90s fm
الجمعة، 26 أكتوبر 2012
المورق اليانع حسام.. أو ما يقال عنه عام على رحيل حسام تمام
الأحد، 20 نوفمبر 2011
عبد المنعم رياض تحرير--زيارة ليست أخيرة (لماذا بكى الأزهري هكذا؟)
أقف لليوم للمرة رقم كم في نفس النقطة ؟ لا أتذكر..
من 28 يناير، ل29 يونيو، ل20 نوفمبر..نفس البقعة المسودة من الأرض على بعدة عشرة مترات من مطعم هارديز..
أثر القنابل والقصف سواء..أثر الحطام متشابه حد التطابق.
نفس النقطة التي أبكي عندها كل مرة..تخنقني عبرة الغاز المسيل للدموع وأحس شيئا حارقا في حلقي، بعد أقل من عشر ثوان من استنشاق رائحة أقرب للخل النفاذ.
دمعت عيناي دمعا هينا كأن المشهد يعيد نفسه بصورة لا نهائية التكرار..
وبالقرب مني شيخ أزهري في مقتبل الثلاثينات، يرتدي زيا دينيا رخيص الثمن، رديء الحياكة، أكبر من مقاسه بنحو 20 كيلو جرام يحتاج أن يزادادها كي يملأه.
بدا لي الأزهري في مرته الأولى في الميدان، زيارة بدت استطلاعية ذات فرحة استكشافية فلكلورية بريئة..(فلنر التحرير هذا!)
قطع 4 مترات قادما من خلفي (كنت أراه بينما أشيح بوجهي للخلف متقيا-لاشعوريا-رائحة الغاز الاجتياحية) إلى أن وقف بجواري، وبينما أستدير للخلف كي أعاود الاستناد على بعض الأصدقاء شبه المنهكين بدورهم، كان الأزهري قد قطع شوطا أطول بينما عيناه شاخصتان..
بدا لي كأنه على حافة جبل، وقد قرر المشي بلا نهاية إلى أن تستقبله قوانين الجاذبية وتتعامل معه عند النهاية..كان سيره في اتجاه مصدر القصف، كأنه سير المحتوم أجله.
تشممت كم قميصي وكم البول أوفر (أحرص على تعطير هذا الجزء بكثافة في المعتاد لأنني أتشممه طوال اليوم تنسما للروائح الجميلة، ومجالدة للتلوث)..بينما_بعد أقل من دقيقة_ قد قرر الأزهري العودة وفي عينيه دموع ثاخنات..تقطر عيناه الدمع قطرا، ولا ينساب على وجنته انسيابا.
لم أدر: أهو العرض الفسيولوجي؟ أم هو القرار الشخصي بالبكاء؟
بدا لي وعيناه تهميان، كأنه طفل وديع، بدا وقد ارتد عشرين سنة للخلف، أراه طفلا بزيه الأزهري ينحشر وسط رفقاء قريته في طريقه للمعهد الديني، بينما يتهددهم أحد الشيوخ بخيرزانته التي قدت من سقر: ما لم تحفظ..سأنحرك بخيرزانتي هذي.
أتحلل من خيط الأزهري الذي استغرقني وأتأمل الميدان من حولي: هنا كنت أقف مع أحمد سمير وطلال في السادس من فبراير، وهنا كنت أجتاز الحشود مع حسين في العاشر من فبراير، وهنا كنت أقف جوار سهى في التاسع والعشرين من يونيو.
هنا وقع محمد شهيدا، وهنا أصيب صديق لي...
يتسع المشهد، وتتداخل الذكريات..فالطريق الذي أقطعه لعملي يوميا، يبدأ من ماسبيرو فعبد المنعم رياض، وصولا لجاردن سيتي مرورا بالتحرير..
في هذه المساحة تحديدا، أحس رهافة خطوتي وخجلها..هنا أقف حيث دهست المدرعات شهداء الأقباط، وهنا أمر حيث سقط مينا دانيال..
