لا أحد يتفحص يدي اليسرى بعناية، فأنا شخصيا لا أترك الفرصة سائغة لأن يلمسني أحد أكثر مما ينبغي أو يرصدني أكثر مما يجب.
تحمل يدي اليسرى ،دوما، خطوطا وأنصاف دوائر وعلامات أخرى تم وسمها بالقلم الحبر الأحمر الذي أخبأه في حقيبتي الشخصية.
تقوم هذه العلامات بتذكيري بعدد من الأشياء التي علي فعلها، وتشير إلى بعض من تفاصيل اليوم التي لا ينبغي أن أنساها، وفي أحيان أخرى تذكرني بعدد من الأخطاء التي ارتكبتها، و ترمز في أوقات أقل لقيمة معينة أحملها بداخلي وأرسم علامتها على يدي..اعتزازا.
أنظر إلى يدي اليسرى يوميا قبل النوم، فأرصد مسار يومي، وأتأمل فصولا متتالية من حياتي، وأسجل على هامش ذاكرتي المهترئة_إلا اللهم من الفصول المؤلمات_ أمنياتي لغد أقل قلقا، أكف فيه عن هذه العادة البغيضة.
لا أكتب إلا ملغزا، أغلب ما سجلته على ورق، كان رسومات مبهمة وأحرف مفردة وكلمات غير مكتملة، لا أحب أن يفهم أحد ما يدور بداخلي ولا كيف أربط الأفكار بالأحداث بالانطباعات..لذلك لم تكن أوراق محاضراتي تصلح للتبادل بين زملاء الدفعة، هي بالأحرى تشبه الأعمال السفلية والأحجبة.
يدي بمفردها تكفل لي أن أتذكر كل شيء لو صحوت يوما ما فاقدا للذاكرة، هي الدليل المشفر الوحيد الذي يصلح لقص كل خباياي.
اليوم أتفحص يدي اليسرى وباقي أجزاء جسدي التي أدون عليها تفاصيلي (الناحية اليسرى من الصدر، كعب القدم اليسرى، الركبة اليمنى) وأقوم بمسحها جميعا..(أود قليلا من الراحة).
كل العلامات تنمحي، إلا واحدة هنالك، تشير إلى ما أدعوه.."الإخلاص"
