90s fm

الجمعة، 28 مايو 2010

الوشم المؤرق


لا أحد يتفحص يدي اليسرى بعناية، فأنا شخصيا لا أترك الفرصة سائغة لأن يلمسني أحد أكثر مما ينبغي أو يرصدني أكثر مما يجب.

تحمل يدي اليسرى ،دوما، خطوطا وأنصاف دوائر وعلامات أخرى تم وسمها بالقلم الحبر الأحمر الذي أخبأه في حقيبتي الشخصية.

تقوم هذه العلامات بتذكيري بعدد من الأشياء التي علي فعلها، وتشير إلى بعض من تفاصيل اليوم التي لا ينبغي أن أنساها، وفي أحيان أخرى تذكرني بعدد من الأخطاء التي ارتكبتها، و ترمز في أوقات أقل لقيمة معينة أحملها بداخلي وأرسم علامتها على يدي..اعتزازا.

أنظر إلى يدي اليسرى يوميا قبل النوم، فأرصد مسار يومي، وأتأمل فصولا متتالية من حياتي، وأسجل على هامش ذاكرتي المهترئة_إلا اللهم من الفصول المؤلمات_ أمنياتي لغد أقل قلقا، أكف فيه عن هذه العادة البغيضة.

لا أكتب إلا ملغزا، أغلب ما سجلته على ورق، كان رسومات مبهمة وأحرف مفردة وكلمات غير مكتملة، لا أحب أن يفهم أحد ما يدور بداخلي ولا كيف أربط الأفكار بالأحداث بالانطباعات..لذلك لم تكن أوراق محاضراتي تصلح للتبادل بين زملاء الدفعة، هي بالأحرى تشبه الأعمال السفلية والأحجبة.

يدي بمفردها تكفل لي أن أتذكر كل شيء لو صحوت يوما ما فاقدا للذاكرة، هي الدليل المشفر الوحيد الذي يصلح لقص كل خباياي.

اليوم أتفحص يدي اليسرى وباقي أجزاء جسدي التي أدون عليها تفاصيلي (الناحية اليسرى من الصدر، كعب القدم اليسرى، الركبة اليمنى) وأقوم بمسحها جميعا..(أود قليلا من الراحة).

كل العلامات تنمحي، إلا واحدة هنالك، تشير إلى ما أدعوه.."الإخلاص"

السبت، 22 مايو 2010

عشق الأماكن المغلقة..فصل من سيرة المكعب


لدي وله مرضي بالأماكن المغلقة، أحس ارتياحا حين تنغلق علي من ست نواحي جدران غرفة ما.

أحيانا أفكر في تصميم تابوت يتسع لشخصين كي أنام فيه. أمر أمام أكشاك السجائر والمشروبات الغازية وأحسد البائعين المتمترسين داخل هذه الأكشاك.. "ثكنات السعادة".

أغبط جنود الحراسات المنعزلين في أعالي أسوار الأماكن الخاصة داخل أبراج المراقبة، وأحس أنهم يمتلكون العالم.

حين أنفرد بنفسي في البيت، أغلق كل الأبواب والشبابيك، وأستمتع بأكبر "مكعب" مغلق يمكن أن يحتويني وحدي. وأشرع في رسم معالم مملكتي الخاصة، أفـــرش البطاطين في الأرض وأجر المراتب للطرقات وأنثر المخدات في كل صوب، وأخلع عصي المقشات والمساحات وأقلب الكراسي وأربط الملاءات بأطراف العصي. أصنع خيما ورايات، إلى أن يستحيل البيت مكعبات أصغر فأصغر.

يخونني حسي الأخلاقي ويرتبك تقديري السياسي ..أحس تعاطفا مع جدارنا العازل على حدود غزة..دعونا نبني أكبر مكعب مغلق في العالم!

أمشي في الشارع بينما يرتسم حولي مكعب وهمي أعزل نفسي فيه عن العالم وأعزل العالم عني.كل الجدران صديقة لي، فكل جدار يمثل سدس الأمل...أقول له : خمسة جدران مثلك وتكتمل غرفة مغلقة..:مكعب كبيييييييييييير".

كم حسدت أبي في سنوات الاعتقال؟

بيني وبين نفسي أقول هو رجل ماكر، يعتقلونه كي يستمتع بالعيش داخل "مكعب" يحيطه سور طوييييييييييييييييييييل. بل إنه يشاكس إدارة المعتقل حتى يصل_في كل مرة_ إلى زنزانة حبس انفرادي.

بينما في حقيقة الأمر، ربما يود أبي لو عاش في الصحراء الكبرى نفسها..هو في حقيقته رجل مائل للاتساع...عكسي تماما.

حين أجد نفسي في مكان مفتوح ، أقيم الموقف سريعا، أنزوي في مكان يتسع لبناء مكعب وهمي لا يخترق أحد حدوده. ثم أقف سعيدا.

الخميس، 20 مايو 2010

شروري سلمى..حبي مها


أنا شرير جدا يا سلمى..

كنت آكل الشيكولاتة كثيرا وأنا معك، متذرعا: الشيكولاتة تجعلني سعيدا..وأنا أريد أن أستوفي سعادتي كاملة وأنا معك.

في حقيقة الأمر_ يا سلمى_ كنت أسعى لإيجاد بعض التوازنات الفسيولوجية في جسمي. فالدراسات العلمية(كم كثيرة هي في هذا الصدد) تشير إلى أن الشيكولاتة تحفز إفراز المواد المهيجة للمشاعر والعواطف.

أي أن عبوة شيكولاتة واحدة تكفل استنفار كل المواد الكامنة في جسدي والتي تنتهي بالمقطعين (مين و أون): الحبمين والعواطفمون والغرامستيرون والولهمين.

هي فقط مجرد مخدرات وقتية كي أتحمل معايشتك ، وأتقوى_نفسيا_ على السير معك كل تلك المسافات الطوال.

مها؟

كنت صغيرا جدا في هذه الأثناء.. 19 سنة كنت؟

لا يهم

انتظمت في الدراسة..فقط كي أرى مها يوميا.

حين تجيء مها كنت أرقبها من طرف خفي، أنظر إليها حد الامتلاء..حد الخجل..أغمض عيني هربا، فأرى طيفها في الظلمة..كأني أولي منها إليها.

إذا تغيبت مها يوما عن الحضور، كنت أجلس مكاني في المدرج وأنتظر حتى ينصرف الجميع، وأظل محدقا في مكانها الخاوي، أغذي نفسي بالنظر إليه وأسترجع ذكريات الأمس حيث كانت تجلس هنا، وأمني نفسي بالذكريات التي سأمتلكها غدا.. حيث ستجلس هنا.

الأربعاء، 28 أبريل 2010

يا بنت الحرام


قلت لي أنك تحبين عبد الناصر جدا

واكتشفت بعد ذلك أن صور أنور السادات تحتل غرفتك بالكامل

حدثتيني عن روعة التجربة الاشتراكية

بينما حفرت على كتفك تاتو كلمة "انفتاح"

قلت لي أن الإسلام حلٌ يوما ما، وأن محمد عبده سيبعث من جديد

واكتشفت بعد ذلك أنك صليت أسبوعين فقط في حياتك.. بعد سماع عمرو خالد

تقولين لي سنضع في صالة شقتنا إنجيل ماو الأحمر

بينما تجهزين في الخفاء مذكرات تاتشر وريجان

كنت أتخوف أن تجادليني في اسم ابننا البكري وتصرين على تسميته جيفارا

إلى أن التقطت مذكراتك الشخصية صدفة، ووجدت إشارة إلى أسماء أولادك التي تتمنينها "زياد"!

تتحدثين معي_بإعجاب_ عن ثورة عبد الله بن الزبير على طغيان بني أمية

بينما رسالة الدكتوراة التي تعدينها : " دور عبد الملك بن مروان في تأسيس البذور الأولى للدولة العربية بمفهومها الحديث".