أصل للتحرير لأتذكر محمد (هو في درجة ابن عمي تقريبا، وقد التقيته مرات في الصغر بينما يحفظني القرآن، ومرات في الكبر بينما نختلف حد الاشتباك نظرا لانتمائه التنظيمي للإخوان، وفي كلتا الحالتين كان ودودا مهذبا أقرب لشهيد منتظر فعلا)..وأقول: هنا سقط محمد برصاص غادر في الثامن والعشرين.
تستحيل الأماكن لبقع سوداء وحمرا ولا لونية..
سوداء: دوما مفحمة بالمسحوقات الناتجة الأثر على ضرب القنبلة بيدي الشاب الأسمر داخل عربة أمن غادرة.
حمراء: بلون دماء سالت، لون نسيج الدم اللزج الملمس، لونُ مسفوحٌ ينطق بالغبن وبالغدر، ويبشر أن ملائكة الله على مقربة تشهد أن القادم هذا..رواح نحو الجنة، نحو قباب النور ونحو الصديقين ونحو الله ليسجد تحت العرش يبث أنينا نحو الخالق يشكو قباض الأرواح الغاشم ذا الرصاصات وذا القنبلة وذا السير الأسود على كتفيه يضم أدوات الشر المثلى.
لا لونية: لأن اللون يكف عن الإيضاح إذا كان الشر يفوق المعقول الأقصى.
الجمعة، 28 أكتوبر 2011
لفتة حسام الأخيرة.

ذرعت كل الأرض بذكرياتك، فلم يبق لي منها شيء إلا مصطبغ بضحكة منك، بفكرة منك،بواقعة معك، بجلسة بجوارك، فكأنما أنت كل شيء في طريقي، وكأن ملمحك مخيم على كل شيء.
أدركت لفتتك الجميلة الأخيرة لي.
وصلت الصلاة عليك متأخرا والمؤذن يرفع الأذان لإقامة صلاة الظهر، بعد، دخلت عجلا وجلا، لأجد نفسي في الصف الأخير ولأجدك مسجى بجواري.
جثمان شجاع في نومته الأخيرة..لم تكن مهزوما..كانت نومة محارب لا ضجعة واهن.
كنت أنا الأقرب إليك يا صاحبي.
أقوم وأسجد، وتخنقني عبرة لمستك الأخيرة..أنت أخرتني لتجعلني بجوارك فكأنما صف الصلاة الأخير أنا طرفه وأنت استتمامه!
ولولا العيب، لاقتربت منك ألامسك..ألم يقل تماسوا تراحموا؟!
نسلم عن أيماننا تسليمة الخروج من الصلاة وألتفت إليك فإذا يدي تتناولك أول ما تتناولك الأيدي لتقديمك للصلاة عليك..حملتك أنا يا صديقي على كتفي، وأنا أعرف أنك اخترت من يحملك.
نضعك كي تصطف صفوف الصلاة وأنا غير مصدق..أنا حملتك يا حسام للصلاة عليك؟
أحملك مرة أخرى لنخرج من المسجد، وأنا ألمح وجهك في ملامح أقاربك الذين يقتسمون شبهك، فألملم وجهك من ملامح شتى، ويلتئم منثورك الجميل في خيال واحد لا تنقصه نضارتك ولا تعوزه ابتسامتك الوقور.
في الجنازة كثيرون بكوا..إلاى.
ربما لأن يقيني أن أفضل أيامك ستبدأ حين نتركك هنا.
أما نحن فأيامنا بدونك فيها مرار غريب.
الثلاثاء، 28 يونيو 2011
الزنزانة زنزانتك..عن مقابلة رجل من جوانتانمو..أو لقاء خاص مع مستر "إكس"!
كانت عشرات الاحتمالات تعتمل بداخلي بينما يتنقل زميلي حسام في طرقات السجن ليعاين عن قرب، كيف يعيش نحو 80 معتقلا "إسلاميا" في أحد معتقلات طرة المشددة.
