطة!
ولكن ليس من حقك أن تحجر على ذوقي وخياراتي الشخصية، ولن أرهن متعتي الشخصية بمساحة عقلك، ومقدار طموحك ورؤيتك أنت.
أعود مرة أخرى للخيارات السلفية، وأحاول فهم ما ورائها.
أولا: رجل المستحيل.
تمثل هذه السلسلة الصراع بين المخابرات المصرية ممثلة في بطلها أدهم صبري (الخارق جسديا وذهنيا) في مواجهة الموساد.
ومن ثم هي اختزال لا واع-في الذهن السلفي- للصراع بين المسلم و "اليهودي" الذي سنحاربه يوما ما.
ويمكن تمثلها نسبيا في ادعاء شعور وطني، هو في الأغلب وليد ضغوط وليس حقيقيا، لأن وطن السلفي حيث ترامت دولة الإسلام لا حيث ترسمت الحدود الحديثة.
كما أن أدهم معادل موضوعي للقوة والتفوق والنضال حتى النهاية(وإن بفجاجة ولا معقولية)، وهو أمر يشبه رؤية السلفي لنفسه، فهو يكافح ضد آثام عالم لا يتفهم نبله، لكنه سيظل يحارب حتى النهاية.
ثم المرأة في "رجل المستحيل"..فهي إما سونيا جراهام عميلة الموساد العاهرة الشريرة..أو منى زميلة أدهم، وهي عادة مغلوبة على أمرها ومخطوفة ويحررها أدهم!
وهي رؤية مثالية للخيارات المتاحة أمام المرأة في الوعي السلفي: عاهرة شريرة..أو طيبة مغلوبة على أمرها.
ثانيا: ما وراء الطبيعة.
بطل ما وراء الطبيعة "رفعت اسماعيل" شخصية انعزالية يرى في الآخرين مجرد "حضور مزعج" ومقاييس مجتمعية مختلة. ويسعى رفعت لدحض الخرافات دائما، أي نعم هو يسلم بوجود جوانب ميتافيزيقية، لكنه يهدم بعض الأساطير أحيانا، ويتعوذ بالله ويقرأ بعض الآيات القرآنية قبل مواجهة المسوخ والوحوش. بل يورد مؤلف السلسلة في أحد المواضع اقتباسا عن الإمام شرف الدين النووي أثناء مناظرته لأحد المتنبئين.
ما رأيك؟
هو بطل رواية مثالي..لأنه انعكاس كبير للسلفي في المسافة التي يتخذها من المجتمع..ولأنه أول بطل رواية حسب معرفتي يقرأ القرآن في مسايرة الأحداث الدرامية للرواية!
ثم المرأة في "ما وراء الطبيعة"..المرأة هنا دوما إما ثرثارة أو حمقاء أو غيور أو لصة أو شيء طيفي أثيري صعب الوجود والتحقق.
أدب خالد توفيق فضفاض، وعذب وأخاذ فعلا، لكن حين يجيء في صف واحد مع رجل المستحيل وفاروق جويدة (وهذا لن أخوض فيه، فشعره أسخف من أن يقيم) كخيارات سلفية، فأن هناك شيئا ما ، يكشف جوانب هذا السلوك النفسي السلفي.
السلفيون بسطاء، يعتقدون أن بحجاب النساء ستنضبط الموازنة العامة، وبحرق روايات نجيب محفوظ سنحرر المسجد الأقصى، وبهدم تمثال رمسيس سينزل الله علينا من السماء المن والسلوى.
هي عقلية بسيطة، تميل إلى إدراك الكون في إطار معادلات خطية، لا معادلات مركبة.
أدب نجيب محفوظ=رذيلة=سخط من الله=عدم بركة في الرزق والعمر.
ثم هي عقلية "النص" لا الجدل..ويرتبك السلفي ويضطرب حين لا يستند إلى نص.
وإذا استدرج السلفي لنص غير النص الذي عهده..يحس بالضياع، وبشتات المرجعية (لو أنها ضربت وتر الاقتناع فيه) ومن ثم هو يريد أن يستأنف حياته وفق المعادلة الخطية المطمئنة جدا.