ماذا ستقولين عن السخان الذي أحضرته أمك لأثاث شقتك؟ أوليمبك إليكتريك..لأكتشف بعدها أنه فريش؟

أين علموك كل هذا الكذب يا بنت الحرام؟

الأحد، 25 أبريل 2010

قابل للتبني


لا أذكر عدد المرات التي اعتبرني فيها آخرون ابنا لهم، هذه تقول أنت ابني الذي لم أنجبه، وهذا يجزم أني ابنه الذي لا يدرك ماهية الرابط الخفي بينه وبينه.

أين حللت، تطوع كثيرون لتطويقي بأبوتهم الافتراضية أو أمومتهم المتخيلة، وبين إحساسهم، واندهاشي ثم انصياعي في نهاية المطاف، تصدر عنهم الكثير من الأفعال والتصرفات التي تصدق مشاعرهم (غير المبررة لي، وفرط البديهية بالنسبة لهم).

أسير في الشوارع وأركب المواصلات ملاحقا بنظرات الآخرين، عواطف جياشة من سيدات في عمر الأم، وحنو فائض من رجال في سن الأب.

لأولئك الذين لا يجدون مساحة للتعامل المشترك والمكثف والطويل الأمد، يقولونها على استحياء وبتخفيف مفتعل: معاي زيك.

في واشنطن ونيويورك، يلفت انتباهي تعاطف عاملات النظافة في الفندق معي (كانتا سيدتين خمسينيتين).

عاملة الفندق في واشنطن، تتبرع بإرشادي للطريقة المثلى للاحتفاظ بالأطعمة بحال جيدة لأطول وقت ممكن، وتسارع في تعليمي عدد من المهارات الشخصية للبقاء حيا لأطول فترة ممكنة ( لست الشخص الأمهر في تحضير الطعام لنفسه، ولا في التعامل مع كهرباء الغرفة).

في نيويورك تخوض معي العاملة حوارات مطولة على مدار فترة إقامتي، تخبرني: القهوة يمكن تحضيرها بهذه الطريقة لا تلك! ويمكنك أن تتناول غداءا جيدا فقط لو طلبت من مطعم الفندق الأكلة الفلانية وابتعدت عن العلانية "آميد* إنهم لايطهون السلامون جيدا!).

كيف تريد شكل الغرفة كي أنظمها لك _يا حندوق القلب أيها الابن الصغير البار!_بل تشاركني أزماتها العقيدية ومعارفها اللاهوتية المسطحة :" أليست الكاثوليكية والإسلام يدعوان إلى الاعتقاد نفسه؟".

وبصورة أكثر توسعا، يعتبرني كثيرون أخاهم الذي لم تنجبه أمهاتهم: أحمد والله إنت أخويا!

لا أعرف مصدر الرسالة التي تتسرب مني رغما عني، مفادها: تعالوا أيها الناس..أنا ابنكم..وأخوكم ..وابن اختكم ..وانتم بنات عمتي.

أقف في المترو وأرقب من طرف خفي هذا الرجل الذي يتحرق شوقا للحديث معي، أكاد أتعاطف معه وأذهب إليه قائلا: لا عليك يا زوج عمتي..لا عليك.

ألتحق بعمل جديد، بينما ترمقني المديرة بنظرتها القلقة: أنظر لها وأقول : لقد تناولت الغداء لا تقلقي يا خالة..كل شيء على ما يرام.

أسير في الشوارع بينما موسيقى الخلفية التي تعتمل في أذني: الشعب حبيبي وشرياني.

حتى أبي شخصيا، يتحدث معي بينما يبدو على وشك الانفعال: انت زي ابني يا أحمد..ونصيحتي ليك صدقها!.

أنا شخصيا_بالتمرس_ أحس شيئا متبادلا.

لكن هناك الذين هم هناك، يعرفون مواضعهم جيدا.


*آميد= أحمد، هكذا نطقن اسمي.

الأربعاء، 21 أبريل 2010

دودي لا يكره مورشيوس..عن خالد البلشي والأعدقاء


الكتابة لدي.. احتماء، سياج أفرضه بيني وبين الآخرين، مساحة شاسعة أصدُرها بيني وبينهم، لا يهم إن كان الآخرون_كل الآخرين_ يكتبون أفضل مني/أكثر مني، أو أي شيء على وزن "أفعل"..ينال في النهاية مما أكتبه.

"أكتب كي يحبني أصدقائي أكثر" هكذا يقول ماركيز..

وأنا فعليا لا أكتب إلا لأجل أصدقائي، وفي أحيان أقل لأجل أعدائي، ويمكن أن نقول أنني لا أتناسى الأعدقاء في حساباتي.

يكفي أن أكتب : السيد دودي يكره مورشيوس، بعدها بعشر دقائق سأتلقى رسالتين على الأقل من قراء البلوج ( هيا بنا ننظم وقفة احتجاجية أمام سفارة مورشيوس).

يكفي أن أكتب : دودي يعشق مذاق الخبز النيبالي..بعدها بعشر دقائق سأتلقى رسالتين على الأقل من قراء البلوج ( أعرف مخبزا على ناصية شارع رأفت وهبي، متخصص في المخبوزات النيبالية).

(ملاحظة عابرة : كل الذين يقرأون هذا البلوج يحبونه في السر ويتواصلون معي عبر الإيميل ولا يفضلون التعليق عليه، وحتى اليوم، لي نحو 4 سنوات لا أفهم هذه الظاهرة الغريبة، وأتساءل متى يفصح هؤلاء العشاق السريون عن مشاعرهم).

أنا أكتب فقط حين أكون سعيدا جدا، أو حزينا جدا، في الحالتين أحس نفس الشيء المؤرق الذي لا أطيقه..لو لم أكتب الآن..سأموت احتقانا.

لا أميل للمحادثات الشفهية على مدار اليوم، أعتبر الكتابة فعلا أرقى من التعبير اللفظي ، وحين أكتب أضع أمامي هدفا واضحا جدا وصارما محددا للغاية..كي أغيره عشر مرات على الأقل.

أكتب كي أقول لخالد البلشي أني أحبه..لا لا..أني أحبه جدا..

أن عمر علاقتنا المشتركة 5 سنوات، كل تالية كانت أفضل من سابقتها فيه، أن كل معاركه ومعاركي ومعاركنا المشتركة ، كانت فقط رائعة..لأننا كنا سويا، أو بشيء من الإنصاف: لأنه كان بجواري.

أكتب كي أنام مطمئن البال صفي النفس، فلا يمكن أن أفوت فرصة اغتيال أحدهم كتابيا..هذا أفضل من أن أصفعه مباشرة (تخيل كم مرة فكرت في تكسير شاشة الكمبيوتر على رأس رئيس/رئيسة العمل، وكم مرة شرعت في خبط زميلة عمل بالكيبورد، سامح الله التأني).

أرتاح حين تخرج مشاعري للملأ، أحس جسدي أكثر صفاءا ونقاءا بعد الكتابة..إي والله.

أحس إرهاقا بعد تفجير مشاعري السلبية حروفا فكلمات، لكنه إرهاق ما قبل لحظة صفاء عميق، أنام بعده كأي طفل أبيض مكلبظ تناول وجبتي سيريلاك بريئتين.

لماذا أكتب الآن؟

كي لا ألقي أحدا اليوم من شرفة الدور الثامن الذي أجلس فيه الآن.

السبت، 10 أبريل 2010

لماذا "سيرفض" المصريون البرادعي؟ قليل من الفانتازية


لا يحتاج النظام الحاكم هذا الاحتشاد الغاشم والغبي كي يدمر صورة البرادعي لدى المؤيدين "المحتملين" له ،كمرشح "محتمل" للرئاسة.

للأسف يا صديقي محمد مصطفى البرادعي، دعني أصارحك ببعض الحقائق:

مدرس العلوم لا يجوز أن يكون رئيسا

سمعت عنك للمرة الأولى حين كنت شابا جامعيا، كان ذلك عبر قناة الجزيرة، واستشعرت ساعتها من اسمك انك مصري الجنسية، وبقليل من البحث اتضح ذلك فعلا.