لم تنته تساؤلاتي ولم أخطيء تساؤلات مماثلة في ذهن حسام، بينما يصافحنا من وقت لآخر شيخ ملتح بمودة زائدة، كما لو لم نكن (حسام وأنا) زائرين حقوقيين وصلنا سجن طرة في مهمة عمل شبه اختلاسية، بمقدار ما بدونا في زيارة ودية صبيحة أحد أيام عيد الفطر لمنزل عائلي كبير يقيم فيه هؤلاء المعتقلون.
يسألنا كل مصافح عابر: من تريدون؟ فنرد سويا في صوت واحد:الشيخ عادل.
دخلنا للشيخ عادل في المسجد بينما لم يكد صف الصلاة ينفرط بعد، رغم انتهاء الإمام من تسليمة الخروج من الصلاة-بعد وقت بدا لي الدهر مقارنة بالوقت الذي تستغرقه صلاة الظهر في مساجد ما خارج هذه الجدران.
للوهلة الأولى التي صافحت فيها عادل الجزار المعتقل المصري الذي قضى 8 سنوات من عمره في معتقل جوانتامو ذي السمعة الجحيمية، أحسست مشاعر مضطربة ومتداخلة كما لو أن شاشة مشوشة تلقي بظلالها أمام عيني.
وفي غمرة التشوش ألمح وجها يشبه وجه أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة الحالي، فأعتقد أنني في طور هلوسة ممنهج، يزكي أواره وطأة الحر القاسي، وفي ظل الوقوف داخل واحد من أعتى سجون مصر.
يوضح لي أحدهم:"هذا الشيخ محمد الظواهري، أخو الشيخ أيمن"..وبينما يتبرع بتعريفنا بنخبة من هؤلاء الواقفين، تزداد حيرتي، فكل هذه الأسماء مثيرة للهلع ..ارتكبت فظائع وخططت لمصائب وتسببت في كوارث..أو هكذا أقنعتني أجهزة الأمن من سي آي إيه لأمن الدولة، مرورا بمنظومة الإعلام الملحوقة بهما.
"أنا مش مستر إكس أنا مفتاح..وبيدلعوني يقولوا لي يا تاح"
أشرد بذهني بعيدا وأتذكر الموظف البسيط "مفتاح" الذي اعتبره الضابط سمير صبري في الفليم الكوميدي الشهير ليس سوى "مستر إكس" الذي فجر المحيط الأطلنطي وخلطه بالمحيط الهادي! على حد تعبيره.
أتذكر-بالطبع- عم سمير فرنسا الذي كان زميل والدي في الزنزانة، وكانت تهمة العم سمير أنه الذراع الأيمن لأسامة بن لادن، بينما لم يكن في حقيقة الأمر أكثر من بياع طماطم عثر الحظ، يدخن بشراهة، ويصلي بصعوبة، ولا يعلم الكثير عن "الإسلام" إلا بمقدار ما يعلم البسطاء من قواعد عريضة وأخلاقيات وقيم إيمانية وتعاملية. لكن أمن الدولة اعتقله وقدمه للإعلام بهذه الصفة التنظيمية التي لا يرقى إليها "سي في" العم فرنسا بحال من الأحوال!
جلسنا مع عادل الجزار في زنزانته الخاصة، التي اتسعت لثلاثتنا بالكاد، في حين شرع حسام في مراجعة الإجرءات القانونية والحقوقية التي يمكن اتخاذها لإخراج عادل من محبسه على خلفية حكم غيابي من محكمة عسكرية بـ3 سنوات سجنا مشددا في قضية ما سمي بتنظيم "الوعد"..التنظيم الفشنك، لمن يتذكر.
كنت أتخيل كيف يمكن أن يكون أبي قد قضى فترتي اعتقاله في زنزانة كهذه، وأتخيل-بتخوف في محله- كيف يمكن أن أقضي يومي لو ألقتني أقدار عثرة إلى هذا المكان يوما ما.