الأربعاء، 28 سبتمبر 2011

أنسنة الإسرائيلي..ترقيم العرب..كيف يخاطب نتنياهو العالم؟







قبل عام ونصف تقريبا، انتحر موشيه ياتوم الطبيب النفسي الخاص ببنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، ودوًن ياتوم في مفكرته اليومية عذاباته الشخصية مع بنيامين، وفقا لما سربته شرطة التحقيقات الإسرائيلية للصحافة، والتي تظهر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي مريض نفسي في حالة متدهورة للغاية.. يخلط بين الأردنيين والفلسطينيين ولا يتذكر الوقائع التاريخية على وجه الدقة، ويعتقد أن كل المحيطين متآمرون عليه حتى طبيبه النفسي.
الأمر الذي كان يدفعه لتعذيب ياتوم وتقييده وحبسه في قبو فيلته الشخصية، وتهديده بالقتل. ثم الاعتقاد أن منزل ياتوم هو منزله الشخصي، إلى أن ينشغل عن تعذيبه بحفلات غنائية صاخبة وماجنة، ما دفع ياتوم بعد فترة للانتحار في سابقة مدهشة، ينتحر فيها الطبيب لا المريض!
ومنذ هذا الحادث الغريب، كنت أندهش كيف يتعامل رؤساء العالم (مبارك خاصة حينها) مع هذا المريض المعقد، وكيف تتعامل حكومة إسرائيل نفسها معه، وكيف يسير الكيان الصهيوني شؤونه في ظل هذه القيادة المعطوبة.
(فيما بعد عرفنا من وثائق ويكيليكس أن ساركوزي لايفرق كثيرا عن "بيبي"/اسم دلع نتنياهو)
تجددت هذه التساؤلات بعد خطابين مدهشين ألقاهما نتنياهو على مدار الشهر الجاري، استوقفاني بشدة وعمقا الكثير من التساؤلات بداخلي.
الخطاب الأول الذي ألقاه حول أحداث اقتحام السفارة الإسرائيلية بالقاهرة، والثاني خطابه أمام الأمم المتحدة بخصوص إعلان الدولة الفلسطينية.
تحدث في الخطاب الأول الذي أذاعته القناة الثانية من التلفزيون الإسرائيلي قبل ثلاثة أسابيع تقريبا حول دور أحد ضباط حراسة السفارة الإسرائيلية بالقاهرة ويدعى يوناثان، قائلا : إن يوناثان كان مع ستة من رجال الأمن الإسرائيليين ولم يكن يفصل بينهم وبين الجمهور المصرى الغاضب الذى اقتحم المبنى سوى باب واحد.
وأضاف نتنياهو أن الضابط الذى كان يتحلى برباطة جأش قال له إذا حدث لى شىء فأرجو أن تخبروا أبى وأمى وجها لوجه وليس عن طريق التليفون، فأجابه نتنياهو واعدا بأنه سيحرك كل القوى فى العالم ليضمن عودته مع زملائه سالمين دون أن يمسهم مكروه، وأنهى نتنياهو القصة بالذروة الدرامية عندما قال: «ولقد تحدثت مع الاثنين اليوم» وبهذا اختتم خطابه متمنيا ليلة سعيدة لشعب إسرائيل.
والترجمة المورد أعلاه هي ترجمة د.إبراهيم البحراوي أستاذ الشأن العبري بجامعة عين شمس ، وسنعتمد على ترجمته أيضا لخطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة، والذي تطرق فيه لقضية الجندي المختطف بواسطة حركة حماس "جلعاد شاليط" فقد قال نتنياهو : "إن جلعاد شاليط هو ابن نوعام وافيفاه شاليط وهو حفيد تسيفي شاليط أحد اليهود الذين نجوا من النكبة النازية (الهولوكوست) والذي وصل إلى البلاد في سنة الشباب عام 1930".
الشاهد من كلا الخطابين هو "أنسنة " نتنياهو لكل من "يوناثان" و"شاليط"..أن يتعرض لهما ويدعو للعالم للتعرف عليهما بوصفهما بشر من لحم ودم ومشاعر، ورائهم ماض وأمامهم مستقبل، لكن العرب يعرقلون ويعترضون مسيرة "حياتهم"
فيوناثان: (رابط الجأش) صفة إنسانية..