تصورت_شأني شأن كثير من المصريين الذين ربما لا يعرفون حقيقة الأمور مثلي_ أنك دكتور في الأطياف الذرية، أو متخصص في الإشعاع الكيماوي..أنك واحد من أولئك الذين يرتدون المعاطف البيضاء ويحملون جهازا ذا مؤشر حساس ويتجولون على "الدول المارقة" للتفتيش عن المفاعلات النووية واليورانيوم المخصب.

إلى أن عرفت فيما بعد أن منصبك ذو طبيعة دبلوماسية ولا يشترط أو يفترض فيمن يشغله أن يكون قادما من مختبر أبحاث سيراميكي الأرضية بارد الأجواء.

عزيزي محمد مصطفى البرادعي..المصريون يكرهون مدرس العلوم والرياضيات، فكم كانت هذه الحصص سخيفة للغاية!

أنت في مخيلة البعض، مجرد تطور علمي/عملي لهذه المهنة البغيضة..أنت مجرد مدرس علوم( ولو كان مدرسا جامعيا) ذهبت به المقادير إلى هناك.

جائزة نوبل ليست شفيعة لهذا الحد

ارتبطت جائزة نوبل لدى المصريين بهيئة تحكيمها التي طالما رُدد أنها صهيونية الميول والإدارة، لذا فنوبلك ليست بالمرتكز الذي تستند إليه.

نجيب محفوظ الذي حصل عليها ليس بالشخص الأكثر تفضيلا لدى المصريين، هو مجرد كاتب متهجم على الأديان "أولاد حارتنا" ومنحه "الصهاينة" جائزة نوبل كيدا لنا..هكذا يعتقد فصيل واسع.

السادات؟ لأجل صلحه مع "اليهود" منحوها له.

زويل؟ ممممممم..هو الآخر يقال أنه مؤمن بالتطبيع.

أرجوك ابعد عن هذه النخبة اللطيفة!

رائع التفاف كل هؤلاء الأدباء والمثقفين والفنانين حولك..

جيد أن يساندك خالد أبو النجا، لكن ربما من الأوفق أن يدعمك محمد أبو تريكة.

دواد عبد السيد؟ ربما يخرج إعلانا دعائيا جيدا لحملتك، لكن شريف عرفة سيعرف كيف يسوقك جيدا.

عزت القمحاوي يؤيدك؟ من الأفضل أن يكتب عنك زغلول النجار يا صديقي.

ليس في تحديد الأسماء دعوة حقيقية للتحرك في هذا الاتجاه أو خلافه، بقدر ما هي فضفضة حزينة بيني وبينك.

لست بالشخص المحبوب، تخيل!

صورتك في الدارما المصرية هي صورة ناظر متحفز، أكثر منها صورة شخص نعتز به، يمكن مراجعة "معلش احنا بنتبهدل" (ما تخف عليا يا برادعي)..ومراجعة "ليلة سقوط بغداد"..(لحسن البرادعي يجيلك).

لسنا بحاجة للأب الراعي

تغيظني مثالية الطرح_وفضفاضيته بصراحة_ ولنكن صرحاء مع أنفسنا ولنجاوب هذا السؤال السخيف: مصر الآن..بحاجة إلى أب راع أم أب قائد؟

(هكذا يقولون في الكلاسيكيات الأمريكية توصيفا للاحتياج الراهن لشخص رئيس الولايات المتحدة)

لا تحاول أرجوك لعب دور الأب الراعي، فأنت لست طيبا إلى هذا الحد، ولا الأمور لطيفة لتلك الدرجة، خض معركتك يا رجل و ارفع صوتك وتقدم وقد!

الثلاثاء، 6 أبريل 2010

حبيبتي والمضارع البسيط


قربي أذنك مني ياحبيبتي (وش وش وش وش وش)...لا تضحكي أيتها الشيطانة، فأنا لا أقصد الذي تفكرين فيه، وهناك فـــــرق كبير بين الشيكولاتة والطوفي، فلا تحاولي خلط الأمور ببعضها البعض.
أتعجب من تلك الرغبة اليومية الملحة التي تجتاحني كي أقول لك "أحبك"!
تبا لك وللحب وللمضارع البسيط!
يذكرون في كتب "الجرامر" أن المضارع البسيط يعبر عن الأفعال التي تتكرر بصفة دورية، وأنا لم أستوعب هذه الكتب العقيمة حتى وقت قريب.
معك تعلمت المضارع البسيط ، وفهمت معنى الأشياء المتكررة، كل يوم أقول لك : أحبك..هذا فعل متكرر، كل يوم أتحرق شوقا للقياك، وهذا مضارع بسيط، كل شيء معك دوري جدا.
تستغرق دورته يوما؟ لا.
ساعة؟ لا.
دقيقة؟ لا.
قبل أن يرتد إليك طرفك تدور دورتي، وأريد أن أقول أحبك، ففي كل لحظة اكتشاف جديد لما بيننا، وهذا مضارع بسيط، يدركه الخواجة جيدا، وسيدرسونه قريبا في تلك الدورات التدريبية التلقينية.

احرزي ماذا أخبيء في جيبي الأيمن؟
يا شيطانة لا تذهب بك الأفكار بعيدا...
صورتك؟ لا لا
شعرة من شعرك؟ لا أيضا
ماذا إذا؟
احرزي وسأخبرك يوما ما..
لكن تذكري قواعد اللعبة: أنت لا تتفقدين جيبي الأيمن، وأنا لا أقول السر.
ياحبيبتي سأبني لنا سريرا من العسلية، وأعضعض أجزاءه، وتقومين ليلا وفمي يملؤه السمسم، فأنظر كصغير مذنب وأقول لك: لن أعضعضه بعد اليوم، لكن أحضري لي الشيكولاتة وقمر الدين والكنافة (سحقا لكل أطباء الأسنان).
وحين تذهبين بعيدا لمكان ما، سأعضعض جدران سريري، حتى تختل قواعده ويهبط بي، ساعتها سأعضعض جدا، وأذوق السمسم مبتهجا، أفضل يوم في حياتي حين ينهار سريري العسلياوي السمسمي وأقع بين أجزاءه وأتشمم رائحته.

بيتي جدارن من أرز بلبن مجمد، حين يجيء الصيف يسيح تماما، وأدس ملعقة بين شقوقه، وأزين حائطنا بجوز الهند وزبيب أحمر.

حسنا حسنا..تمتلكين أنت السطوة الكونية على كل ما يندرج تحت بند : مضارع بسيط...وآكل أنا أرزابلبن..القسمة عادلة جدا.
على أن يظل ما في جيبي الأيمن سرٌ لي وحدي.

السبت، 3 أبريل 2010

عودة دودي الكاثوليكي

درست في الإعدادي والثانوي بمدارس من تلك التي تنتقي الطلبة المتفوقين وتعزلهم في فصول دراسية خاصة، ثم تشرع في انتقاء مدرسين مخضرمين لتلقينهم المواد الدراسية، بذات القداسة التي تليق برهبان المعابد البوذية.

في هذه الفصول يعملونك الكثير ( أنت متفوق، ينبغي أن تحفظ سريعا، أن تفهم من المرة الأولى، أن تجتهد منفردا، أن تباغت مدرسيك بالجديد، أن فقدان نصف درجة من مجمل الدرجات يعني كارثة كبيرة لا يمكن تداركها، أنك في مجتمع نخبوي لو أهملت في الاعتناء بحيثيات نخبويتك سيذهبون بك لأقرب فصل من فصول "العاديين" ويجردونك من كل الميزات المعنوية التي تحصل عليها).

وتكتسب مع الوقت عددا من المهارات: الدقة، السرعة، الإصرار، القدرة على تلمس مكامن ضعفك، الرغبة في تنمية الذات، مراقبة زملاء الفصل لأنهم جميعا منافسون محتملون، الاستفادة من تكنيكات الآخرين في الاستذكار، القدرة على المعيشة تحت ضغط، احتمال احتقار الآخرين لك لأنك فقدت درجة ونصف في امتحان الشهر، بينما حصلوا جميعا على الدرجة النهائية.

كان معظم زملائي في هذه الفصول متحدرون من مدارس مسيحية صارمة، أتذكر أن معظمهم درسوا المرحلة الابتدائية في مدرسة تدعى "البطريركية"!