يفيقني حسام: هل عندك أي تساؤلات للشيخ عادل يا أحمد؟
أسأله عن جوانتانمو..هل عذبوكم وفق تقنيات نفسية مدروسة؟ هل خضعتم لتجارب نفسية أو طبية سيئة؟
يجزم الجزار أن هناك أطباء حقنوا البعض بمواد غير معلومة، كانت تجعلهم في حالة أشبه بفقدان الوعي لمدة تصل لشهر تقريبا، ويحكي أمثلة متواترة حول تواطؤ الأطباء مع قيادات الجيش الأمريكي في جوانتانمو لتعذيب المعتقلين، فهم وفقا لتعبيره "مخلوقات أقل من الأمريكيين، ومن ثم مستباح تعذيبهم وانتهاكهم".
ينهي الجزار كلامه بينما معنوياته تكاد تعانق الثريا: لا أستبعد أن أصلي عصر اليوم في منزلي!
يصحبنا الجزار نحو ثلاثة معتقلين آخرين، وبينما يتقدمنا، ألاحظ عرجا خفيفا في مشيته، فيهمس لي حسام : قطعوا رجله نتيجة التعذيب في أفغانستان ، وهذه رجل صناعية.
يلتقي حسام بالثلاثة الآخرين، وهم الثلاثة الذين صدرت ضدهم أحكام بالإعدام في قضية تفجيرات طابا (2004) الشهيرة، يبدي حسام تجاههم مودة كبيرة تليق بمعرفة-تصل لدرجة التوحد- فقد كان معنيا بمتابعة قضيتهم وتوفير ضمانات عادلة لمحاكمتهم، طوال ست سنوات.
وهنا أتفهم شحنة العواطف المطلقة العنان التي تجتاح زميلتنا سهى حين تحكي عن الثلاثة الذين حكم عليهم بالإعدام في تفجيرات طابا، بينما الاتصالات تجري هنا وهناك كي لا يصدق مبارك على الحكم، ويذهب الشباب الثلاثة- ربما ظلما، ومن المؤكد أنه ليس وفق إطار محاكمات عادل- لحبل المشنقة.
يتفاعل حسام معهم فأعتقد أنه نسى وجودي بجواره، وأترك أربعتهم في حديث لا يبدو أنه سينقطع أبدا، بين رفاق قدامى يعرفون بعضهم بالأسماء فحسب، بينما أتناول عبوة البيبسي التي لا أعلم من أين حصلوا عليها ولا في أي مفارقة هزلية سأشربها في سجن طرة اللطيف، بعد أن أصروا على أن أشرب واحدة وأن يشرب حسام أخرى (الدايت بالطبع).
كنا بالأحرى نبدو في بيت عائلة، لا في معتقل، فطقوس المضايفة واحدة، او هكذا هم المصريون أين كانوا!
(من وقت لآخر كنت أنتظر أن يقول أحدهم: الزنزانة زنزانتك)
وبينما نهم بالرحيل نلتقي "محمد الأسواني"..أسطورة أخرى، تتحرك على ساق سليمة، وأخرى أنهكها المرض، فلا تبدو صحة الأسطورة بخير.
أسطورة الأسواني انه معتقل منذ 31 عاما! على خلفية اتهامات كثيرة، يبدو أغلبها منتميا لفلكلوريات اتهامات أجهزة الأمن المصرية.
هكذا يمكن لبشري مثلك أن يدخل المعتقل دون محاكمة وهو في سن الثالثة والعشرين (هل كانت له حبيبة في هذا الوقت؟ هل كان مفعما بآمال ما؟ ماذا كان يعمل؟ وإلى أين كان يحلم أن يحط رحاله؟) فيظل داخل السجن حتى يبلغ الرابعة والخمسين من العمر!
أكثر من ثلاثين عاما مرت دون أن يشعر أحد ضباط عصر مبارك بوخز ضمير لأجل إنسان فقد حريته، وانتهى به الحال "رقما" داخل سجلات سجون الدولة المصرية، بينما يجثم عليه المرض رويدا رويدا، للدرجة التي تجعله يسير متأبطا مجموعة من الأوراق التي توثق حزمة الأمراض الكاملة التي يحملها بداخله.