له أب وأم..فكيف لا تتعاطف من موقع الابن أو من موقع الأب والأم؟
وإذا مات (هذه الحقيقة الانسانية الموجعة التي لا تفرق بين الأجناس والأديان) يرجو أن يخبروا أمه وجها لوجه (دراما فائقة؟)
فجاء وعد نتنياهو بتحريك العالم أجمع : ضمير البشرية في هذه الحالة.
ثم النهاية السعيدة للأخيار: ولقد تحدثت مع الاثنين اليوم!
ثم نجيء لشاليط، الذي تناوله نتنياهو من زاوية جديدة علينا، فهو لم يعد "الجندي المختطف لدى حركة حماس" هذا التعريف المقتضب الذي بات لفرط تكراره عديم المعنى والتأثير.
فشاليط: ابن نوعام..له أب وأم مثلنا جميعا.
وجده :تسيفي..هناك تاريخ وأجيال تعاقبت حتى جاء شاليط فهو لم يأت من الفراغ. كما كان هذا الجد شابا يوما ما ( من منا لا يتعاطف مع الشباب وأحلامهم).
وقد جاء عام 1930: قبل بدء إنبثاق اسرائيل ب18 عاما فهذه أرضهم أصلا!
وجده هذا نجا من الهولوكست: وفي هذا دراما خاصة، وإسقاط خفي، فالعرب المختطفون لم يرحموا سلسال تسيفي، وكأنما هم يستكملون ما فشل فيه هولوكست هتلر..ومن ثم فلتوقف أيها العالم هذا الجزء الثاني من الهولوكست!
(إذا: كلاهما (يوناثان وشاليط) لهما أب وأم..وينتظران مصيرا ما، فلتتدخل أيها العالم)
هنا علينا أن نفهم أن إسرائيل "تؤنسن" أبنائها، وتخاطب العالم باللغة التي تؤثر فيه..بينما ندبج نحن المقالات ونسوق الأرقام المفزعة حول وفاة 87687 فلسطيني وتجريف 98798 فدان زيتون وهدم 98876 منزل!
نحن نحدث العالم عن أرقام لا تعني أي شيء ولا تثير-بذاتها- تعاطفا، وإسرائيل تحدث العالم عن "الإنسان".
لقد تم اختزال قضيتنا في مجموعة أرقام صماء، بينما حولت إسرائيل قصتين عاديتين إلى شيء ملحمي مؤثر.
وإسرائيل في هذا، تسير على خطى الميديا الأمريكية، التي عمدت مبكرا إلى أنسنة قصصها الصحفية، كي تتمكن من مخاطبة قارئها وإثارته.
فالصحافة الأمريكية هي التي تهتم دوما بتفاصيل من نوعية (حذاء جاك الذي تمزق/ شطيرة جون التي عطبت/أحلام ميشيل التي تحققت/ غرفة باربارا الضيقة) إلى آخر هذه التفاصيل المسيسة بحياة الإنسان فعلا.
( في صحافتنا تجد عناوين بليدة من نوعية: الخريجون الجدد لا يجدون عملا! ما هذا الملل والسخف؟)
حتى مع مرض نتنياهو وخباله، هناك إرادة عمل إسرائيلية، وقدرة على فهم العالم وإيجاد طرق لمخاطبته.
أذكر أن رجلا إنجليزيا كان صديقا لصديق لصديق، حين استمع لأحد خطابات عرفات التاريخية أمام الأمم المتحدة قبل سنوات، اندهش من تكرار عرفات لبعض الجمل وراء بعضها البعض (وهذا ندعوه في العربية ضربا من البلاغة "الأرض الأرض" أو فيما بعد "الحضن الحضن بلوبيف مي بلوبيف مي) فما كان من الإنجليزي إلا أن أحس بالضجر وقال: لماذا لم يجهز خطابه بصورة جيدة؟ لماذا يكرر مقاطع كلامه؟ هذا استهتار!
متى نتكلم نحن اللغة التي يتحدثها العالم؟