لذا لم تكن الأجواء الكاثوليكية المتشددة المسيطرة على المشهد بالشيء المستعرب ولا الخارج على السياق، فكله نسيج واحد يكمل بعضه بعضا، نظام دراسي استعلائي وطلاب كاثوليكيو المنهج.

في هذا الجحيم الذي لا يتسع لانسيابية الموهبة ولا لترف الخروج على النص، تضطر اضطرارا لخلق عالمك الخاص : القدرة المدهشة على تملك ناصية اللغة العربية نحوا وتعبيرا، امتلاك آفاق معرفية في الفيزياء والكيمياء تتسع لما هو أكبر من نطاق الكتاب المدرسي، محاولة ربط الرياضيات بالفلسفة.

حتى في حصص الألعاب، كانوا جميعا _ولاد الإيه_ محترفو كرة قدم، كانوا كأنصاف آلهة أمامي، إنهم يستذكرون كثيرا، ويلعبون كثيرا، ويفعلون كل شيء باكتمال مدهش..( ليتني كنت ذئبا ضالا في الصحراء ولم أك هنا).

اضطروني اضطرارا للتحايل على هذا الواقع، كونت فريقا لكرة القدم من كل أصدقائي : مكلبظهم وقصيرهم والذي لا يكاد يرى.

ومع هذا الفريق الكارتوني، بدأب وإصرار لا يقبلان التراجع، أخذنا نحقق الانتصارات عليهم وعلى اكتمالهم المستفز.

مع الجامعة حطمت كل القواعد الكاثوليكية التي تربيت عليها، وأهنت تراثا طويلا من الاستذكار المضني ومن الرغبة غير المبررة في التفوق على زملائي الذين اكتشفت أن منافستي لهم لم تكن ذات أبعاد كونية كما كنت أتخيل في هذا الوقت.

أخذت ألفظ من نفسي صفات الدقة والتركيز والانضباط، انتقاما من هذا الماضي السخيف، وقضيت أعواما بلا أي ضابط أو رابط.

اليوم لرغبة في نفسي (ليس الوقت مناسبا كي أحكي لك حيثياتها) ، قررت أن أعود منضبطا دقيقا سريعا كاثوليكي الهوى والسلوك.


الجمعة، 19 مارس 2010

فقط لأجل ليلى


فليذهب كل أطفال العالم للجحيم..

ماعدا ليلى..

لا لا.

فليذهب كل أطفال العالم للجحيم

ماعدا ليلى وأصحابها في الحضانة..كي تجد حبيبتي من تلعب معهم

لا لا..

فليذهب كل أطفال العالم للجحيم ماعدا ليلى وأصحابها وأطفال عمال مصانع لعب الأطفال

كي لا تتأثر معنويات الآباء بذهاب أطفالهم للجحيم، وهو ما قد ينعكس سلبا على معدلات إنتاج مصانع لعب الأطفال..ولا أريد أن تواجه ليلى أي نقص محتمل في مساحات البهجة المفترضة..

ولنستثن لأجل ليلى عددا من ملايين الأطفال حول العالم، كي تظل القنوات التلفزيونية على دأبها في صناعة برامج الأطفال..خاصة أن هذه البرامج تبهج ليلى جدا..

(عالم سمسم/بكار/بطوط)

ولنستثن لأجل ملايين الأطفال الذين استثنيناهم لأجل ليلى، ملايين أخرى كي يؤنسوا طفولة بعضهم البعض..فلا أريد لأي احتمال غير محسوب أن يتسرب لمسيرة الطفولة على الكوكب البشري..ما قد يؤثر بدوره في طفولة ليلى..

هممممممممممممم

حسنا حسنا..

فلنستثن كل الأطفال من الجحيم..

فقط لأجل ليلى..

الاثنين، 8 مارس 2010

الآنسة خوخة العطنة..فصول من التاريخ الشمي السري


اليوم فقط ولأسباب لا أعرفها، اكتسب جسدي الرائحة التي طالما تمنيت أن تكون رائحته المميزة: مزيج من رائحة الأطفال والعجائز والبدناء الطيبين.

وهو حدث أكثر أهمية من أن يقلل البعض/التافهون من جدواه، فهو منحة إلهية خالصة، تداعب حنينا قديما ورغبة دفينة، وتدفع بحياتي المستقبلية لآفاق غير تلك التي كانت مرسومة لها.

لكل من التقيته ملف شميٌ كاملٌ في ذهني، وأول ما أميز به الآخرين: رائحتهم.

فهذا السيد مهلبية ساخنة، وتلك الآنسة خوخة العطنة، وهذا الأستاذ ينسون المنعنع..فالكل عندي عبارة عن معادلات شمية تفضي في النهاية لعطر واضح ورائحة مميزة.

يكفي أن أنظر لأحدهم حتى يتم استدعاء ملفه العطري كاملا في ذهني، وعلى هذا الأساس يتم تحديد المسافة التي ستفصل بيننا في المحادثة والفترة التي سنقضيها سويا وطبيعة العلاقة ومحدداتها.

وعلى أساس الرائحة، رحبت بالبعض في حياتي، ولفظت آخرين، فقد أبقيت حملة رائحة اللبن والفراولة والخضروات وأصحاب الروائح الصحراوية، وقذفت بباقين خارج إطار مجالي الشمي، فحياتي ليست مستباحا لبغيضي الرائحة.

أتشمم أي طعام قبل أن أقربه، وأتشمم أي مسطح قبل النوم عليه، وأتحسب لكل غرفة أطرقها ولا أعرف رائحتها، وأحدد مواعيد سيري في الشوارع وفقا للروائح الأكثر احتمالية للمصادفة في هذا الوقت.

أتذكر أثناء قراءتي لرواية "العطر" لباتريك زوسكند، أني أحسست أنني أقرأ فصولا مجتزأة من سيرتي الذاتية، فأنا هذا الشخص الذي تجتذبه الرائحة وينخرط في تحليلها ومحاولة ردها لأصولها الأولى: فهذا خليط من الليمون والسبرتو، أو هذا مستخلص من القرفة المطحونة.

أكثر أدواتي الشمية تنبها: آليات الارتباط الشرطي المؤسسة على ربط بعض العطور ببعض الأشخاص. فكل one man show هو أبي، وكل ultraviolet هي المتنيلة على عينها أين حلت (فلنقل أن اسمها نسرين).

وعلى نحو مدهش، أحب جدا رائحة الجواكت الصوف المفعمة بدخان سجائر مارلوبورو، أو دخان أي نوع سجائر في فصل الشتاء، فالموضوع يبدو لي حميميا على نحو لا يصدق، حميميا بصورة تكاد توازي روعة رائحة الدوكو والفنيك.

ومن ثم، فإن كل مدخلاتي الشمية على مدار اليوم هي التي تحدد الحالة المزاجية والنفسية حتى يجن الليل، وهو ما قد يدفع بخيالك إلى رسم صورة عن يوم آمن تماما قد تفتتحه باصطدام عشوائي في المترو مع متنيلة على عينها تضع ultraviolet.

الجمعة، 19 فبراير 2010

عمري 25 ..اعترافات عن النقص المتعمد، وعدوانيات جانبية



" هو أنت في حد أصغر منك يا بني؟"..يقولها صديقي_كان صديقي_ حين أخبره أن فلانا الفلاني أصغر مني بنحو عامين، فأتنبه للحقيقة الملازمة: دوما أنا الأصغر سنا أينما حللت.

"هو أنت فاكر إنك أصغر واحد في الدنيا؟" يقولها صديقي_أعز صديق_ بعد صاحبنا الأول بيومين، فأتنبه للحقيقة الطارئة: لا يمكن أن أظل الأصغر دوما!

سرقني الزمن واختلس مني 25 عاما، أنا اليوم أكبر من عمر أبي حين أنجبني، وأنا اليوم أصغر من كل أبطالي الذين احتلوني طفلا وسكنوني مراهقا، وصاحبتهم_روحا وجسدا_ يوم النضوج.