كان الأسواني يرتدي قميصا كاروهات وبنطالا "جبردين" من الطراز الذي أفضله، فلا يبدو على وجهه الأسمر المتصالح مع الحياة (وهل هذه حياة؟) أي فرق صاعق في هيئته، التي تخفي بين أضلعه قصة أسطورية، ربما تجعل من سجن مانديلا (مع فوارق قيمية كثيرة) مجرد رحلة ترفيهية، فهي 27 عاما فحسب..بينما قضى الأسواني 4 سنوات زائدة..هل تضحي أنت بـ 6 سنوات زائدة من حريتك؟
أخرج وحسام، بينما قد دون هو الكثير من الملاحظات وبينما كنت أتنقل لاواعيا بين حالة من الوعي المشوش، وحالة من اللاوعي الكامل، نسير تحت الشمس الحارقة حتى بوابة السجن، بينما شعور بالغثيان يسيطر على كلينا، يبدو آخذا في التبدد كلما ابتعدنا عن مكان السجن.
**
حسام وسهى، زميلا عمل لمن لا يعرفهما
الاثنين، 6 يونيو 2011
اللحظات التي لم أعتقد أنها ستجيء
خبرتي ليست عميقة مع المرض فالوفاة، فضلا عن أن مشاهداتي قاصرة.
جدي يتعرض لنوبات قلبية من وقت لآخر طوال ما يزيد على 15 سنة..للدرجة التي لم يعد للمرض معنى خلالها..ولدرجة أنه حين مات لم أستوعب أنه مات، قلت لابد أنه سينهض كالعادة، وسنعود به للمستشفى بعد عام مثلا. وكان يستغرقني ساعتها مثال طائر الفينيق.
كنت أذهب لمنزله طيلة سنتين بعد وفاته، غير مستبعد أن أجده جالسا على كرسيه المفضل يقرأ "الأهرام" بطريقته الأقرب للهمهمة. وكنت أعتقد أنني لو رأيته لن أندهش أبدا، لأن "الموت" مفردة جديدة على عالمي، ولم أستوعب بعد كيف الموت يكون.
لابد أن الميت يختفي قليلا ويعود...هذا كل ما في الأمر، فلا يعقل أن يموت جدي-الذي أعرفه وأحبه- كما يموت "الآخرون" الذين نسمع عنهم من وقت لآخر..لابد أن ما يحدث لهم شيء مختلف تماما..لابد أن هناك أنواع مختلفة من الموت.
رحل جدي وأنا في الثالثة والعشرين، كنت قد بلغت من الكبر عتيا كي أفهم مثل هذه الحقائق، لكن التجارب (التمادي فيها أو القصور في التعاطي معها) تسبق السن لتحديد كيفية استيعاب هذه الأمور. وكما نسب لعليَ كرم الله وجهه (رأي الشيخ أحب إلى من جلد الغلام).
اليوم أجد صديقي مريضا، يجيئني صوته وئيدا مشوشا، وهو الذي ذرع الأرض أسفارا وملأها كتابة وتعاقد في كل طرف من أطرافها مع أحاسن الناس أصدقاء وخلانا.
مريض بحق، مرض بغيض من هذا الذي ينهش الإنسان رويدا رويدا، فتصاعد نفسه وتصاعد أنفس من معه حسرة وألما.
أتذكره قبل سبع سنوات، وقد كان أكثر عنفوانا، بينما نغزل صداقتنا المشتركة يوما بيوم وموقفا بموقف. أتذكر كل الأشياء الغريبة التي طلبت منه أن يجلبها لي من أصقاع الأرض التي كان يتناوب على زيارتها دوما، وأتذكر تفانيه في مساعدتي.
أذكره أخا أكبر، أمينا نزيها، مثقفا من هذا الطراز الأسطوري الذي يبدو على وشك الانقراض.
دماثة خلقه التي يطعمها من وقت لآخر ببعض الشتائم اللذيذة حين يتحدث عن النظام أو الإخوان أو السلفيين أو الكنيسة أو الأمريكان، اعتزازه المفرط بمصريته، رؤيته لمشروع إسلامي متكامل الأركان..ولكن بلا إسلاميين..خناقاته ومعاركه..وملابسه التي كانت تلائمه بصورة مدهشة.
مكتبته التي كنت أنهبها بصورة منهجية، كتاباته التي كنت أطلع عليها عادة قبل أن ينشرها، مشاكساتي له التي كان يحبها ويضحك لها من قلبه..عمق قلبه ..ويسألني من وقت لآخر: بقيت ليبرالي يا أحمد؟ بقيت يساري يا أحمد؟ بقيت من أهل السنة والجماعة يا أحمد؟.
أراجع تاريخنا المشترك-وللأسف أحفظه كاملا- فأدعو الله وفي القلب مرارة، أن يشفيه، وأن يقوم..وأحس أن الدنيا فعلا لا تساوي جناح بعوضة.
(كن فيها كأنك عابر سبيل)..وخير ما فيها صديق وفي.
الاثنين، 23 مايو 2011
العَرَض المتأخر
نشأت لأبوين صغيري السن..
صغيران جدا كانا..
بلغا الثلاثين، وكنت في السابعة من عمري..
كانا دوما أصغر من آباء أقراني..كنا عائلة صغيرة في السن، تضج حيوية.
لم يترهل أبي مثلما كان آباء أصحابي الذين اخترقوا حاجز الأربعين، بوتيرة حرق تكفل لهم معدلات متزايدة من الدهون المخزونة. ولم تشك أمي مما كانت أمهات أقراني يشكين.
(وكانت تستغرقني من وقت لآخر حزمة تساؤلات وجودية بشأنهما، فهل هذان الشابان جديران بأن يكونا أبوين فعلا؟ أم أن من اشتراطات الأبوة والأمومة اختراق حاجز وزني وعمري معين؟ )
حين كان أبي في نفس عمري الآن(26 سنة) كنت في الثالثة.. ألهو أمامه بالطبق الطائر الفضي الذي اشتراه لي بمبلغ خرافي في نهاية الثمانينات.
كنت أعتقد أنني سأظل صغيرا دوما، وسيظلان هما.
عمرهما سيظل ثلاثين..وأنا بكل تفاصيلي سأظل مجرد طفل يلهو بطبق طائر..مهما كبرت أو سافرت أو عملت أو تشاجرت..(كل تصرفي لهو..وكل شؤوني طبق فضي طائر).
لكن كان عليّ أن أدرك-مستفيدا من كل ما قرأت وما لم أقرأ- أن اليوم الذي سأستيقظ فيه لأجد وجهي وقد تبدل قليلا..وزني وقد زاد طفيفا..عيناي وقد تم تشذيب لمعتهما المراوغة..قلبي وقد صار دقه وئيدا.. مشيتي وقد صارت أقل سرعة.. آمالي وقد صارت أكثر تصالحا مع الحياة..أن شيئا ما تبدل.
كان علي أن أدرك أن العائلة الغضة لم تعد كذلك..وأن الأم تشكو اليوم من مرض كلاسيكي مما كانت أمهات أقراني يشكين منه، وأن الأب الفولاذي، صار يتعب فعلا عندما يمشي ثلاثة كيلومترات يوميا.
كل ما في الأمر أن الأعراض جاءت متأخرة..لكن العرض المتأخر باغتني هذه المرة من حيث توقعت ومن حيث لم أحتسب أيضا.
أحس شيئا ثقيلا..لعله العمر؟
الأربعاء، 19 يناير 2011
عن جولدا التي تبكي..
فاصل أول:
قبل عامين تقريبا، التقيت جولدا..
صغيرة هشة تبلغ من العمر عشرا..
كانت تبكي أمام إحدى محطات المترو بكاءا هادئا، ينساب على وجنتها السوداء رقراقا..يوخز الضمير بلا صخب..
طفلة إفريقية الملامح لا تستدل لها على وطن بعينه..بجعبتك حقيقة واحدة فقط: جولدا تبكي.
سألتها ما اسمك؟ قالت :جولدا..فقلت تعرف العربية..
من أين يا جولدا؟ "من الجنوب".