على مدار ربع قرن، ما من شيء عملته إلا ولم أتمه، مصاب أنا بهاجس صعب، أود ألا أكتمل، ألا يكتمل عملي والصادر عني، ما من شيء كتبته أو فعلته إلا وتركت فيه ثغرة واضحة، أو حتى مستترة حين يكون الأمر أصعب من أن يتجاوز عنه الآخرون، منجذب أنا لكل ما هو ليس الأول والأكمل ، أحب أن أخط لنفسي طريقا منفردا، لا هو "الأول" ولا ما عداه، سمته الأبرز :الفرادة، فرادة الجمال والنقص، مسكون أنا بتأمل العمل في مرحلة ما قبل الاكتمال، فهي الأحب لي..أما كماله فمنغص مستنغص.

لماذا أتحدث الآن عن الاكتمال؟ لأن النقص أوضح ما يكون في تلك اللحظة، الإيغال في القوة إيغال في الضعف. وأنا الآن قويٌ قدر ضعفي، ضعيفٌ قدر قوتي، وما بين ضدين_لا يستدل من ضديتهما على شيء_ أجدني أوضح وأهدأ.

العام الماضي، كان الأهدأ والأفضل، التقيت الآخرين بمعدل 1/14 مرة قياسا بالمعدل السابق، وفي فرق 13 مرة، كتبت مجموعة قصصية (أو شيئا ما لا أدري ماهيته) وبدلت شخصيتي (بحيث صرت أكثر خشونة وقتامة واتساعا) وغيرت شكلي ( لا أدري لأي اتجاه) وتعلمت ألا أحتاج أحدا، وصمت أياما لا يعلم عددها إلا الله.

شجاع أنا قدر ما يحتاجه الواحد منا كي يكفر بنفسه ثم يرتد مؤمنا تارة أخرى، شجاع قدر المراجعة، ومن يجسر؟

أخطائي قاتلة، قاتلتي أو قاتلة سواى، لكن لا أحد يدخل اللعبة مرغما، أنا أو هم.

لماذا أكتب الآن أو كتبت مسبقا، لأني لا أجيد سوى فعل هذا، الأمر لا ينطوي على أية أبعاد رسالية بالمرة، أضطر للكتابة اضطرارا، حتى لا تزدحم الفكرة بداخلي فأموت كمدا.

أنا فقط أستهلك من عمرك ما يعضد من بقائي..

سر لك أنت وحدك: أنا الآن أرسم مرة أخرى، أوراقي البيضاء بجواري، وأقلامي الرصاص المدببة السن، ويداي تتحسسان الورق، فيصير الوجه الذي أرسمه مذ كنت طفلا.

الأربعاء، 17 فبراير 2010

هل دشن البرادعي خطابه الانتخابي في 2005؟ قراءة في المجيء الثاني

على القناة الأولى صباح أحد أيام 2005 كان التلفزيون المصري يبث وقائع حفل تكريم د.محمد البرادعي بعد حصوله على جائزة نوبل، والذي اشتمل على مراسم بروتوكولية سخيفة مثل معظم الفعاليات التي يحضرها الرئيس مبارك.

وعندما قام الرئيس بتسليم البرادعي درعا ما أو قلادة ما، لا أتذكر، جاء دور البرادعي لإلقاء كلمته، ولم أجد ساعتها وأنا طريح الفراش مصابا بدور برد من الطراز الفاتك، ما يدعوني للاستماع لهذا الخطاب الإنشائي الذي سيلقيه البرادعي في حضرة مبارك، فقررت على الفور تغيير القناة، وما بين هذا القرار وبين اللحظة التي بدأ فيها البرادعي خطابه شغلني شيء ما لا أتذكره.

أقل من خمس دقائق كان البرادعي قد ألقى خلالها كلمة عاصفة في وجه الرئيس، لا يمكن تصنيفها أخلاقيا سوى أنها "خطاب توبيخ" ولا سياسيا إلا ب "حيثيات إدانة نظام".

أتذكر مما جاء فيها قول البرادعي لمبارك :"سيادة الرئيس، ولنعلم أن الدول لا تتقدم إلا باحترام حقوق الإنسان".

مضى البرادعي في خطاب تكريمه، معددا خطايا النظام المصري فيما يخص الديمقراطية وحقوق الإنسان والفساد، بينما وجه الرئيس مبارك يتقلب بين البياض والحمرة مكتفيا بالتحديق في البرادعي.

ذهلت من مستوى الخطاب السياسي الذي قلب به البرادعي الطاولة في وجه الرئيس مبارك، وتساءلت بيني وبين نفسي عن طبيعة العلاقة المستقبلية بين الرجلين، بعد أن قال البرادعي ما لم يجرؤ عليه سواه طوال 24 سنة_في 2005_ في وجه مبارك.

الآن أعتقد أن البرادعي دشن خطابه الانتخابي، فلسفة وموقفا وأخلاقا، في هذه الكلمة الجسورة التي ألقاها عام 2005.

لست من متابعي البرادعي ولا من المتحمسين له بصورة منهجية، لكن طبيعة المعركة تروقني جدا..

ند يستوفى الحد الأدنى من نزاهة السيرة والسمعة وكفاءة العمل والموهبة، جاء من البلاد البعيدة_وقد يبدو مجيئه مباغتا_ليحل من سابع سماء كما قدر غير مردود، مربكا حسابات نظام مبارك وقططه السمان..السمان جدا.

الصحافة المصرية(الخاص منها لا الحكومي) نفسها تعاملت مع البرادعي بصورة تلائم هذا الهبوط الأسطوري، الذي يليق برجل تواترت فيه النبؤات وانعقدت عليه الآمال، تارة بذكر اسمه_دون جدية حقيقية في الطرح_مشاكسة لمبارك وآله، بافتراضه مرشحا محتملا للرئاسة، ضمن كثيرين منهم عمرو موسى وزويل وعمر سليمان بل وعمرو خالد أحيانا، وتارة أخرى باختراعه أملا شبه أوحد..ولو لم يوجد البرادعي_حصانة معنوية لنا_ في وجه مبارك وآله..لوجب أن يخترع!

الصحافة للمرة الأولى تقريبا تتعامل بشيء من الاحترام مع "التفاصيل"..تفاصيل من نوعية (رقم رحلة البرادعي_صالة الوصول_ميعاد الوصول..)..مع تفاصيل رحلة مجيء البرادعي ،يستوفي "المجيئ" شروط وحيثيات "المخلص" القادم من عل (الطائرة/البساط السحري)، وبعد 29 عاما من الفساد والوجع..فهو البرادعي "يجيء في آخر الزمان" مجيئه "الثاني" ليملأها عدلا بعدما ملئت ظلما وجورا!

مرحى بك يا محمد مصطفى البرادعي، آملا ألا يخذلك أنصارك وألا يلتهمك خصومك..لست متحمسا لشخصك المحترم، لكن المبدأ يروقني ويدهشني.


السبت، 13 فبراير 2010

أورجازماه..قصور في وصف الحالة


إذا دبدبت برجلي على الأرض وأخذت أحكها حكا ثقيلا، بينما يداي تعبثان في شعري وتدلكان فروة الرأس بصورة محمومة، وأخذت أقطع أقرب طرقة لي جيئة وذهابا..فأنا إذا في أقصى حالات سعادتي.. "أورجازما العمل".

الشغل بمفرده يكاد يكون ألذ ما أفعل في حياتي، كل موضوع أكتبه هو عملٌ ملحميٌ قائم بذاته، يعني شيئا ما كبيرا بالنسبة لي، حتى لو كان تقريرا صحفيا من الدرجة الرابعة ..عن زراعة الجميز في صفط اللبن.

حين يتم تكليفي بإتمام عمل ما، أجلس مكاني صامتا وقتا لا بأس به، ألتقط أنفاسي وأحس أني في تحد مع قوى كونية أكبر مني بمراحل، أراهن على ضآلتي في مواجهة العملاق الغاشم، أعتمد على حيلتي لمراوغة اليد الباطشة التي لا أراها، أتخيل خيوط الفكرة أمامي، أحاول إقامة علاقات افتراضية بين الأشياء والأشخاص والوقائع، وأنطلق مثلما يفعل كتاب الدراما في كتابة "مربع العلاقات".

كلما نجحت في الإمساك بطرف من أطراف قصتي، تزداد حرارة جسمي، أضطر لركل الأرض وحك الجسد بصورة هستيرية، والنقر على الكيبورد بصورة متوجسة مضطربة.

شيئا فشيء ينزاح غموض الوضع، وتفصح الأفكار عن نفسها، أجدني أنطق العبارات المفتاحية لكل فكرة كما لو كانت نصا قديما أحفظه منذ الطفولة.

أحس ساعتها أني قادر على اختراق أعتى أنظمة الحماية..كل شيء يستحيل أمامي لأكواد (01010011010101010) ولكل كود ثغرته، والثغرة جوار الثغرة صورة واضحة نقية.

كلما أوغلت في الإتمام، كلما ارتفعت حرارة جسدي، ربما مقرونة بلهاث خفيف وتأوه مكتوم..يزداد صوت نقري على الكيبورد، تتراص السطور أمامي بسرعة مدهشة، تفوق سرعتي الشخصية في الكتابة.

وفي لحظة الذروة ..تستحيل نقراتي العاصفة إلى جمل موسيقية تامة، تشبه موسيقى المارشات العسكرية، وتبدو صفحة ال"ورد" أمامي كما لو كانت نسيجا أسودا مزخرفا يرسم نفسه بنفسه على تلك الصفحة البيضاء.. كل شيء ينساب بدقة محسوبة.

(حرارة الجسد/زخرفة الصفحة البيضاء/موسيقى الكيبورد/تأوهاتي المكتومة)..

وفي تلك اللحظة التي انتهى فيها من الكتابة، وأحس تمامها واكتمالها، أضرب على الكيبورد آخر "فول استوب"
بشيء من التعالي والراحة والشماتة والتشفي والفخر.

أتنفس بصوت مسموع، ويرتخي ذراعاى، وأتأمل صفحة ال"ورد" من أمامي بشيء من العطف والحنو، أود لو أن ربتت عليها ومسدتها.

أمد يدي إلى الكيبورد في كسل ودعة ..أضبط جملة هنا أو جملة هناك، إلى أن يستحيل المنجز أمامي شيئا شبه مكتمل.

ساعتها أود أن أتكور على نفسي في وضعية النوم الجنيني _وضع نومي الأساسي هو_مجففا قطرات العرق البادر المتحدرة على جبهتي.

مرتاح أنا الآن..

الجمعة، 5 فبراير 2010

النبؤة 6

تصير فوق الكل، ويصير ذكرك محببا.لأنك أنت المشيئة القديمة.يحبك الذي فوق.ويريد لك أن تكون السيد بين الناس.ويوم تدخل مدينتك متوجا.يخر الرعية في الأرض.فأنت الذي قوله فصل وحكمه عدل.

الأحد، 31 يناير 2010

أبودجانة الخراساني..استراتيجية اللاعب الثاني عشر






"

"أنا أعيش في حالة نفسية معقدة, أحرجت كل أدبيّات الطب النفسي".. يبدو هذا الاقتباس -من مجمل الكتابات المنسوبة لهمام البلوي أو "أبو دجانة الخراساني" بالمنتديات "الجهادية"- هو المدخل الأقرب لقراءة شخصية الطبيب الأردني الذي فجر نفسه في سبعة من ضباط وعملاء وكالة الاستخبارات الأمريكية "سي آي إيه" قبل وقت قريب في ولاية خوست، في واحدة من أكثر عمليات القاعدة نجاحا.
في قصة البلوي عدد من التساؤلات المعلقة والثغرات الاستخباراتية التي لا تفصح عن نفسها في المستوى الأول من الرواية الرسمية، والتي ينفرد الجانب الأمريكي بالإفصاح عنها، لكن جانبا آخر من الرواية -ربما هو الأهم- يكمن في ما تركه البلوي نفسه من كتابات على المنتديات الجهادية والتي ترسم إلى مدى بعيد شخصية الطبيب "الجهادي" الذي كبد الاستخبارات الأمريكية هذه الخسارة المريعة.
وهمام خليل أبو ملال البلوي هو طبيب أردني من أصل فلسطيني تزوج من تركية تدعى "دفني بيرق"، هي المصدر الوحيد الآن للمعلومات المتاحة عن شخص البلوي بكل التعقيدات التي ينطوي عليها الحديث عنه.
وفي مقابلة مع مجلة نيوزويك الأمريكية في عددها الصادر بتاريخ 19 يناير قالت إن اللحظة الحاسمة في تاريخ البلوي هي لحظة الغزو الأمريكي للعراق والتي راح زوجها على إثرها يقرأ بنهم وينخرط في أنشطته على شبكة الإنترنت بطريقة أخذت تتسم بطابع نظامي يوما بعد يوم، خصوصا مع اتجاه البلوي للإفصاح عن آرائه الجهادية بصورة جهرية تستند إلى استدلالات قرآنية وأحاديث نبوية طالما رددها على مدار السنوات الماضية، إلى أن تمت ترجمتها إلى فعل مشهود في "عملية فيرجينيا".
استغماية الجهاد
"الحالة النفسية المعقدة" التي يصف بها البلوي نفسه ليست سوى تعبير عن شجونه الشخصية لبقائه في خانة القاعدين عن الجهاد غير القادرين على ممارسته، يقول البلوي في إحدى المقالات المنسوبة إليه على "منتديات الفلوجة الإسلامية" قبل ستة أشهر: "عندما أرى طفلا يلعب (الاستغماية) مع رفاقه, فيختبئ خلف سيارة مصطفة بجانب الطريق أو وراء جدار بناية... تراه عيناي كملثم يترصد لدورية أمريكية عسكرية وينتظر بلهفة ساعة الصفر.. تتحول صرخاتهم الطفولية إلى تكبيرات وتهليلات وكأنه كمين: الله أكبر, فتح من الله ونصر قريب, نفذ أخي على الهمر, نفذ على الدبابة! أنظر إليهم مستسلما لخيالي, متخليا عن بقايا "ملكة التمييز الواقعي" فأنا ألمح في وجوههم براءة أراها في وجوه جنود دولة العراق الإسلامية".
ويستمر البلوي في وصف الإحالات الذهنية التي يقيمها تجاه مفردات الواقع من أمامه حتى يصير كل ما حوله مجرد مشاهد مجتزأة من معارك "جهادية" ولحظات "استشهادية" في مواجهة أعداء "دولة الإسلام".