قالت "الجنوب" فحسب..
لم تقل "السودان" أو حتى "جنوب السودان" ..فكان لي أن تخيلت رحلتها الكاملة هي وأسرتها البائسة حتى وصلت القاهرة واستقرت فيها..وكان أن استشرفت مستقبل السودان من كلمتها المقتضبة الدالة.."من الجنوب"
كانت ترتدي زيا مدرسيا بريئا يخاطب مشاعرك كلها دفعة واحدة..
جولدا تبكي..
لماذا تبكين؟ ضاعت نقودي..ليس معي ثمن تذكرة المترو..
أخذتها من يديها وقطعت لها تذكرة ووضعتها على رصيف القطار الذي ستستقله إلى أمها..
فاصل ثاني:
على مدار شهر أرتبك وأحس حزنا عميقا..برموهات الفضائيات الإخبارية حول "مصير السودان" تثير اضطرابي..
أتذكر أيامي في العاصمة الخرطوم، جولاتي في أسواق أم درمان، أصدقائي في الشمال، معارفي من الجنوب، يومياتي وطرائفي وتدويناتي ..هوامشي التي سجلتها أيام كنت هناك..وأحس أني أفقد شيئا ما إلى الأبد.
أصارح إبراهيم الجارحي (كان قد قضى عامين في السودان) فإذاه يعاني نفس الأعراض: ألم عميق وتوتر مكتوم إزاء ذات البروموهات..
نتسامر ونسترجع ذكرياتنا المشتركة_كل على حدة_ مع ذات الأماكن وذات الأشخاص..التجربة متشابهة..لذا_ربما_ كان الألم متماثلا
***
يقول لي خبير الحركات الإسلامية الصديق حسام تمام قبل عام ونصف"الإسلاميون يفضلون معزة ملك.. على جمل شرك"..سينفصل السودان.
***
أجدني لا شعوريا أجري مكالمات هاتفية مع أصدقائي في السودان كي أطمئن عليهم..وتساورني رغبة في السؤال: هل يعرف أحدكم بنتا صغيرة تدعى جولدا؟
الأحد، 13 يونيو 2010
حصان أيمن
كان أيمن طفلا صغيرا ( 12سنة) حينما اعتقلوه قبل منتصف التسعينات، ضمن حملة اعتقالات عشوائية موسعة.
لم يفهم أيمن سر وجوده في هذا المكان الذي يعج بالملتحين، ولم يفهم المعتقلون بدورهم سر وجود أيمن بينهم، فيما فوجئت إدارة المعتقل نفسها بالطفل الذي وقع في حوزتها عندما شرعت في فرز حصيلة اعتقالات اليوم.
غباء المخبر وغلظة الضابط وروتينية إدارة المعتقل، دفعت بالأوضاع لأن تبقى على ما هي عليه.
وذلك تجنبا لحرج تصحيح الخطأ وإعمالا لمبدأ أن المواطن_كل مواطن_ مشتبه به إلى أن يثبت العكس.. فليظل أيمن حبيسا.
لم يعرف مشايخ الجماعة الإسلامية والجهاد كيف يتصرفون مع هذا الطفل البريء الذي أوقعته صدفة عثرة في هذا الجحيم، فلم يكن أيمن ليتوقف عن البكاء والنشيج إلا حينما يهده التعب ويتكوم على نفسه نائما بجوار أحد جدران الزنزانة.
تعاون عدد من المعتقلين الماهرين في أعمال النجارة، ثم صنعوا حصانا خشبيا هزازا كي يلعب به أيمن ويلتهي قليلا عما ألقته فيه الأقدار.
تحسس أيمن حصانه الخشبي فرحا ومندهشا، وانصب فيه بأحزانه، وراح يلعب به، شاعرا أن هنالك من لازال يهتم به بعد أمه وأبيه.
مرت الأيام داخل المعتقل، يكبر أيمن في السن ويصير مراهقا فشابا ..