لكن البلوي الذي تدمع عيناه، حنينا، للجهاد بينما تتوقف سيارته أمام دورية مرور حتى يندهش الشرطي الذي كاد أن يحرر له مخالفة مرورية، يقرر أن يتحرك من خانة "اللاعب الثاني عشر" ليتحول إلى اللاعب "الحادي عشر". حيث يصف محللو كرة القدم دور الجمهور في المباراة باللاعب الثاني عشر، لكن "أبو دجانة"، وفقا لتوصيفه لموقعه، قرر أن يغير إستراتيجيته ويحل نزيلا على ساحة "الجهاد" التي طالما اشتاق إليها.
وهو ما يدفع بعدد من التساؤلات، فكيف اقتنعت المخابرات الأمريكية أن طبيبا شابا سيعطيهم معلومات هامة وربما يساعدهم في القبض على أيمن الظواهري بموجب خلفياته المعرفية في هذا المجال؟ وماذا لو أن هذا الشاب الجهادي قد اختار لنفسه اسما حركيا "أبو دجانة الخراساني" في حياته الجهادية التي بدا للمخابرات الأمريكية أنه أقلع عنها.
والاسم لا يحتاج لتفسير، فقد اختار أن يكني نفسه بكنية الصحابي أبو دجانة الذي اشتهر بأنه صاحب العصابة الحمراء (الرغبة في الشهادة وعدم العبء بالخصوم) يوم أحد والفارس المغوار الذي جندل المشركين وضرب منهم كل بنان. واختار أن يلقب نفسه بالخراساني بما يحمله اللقب من إحالات واضحة، أخذ أحد المشاركين على منتدى "الحسبة" الجهادي يفسرها في مقال رثائي لهمام البلوي بالتالي: "لماذا الخراساني؟.. هل لأن خراسان غالية لدرجة أنه عاش فيها.. حتى لو من وراء الشاشات، هل لأنها خضراء "كالحسبة الخضرا"..!أم لأن فيها أسامة.. رمز الفخر، في جبين العز شامة..! أم لأن كتائب النصر ستخرج منه.. طلائع خراسان...".
وكيف فات على المخابرات الأمريكية والأردنية أن البلوي ربما يكون مخادعا، وأنه ينفذ مخطط أكبر، عبر هو نفسه عنه بتحوله من "الجمهور المشاهد" إلى أحد اللاعبين؟ فهل جنده الأمريكان دون الاطلاع على تاريخه ودون قراءة شخصيته التواقة للجهاد مهما كان الثمن؟ أم أن سي آي إيه لم تفطن إلى أن البلوي ربما يكون ثمرة من ثمار المنتديات والمواقع القاعدية التي أخذت على عاتقها حشد الأتباع وتجنيد العقائديين الجدد بعد شتات التنظيم في البلاد؟.
الغرب نفسه اعتبر أن أسلوب عمل القاعدة الجديد يشبه أسلوب الشركات الكبرى والماركات العالمية، التي قد تتمركز في بلد واحد لكن آلاف التوكيلات تملأ باقي البلدان، ومن ثم أصبحت القاعدة مثل "ماكدونالد وكنتاكي"، لها فروع في كل مكان، تعمل بالخلطة السرية للمقر الأم!.
تنقيب باربي
يصف البلوي في أحد مقالاته خياله عن دولة الإسلام قائلا: "بعد أن تَتوسع خارِطة الدولة, وتَنتحر على صُخورها أمواج الكفر العَاتية, ستهيمن ثقافتنا على العالم, وستلبس باربي النقاب وستقرأ القرآن برواية حفص عند لمسها, سَنصدر الأبطال والرموز عبر المحيطات حتى تعثر على طفلٍ كامبوديٍ سماه أبوه البوذي "أُسامة" تيمّنا بالرجل الأسطورة. سَتجد كوريا جنوبياً يلبس الغترة والعقال ويجلس في مكتبه الخاص في الطابق الواحد والخمسين من ناطحة السّحاب, ويغني أنشودة أبي عبد الملك بلكنة كورية, دون أن يفهم معانيها:
"سَنخوض معاركنا معهم, وسنمضي جموعا نردعهم، ونعيد الحق المغتصبَ, وبكل القوة ندفعهم".
"سيصنع اليابانيون حلوى المعمول بالتّمر في عيد الفطر, وسيأكل البرازيليون لحوم الأضاحي بدلا من الديك الرومي, وستمتلئ لا فيغاس بلابسي الدشداشة العربية أو السروال الأفغاني... وسَيشرب الفرنسيون ماء زمزم في عبوات معدنية, سَتتسابق شركات السينما العالمية لتصوير الأفلام الحربية المستقاة من وحي الحضارة الإسلامية, وستجد أول عبارة في الفيلم: "لا نَسمح بعرض الفيلم مع الموسيقى".
لا تحتاج كتابات البلوي إلى توضيح حول طبيعة الرجل، الذي يحلم بتنقيب باربي ويشغله هاجس ألا تصاحب الموسيقى أفلام دولة الإسلام القادمة!.. وهو ما يزيد من تعقيدات الأسئلة القائمة، فبينما تعيب وسائل الإعلام الأمريكية على وكالة الاستخبارات وقوعها في الخطأ التنفيذي الهائل بالتقاء سبعة من عناصرها دفعة واحدة بـ"الهدف" بينما تنص لوائح وأدبيات الاستخبارات ألا يلتقي "الحالة" سوى ضابطها المسئول، مع السماح في حالات قليلة بوجود عنصر آخر.


دعك من فشل الأمريكان في قراءة البلوي، لكن كيف يتمكن شخص على هذا القدر من البساطة والسطحية "الظاهرية" في خداع أكبر أجهزة الاستخبارات في العالم؟. لم تكن مقومات البلوي سوى الرغبة المتحرقة للجهاد، فضلا عن بعض المهارات البلاغية الأخرى التي لا تعني في النهاية أي براعة تنظيمية بالضرورة، ولا يبدو البلوى سوى نتاج خالص لمطالعات على شبكة الإنترنت انتهت به عضوا في تنظيم القاعدة ومديرا لتحرير موقع "الحسبة" التابع لها. أي أن الرجل صنع عن بعد وبأقل كلفة ممكنة، وقدم في النهاية أفضل نتيجة يمكن حسبانها في نقاط التنظيم.
لكن مقالا لأبي دجانة على منتدى "الحسبة الجهادي" يعود تاريخه لسنة 2007 ربما يشير إلى تتبعه لـ"سي آي إيه" بالدراسة والبحث، تمهيدا لعملية الخداع الكبرى التي كان يخطط لها.
أسامة الصغير
يقول أبو دجانة في مقاله المعنون بـ"في داخلهم أسامة صغير"..: "هل رأيتم أمريكا أو أي إمبراطورية قبلها شكلت وحدة كاملة ضمن وكالة الاستخبارات, تتألف من مئات الأشخاص هدفها الوحيد القبض على شخص واحد كما فعلت أمريكا مع أسامة؟ تخيل, مئات الأشخاص... بعضهم يلبس الكرافتة ويجلس في مكتب فاخر كمدير فرع أو دائرة، وبعضهم يلبس اللباس الأفغاني وينغمس عينا على المجاهدين.
هل تعلمون من هو مايكل شوير؟ هو المدير السابق لوحدة السي آي إيه المتخصصة في البحث عن أسامة فقد وظيفته كمدير وبعد ذلك كعضو في السي آي إيه بعد فشله في الوصول إليه, يتوقع من هذا الشخص أن يكون أكثر رجل في العالم يكره أسامة لكن شوير, عندما يتكلم عن أسامة, تجده لا يشفي غليل أعداء أسامة, الرجل يتكلم عن أسامة وكأنه يخفي شيئا عما يجول في قلبه, عندما أستمع لهذا الرجل, أشعر أنه لا يكره أسامة, بل ربما يتعاطف معه, كأن في داخله "أسامة صغير", مختبئ في أعماق وجدانه, مستتر في أحشائه بعيدا عن الأنظار, علمت أن بعض زملائه في الوحدة كانوا يمازحونه ويقولون له:
لعل شيطان أسامة قد ركبك؟ لكن شوير, الذي يعرف عن أسامة أكثر من أي أمريكي آخر, يعلم أن الذي اعتراه ليس شيطانا, ولولا قومه لقال في الرجل غير الذي يقول؛ فخوفه ممن حوله, أو حرصه على مكاسبه يمنعه من البوح عن "أسامة الصغير" الذي يخفيه في باطنه, عد إلى كتابه المسمى "الفوقية الإمبريالية, لماذا يخسر العالم الحرب على الإرهاب" لتجد عجابا.. يقول شوير: بن لادن وجماعته يدافعون عن قيم يحبونها ويتمسك بها أيضا معظم المسلمين".
كيف لا وهو يرفض وصف أسامة بالإرهابي, ويقول عنه: "هو محارب وليس إرهابيا, بن لادن شجاع وليس جبانا, بن لادن مؤمن, متدين"، هذا ما يقوله قائد صليبيّ في السي آي إيه, قضى بضع سنين من عمره في مطاردة زعيم تنظيم القاعدة!
أي أن البلوي كان من المهووسين بقراءة الكتب الاستخباراتية أو على الأقل تلك المتقاطعة مع مساحة اهتمامه الشخصي، وهو ما يدعم من فرضية أن المخابرات المركزية مجرد جهاز استخباراتي فاشل، يشغل البدناء من أكلة البيتزا مواقع قيادية فيه دون استحقاق حقيقي، للدرجة التي جعلتهم يقعون في شرك شاب صغير مثل همام البلوي.
ومن مجمل كتابات أبي دجانة الخراساني أو "أسامة الصغير".. فهو أولى الناس بها الآن سواء في عرفه أو في عرف جماعته، ويبدو أن الرجل الشبح "بن لادن" تحول إلى "شبح الرجل" وقد انتثر في ألف "أسامة".. خرقوا سقف النجاحات المفروض، وربما سينجحون في خرق أسقف أخرى مادام إبداعهم وخيالهم الشخصي قادرا على سوقهم إلى هناك.. حيث وقفوا شامتين في وكالة الاستخبارات.. وحيث وقفت وكالة الاستخبارات تضيف إلى خيباتها خيبة جديدة.



الاثنين، 25 يناير 2010

منتخب الساجدين..لماذا سجد؟


أتفهم وجه استياء بعض الأصدقاء من لقب "منتخب الساجدين" الذي يحمله المنتخب المصري منذ كأس الأمم الأفريقية 2008 في غانا فإدخال الدين في الكرة _بنظرهم_لا يفرق كثيرا عن إدخال الدين في السياسة، وكلها موطئات لدولة دينية تصادر الحريات وتفرض رؤية أحادية وحيدة تنطلق من "تفسيرها القسري للإسلام".

الأزمة أن الأصدقاء يقيمون اللاعبين بنفس المقاييس التي يخضعون لها الكوادر الحزبية و"نشطاء المجتمع المدني" ..

فهل تنتظر أن يرفع محمد ناجي جدو فانلة المنتخب بعد تسجيله هدفا لنجده قد كتب على ال "تي شيرت" الأبيض الذي يرتديه تحت فانلة المنتخب " الليبرالية طريقي للمرمى"؟..أم نتوقع أن يعزو محمد زيدان هدفه الرائع في مرمى الكاميرون إلى إيمانه المطلق بالدولة المدنية؟

دعنا نسأل:ما هو متوسط المستوى التعليمي للاعبي المنتخب الوطني؟ ما هي البيئة الاجتماعية والثقافية التي ينحدرون منها؟ ما هي المشاريع الشخصية التي ينتمون إليها؟ ما هي السياسات التي تتعارض مع حياتهم اليومية وتؤثر على دخولهم الشهرية ومستقبلهم ومستقبل أسرهم؟

الكرة كرياضة تعتمد على الحظ كآلية أساسية في تحديد الفوز والخسارة (تغيير الكرة لاتجاهاتها، تعاطف القائم والعارضة من عدمه، أخطاء التحكيم الواردة، تعثر لاعبي الفريق المنافس بصورة مفاجئة كأن تفلت كرة من مدافعهم بصورة غير متوقعة فنسجل هدفا، أو أن تفلت كرة من مهاجمهم أمام مرمانا لا لشيء سوى الحظ!)

وسط كل هذه المعطيات شبه الغيبية، لابد أن يتقدم لاعب حاصل على دبلوم الصنايع(لا أحقر من شأنه لا سمح الله) بالشكر إلى القوى الغيبية التي يعتقد أنها تسانده، سواء كان هذا الشكر بالسجود إلى "الله" الذي وفقه لتسجيل الهدف، أو لدبلة الخطوبة، حيث نرمين خطيبته الجديدة هي وش السعد عليه وفأل الخير الذي دخل حياته.

ومن الطبيعي أن يعبر لاعب من "كفر البطيخ" عن فرحته في الملعب بالسجود اتساقا مع الموروث الإيماني الذي تربى عليه في قريته الصغيرة التي يتوسطها مسجد كبير، طالما مثل في نفسية اللاعب كعبة الله في قريته.

وكيف سيقدم اللاعب المصري(مصري مسلم عالمثالثي) هويته الخاصة وسط طوفان الهويات والماركات في المستطيل الأخضر؟

حذاؤه ماركة نايكي، والفانلة إعلان ل "كوكا كولا"، والراعي الرسمي للبطولة شركة "سوني"، ومصاريف الانتقالات والإقامة بتمويل من HSBC، فكيف سيتحدث هذا اللاعب عن هويته الخاصة وكيف سيعبر عن قيمه وعقائده(التي تشكل عادة الجانب الأكبر من شخصيته) وسط كل هذه العلامات التجارية، التي اقتضت بالضرورة أن ترتبط ذهنيا بالغرب وما يمثله الغرب من عدوان عسكري وقيمي علينا؟

لا تتناسى أن الدين يكاد يكون ابتكارا مصريا، وأن كل مصري تقريبا يتحرك وبداخله موروث ديني هائل يستقوي به على كل نازلة، ويضعه كخط دفاع أخير وكعزاء أوحد عما يلاقيه في هذه الدنيا.فلا السجود يعني بالضرورة الإيمان ب"جاهلية المجتمع" ولا رفع اليدين بالدعاء أثناء المباراة يقتضي كفر اللاعب بالمواطنة.

في كأس 1998 في بوركينا فاسو، سجد حازم إمام ورشم هاني رمزي الصليب..ولم يتكلم أحد، بل تم اعتبار كلا الفعلين علامة على أخلاق اللاعبين وسمن بعسل على مائدة الوحدة الوطنية.

فقط ينبغي التفريق بين تعبيرات الفرحة بصورة دينية، وبين إسباغ صفة دينية كاملة على المنتخب ننسب إليها كل نصر!

أي فوز للمنتخب الوطني هو نتاج جهد ولعب..ويتدخل توفيق الله من عدمه في مرحلة تالية على هذه العناصر، كما يشير الإسلام نفسه في أدبياته.

يجاوب فيسلوف الإسلام وشيخه الأكبر محيي الدين بن عربي عن السؤال الحرج والمؤلم (لماذا قد ينهزم المؤمنون أمام الكافرين؟)..قائلا أن إخلاص أهل الكفر لكفرهم كان خيرا من إخلاص أهل الإيمان بإيمانهم..وما يعنيه ابن عربي في هذا الموضع بالإخلاص هو الأخذ بأسباب النصر والهزيمة من استعداد وتدريب.

فماذا لو التقى منتخب الساجدين المنتخب السعودي؟ هل سيفوز الفريق الأكثر إيمانا أم الأكثر استعدادا؟

هل تفوز البرازيل لأنها كاثوليكية أم تخسر المغرب لأنها مسلمة؟

الانتصار شيء..والاحتياج النفسي للدين وإعادة انتاج هذا الاحتياج في صور دينية مختلفة شيء آخر..

الآن في عصر التدين الجديد أو ما يطلق عليه new age أصبح التعبير عن الدين كهوية شيئا مفهوما وواردا بشدة (على مستوى الديانات الثلاثة، حسبما يرصد علماء الاجتماع اتجاهات التدين الجديدة في العالم ووسائل التعبير عنها، ولم يعد الحديث عن الإعجاز العلمي في القرآن أو في الكتاب المقدس أمرا مستغربا، فاستدعاء "الرب" أصبح ضروريا أمام توحش الآلة وتغول الميكنة وقسوة الضرائب..فللرب عواطف ورحمات بينما الميكنة وغلاظ الأكباد من جامعي الضرائب لا.

سجود لاعبي المنتخب كان من الممكن اعتباره تعبير عادي جدا من لاعبين مسلمين تنص كلاسيكيات دينهم على أن السجود صورة ممكنة للتعبير عن الشكر، ولا يلام مسلم على دينه.

ماذا لو أن لاعبا مسيحيا يلعب في المنتخب؟ ماذا لو أن منتخب مصر كله من اللاعبين المسيحيين؟ ثم سجل أحدهم هدفا ورشم الصليب على إثره؟

كمصري..سأقفز من مكاني بعد تسجيل المنتخب للهدف، وليفعل اللاعبون ما شاءوا، فليرشموا الصليب أو فليقيموا قداسا في الملعب لو أرادوا، كل حر مع ربه، وكل حر في التعبير عن فرحته بطريقته، وحقي أن أستمتع بمنتخب بلادي.

تسألني ماذا سأفعل لو كنت لاعبا في المنتخب وسجلت هدفا؟ أقل لك سأسجد، وسأقبل دبلة نيرمين!