تعرض أيمن للتعذيب والتلطيش والإهانة والترحيل من معتقل لآخر، إلا أن اللافت للنظر، أن أيمن كان ينقل حصانه الخشبي مع أغراضه في كل مرة يتم ترحيله فيها وكان يعتز به بشدة.
لم يعد يتمكن أيمن اللعب بحصانه، إلا أن هذا الحصان كان بارقة الأمل الوحيدة في حياته..هو الدليل المادي (والمعنوي) الوحيد الملموس على أن هناك من سيتعاطف معك ويساعدك رغم قسوة الظرف وبلادة الأمر الواقع.
كان أيمن يتأمل الحصان في ليالي السجن الطويلة، ويتحسسه بأصابعه، موقنا أن يوما ما سيجيء وسيكون هو وحصانه خارج هذه الجدران البغيضة.
عرفت قصة أيمن عبر خطاب أرسله لي أبي قبل سنوات ،من داخل المعتقل، ومنذ أن قرأت قصته، ومنذ أن سمعتها من أبي عشرات المرات لما خرج، كنت دوما ما أتساءل: أين أيمن الآن وأين الحصان؟
لم أعرف هل خرج أيمن أم لا، هل هو على قيد الحياة أم لا..إلا أنني كنت أجلس في شرفة منزلي وأنظر لنفس السماء وذات النجوم التي ربما ينظر إليها أيمن في عين اللحظة..وأخال حصانه الخشبي أمامه..
أغمض عيني وأمدها عبر المسافات الوهمية.. أتحسس حصانه تحت أناملي..وعندما يهتز الحصان، كنت أحس أن ثمة أمل في الحياة يراود كلينا..أنا وأيمن.
فقط في هذه الأيام، سمعت صوت الحصان الخشبي يتهشم، ورأيت يد أيمن تدمي.
الجمعة، 28 مايو 2010
الوشم المؤرق
لا أحد يتفحص يدي اليسرى بعناية، فأنا شخصيا لا أترك الفرصة سائغة لأن يلمسني أحد أكثر مما ينبغي أو يرصدني أكثر مما يجب.
تحمل يدي اليسرى ،دوما، خطوطا وأنصاف دوائر وعلامات أخرى تم وسمها بالقلم الحبر الأحمر الذي أخبأه في حقيبتي الشخصية.
تقوم هذه العلامات بتذكيري بعدد من الأشياء التي علي فعلها، وتشير إلى بعض من تفاصيل اليوم التي لا ينبغي أن أنساها، وفي أحيان أخرى تذكرني بعدد من الأخطاء التي ارتكبتها، و ترمز في أوقات أقل لقيمة معينة أحملها بداخلي وأرسم علامتها على يدي..اعتزازا.
أنظر إلى يدي اليسرى يوميا قبل النوم، فأرصد مسار يومي، وأتأمل فصولا متتالية من حياتي، وأسجل على هامش ذاكرتي المهترئة_إلا اللهم من الفصول المؤلمات_ أمنياتي لغد أقل قلقا، أكف فيه عن هذه العادة البغيضة.
لا أكتب إلا ملغزا، أغلب ما سجلته على ورق، كان رسومات مبهمة وأحرف مفردة وكلمات غير مكتملة، لا أحب أن يفهم أحد ما يدور بداخلي ولا كيف أربط الأفكار بالأحداث بالانطباعات..لذلك لم تكن أوراق محاضراتي تصلح للتبادل بين زملاء الدفعة، هي بالأحرى تشبه الأعمال السفلية والأحجبة.
يدي بمفردها تكفل لي أن أتذكر كل شيء لو صحوت يوما ما فاقدا للذاكرة، هي الدليل المشفر الوحيد الذي يصلح لقص كل خباياي.
اليوم أتفحص يدي اليسرى وباقي أجزاء جسدي التي أدون عليها تفاصيلي (الناحية اليسرى من الصدر، كعب القدم اليسرى، الركبة اليمنى) وأقوم بمسحها جميعا..(أود قليلا من الراحة).
كل العلامات تنمحي، إلا واحدة هنالك، تشير إلى ما أدعوه.."الإخلاص"