90s fm

الاثنين، 6 يونيو 2011

اللحظات التي لم أعتقد أنها ستجيء


خبرتي ليست عميقة مع المرض فالوفاة، فضلا عن أن مشاهداتي قاصرة.

جدي يتعرض لنوبات قلبية من وقت لآخر طوال ما يزيد على 15 سنة..للدرجة التي لم يعد للمرض معنى خلالها..ولدرجة أنه حين مات لم أستوعب أنه مات، قلت لابد أنه سينهض كالعادة، وسنعود به للمستشفى بعد عام مثلا. وكان يستغرقني ساعتها مثال طائر الفينيق.

كنت أذهب لمنزله طيلة سنتين بعد وفاته، غير مستبعد أن أجده جالسا على كرسيه المفضل يقرأ "الأهرام" بطريقته الأقرب للهمهمة. وكنت أعتقد أنني لو رأيته لن أندهش أبدا، لأن "الموت" مفردة جديدة على عالمي، ولم أستوعب بعد كيف الموت يكون.

لابد أن الميت يختفي قليلا ويعود...هذا كل ما في الأمر، فلا يعقل أن يموت جدي-الذي أعرفه وأحبه- كما يموت "الآخرون" الذين نسمع عنهم من وقت لآخر..لابد أن ما يحدث لهم شيء مختلف تماما..لابد أن هناك أنواع مختلفة من الموت.

رحل جدي وأنا في الثالثة والعشرين، كنت قد بلغت من الكبر عتيا كي أفهم مثل هذه الحقائق، لكن التجارب (التمادي فيها أو القصور في التعاطي معها) تسبق السن لتحديد كيفية استيعاب هذه الأمور. وكما نسب لعليَ كرم الله وجهه (رأي الشيخ أحب إلى من جلد الغلام).

اليوم أجد صديقي مريضا، يجيئني صوته وئيدا مشوشا، وهو الذي ذرع الأرض أسفارا وملأها كتابة وتعاقد في كل طرف من أطرافها مع أحاسن الناس أصدقاء وخلانا.

مريض بحق، مرض بغيض من هذا الذي ينهش الإنسان رويدا رويدا، فتصاعد نفسه وتصاعد أنفس من معه حسرة وألما.

أتذكره قبل سبع سنوات، وقد كان أكثر عنفوانا، بينما نغزل صداقتنا المشتركة يوما بيوم وموقفا بموقف. أتذكر كل الأشياء الغريبة التي طلبت منه أن يجلبها لي من أصقاع الأرض التي كان يتناوب على زيارتها دوما، وأتذكر تفانيه في مساعدتي.

أذكره أخا أكبر، أمينا نزيها، مثقفا من هذا الطراز الأسطوري الذي يبدو على وشك الانقراض.

دماثة خلقه التي يطعمها من وقت لآخر ببعض الشتائم اللذيذة حين يتحدث عن النظام أو الإخوان أو السلفيين أو الكنيسة أو الأمريكان، اعتزازه المفرط بمصريته، رؤيته لمشروع إسلامي متكامل الأركان..ولكن بلا إسلاميين..خناقاته ومعاركه..وملابسه التي كانت تلائمه بصورة مدهشة.

مكتبته التي كنت أنهبها بصورة منهجية، كتاباته التي كنت أطلع عليها عادة قبل أن ينشرها، مشاكساتي له التي كان يحبها ويضحك لها من قلبه..عمق قلبه ..ويسألني من وقت لآخر: بقيت ليبرالي يا أحمد؟ بقيت يساري يا أحمد؟ بقيت من أهل السنة والجماعة يا أحمد؟.

أراجع تاريخنا المشترك-وللأسف أحفظه كاملا- فأدعو الله وفي القلب مرارة، أن يشفيه، وأن يقوم..وأحس أن الدنيا فعلا لا تساوي جناح بعوضة.

(كن فيها كأنك عابر سبيل)..وخير ما فيها صديق وفي.

الخميس، 26 مايو 2011

فكيف بي مع المتلعثمة؟




لماذا تبدو المتلعثمة فاتنة لهذا الحد؟
كنا في ملتقى ذي طبيعة خاصة، يضم شبابا من كل أطراف العالم، كلهم نابض حيوي، متألق ذهنيا، له تجربة متميزة في مجال ما.
كان الجميع هنا يتحدث بطلاقة، لغتين أو أكثر، كل الحاضرين مدربون أو موهوبون في كيفية استعراض أفكارهم، وبالضرورة يتسمون بقدر عال من الذكاء الاجتماعي، مكن الجميع تقريبا من الاندماج في مجموعات تعارفية بسهولة.
إلا هي..
كانت خجولة مرتبكة_على نحو هاديء_وسط هدير الشباب الذي لا يتوقف..(نقاشات-نكات-مقالب-أفكار-مقترحات...).
(جيسي تملأ الدنيا مرحا، وكاثرين تنتحي جانبا بدوكري في حوار يبدو أنه سيكون عميقا جدا فيما بعد، و رماح بشعره الثائر مشغول جدا مع شاب هندي في شيء ما لا أفهمه...كان الجميع مأخوذا، كل بما يخصه..)
وتواطأت الصدف-كالعادة-بحيث نجلس على طاولة غداء واحدة..بمفردنا.
(هذا بعد أن انتحيت جانبا من الثلاثة: الياباني ذو الاسم الذي يصعب تذكره، والتركي اللزج الذي لم أدقق في سماع اسمه من الأساس، والكولومبية التي تبدو كما لو كانت قد جاءت الملتقى هاربة لا حاضرة).
كانت تتلعثم وتزوغ ببصرها بعيدا، وتنتمي لهذا الطراز الذي يخجل من الأكل بصورة علنية خارج نطاق أسرته. بدأت معها حديثا هادئا نمطيا، أمارس تكنيكي المفضل في مثل هذه الحالات: سل من أمامك 10 أسئلة عادية جدا، حتى يتدرب على الإجابة وحتى يألف الحديث معك، ثم خذه إلى أي أفق آخر شئت.
في عينيها الصافيتين اللتين أجبرتهما على التحديق بي، شيء ما أكثر جمالا من كل الصاخبات والجميلات اللوائي يملأن الفراغ المحيط، هي من هذا الطراز الذي يحتاج إلى من يدقق فيه لأكثر من 20 ثانية كي يدرك أنها الأجمل مطلقا..أما الذين لا يطيقون إلا 10 ثوان صبرا، فسيعجبون بكاثرين، وسيعرضون توصليها لغرفتها في هذا الفندق العملاق الذي يطل على واحد من أكبر المسطحات المائية في العالم.
كانت خطتي مبنية على حوار هاديء يمتد لنصف ساعة بعد الغداء، وفي الغد أو بعده على الأكثر جلستان كل واحدة منهما تستغرق ساعة، وبعدها سأطلق قياد كل حبيس في نفسي ونفسها..وسأخبرها كم هي جميلة..بل كيف هي الأجمل!
لكني لم أتوقع أن نجلس سويا ثلاث ساعات متصلة، بعد الغداء، نتحرك يمنة ويسرة، ونغير مكاننا كل نصف ساعة ونتحدث في كل شيء.
في الساعة الثالثة كانت المتلعثمة، دفقة مفوهة، تنساب أفكارها على نحو مدهش، وتزداد تألقا وسطوعا، بل لقد أسمعتني صوتها وهي تغني أغنية إسبانية حفظتها صغيرة عن جدتها.
كنت قد كففت عن الكلام منذ ساعة تقريبا، أداخلها مداخلات استدراكية لا أكثر، كي تستمر في تحدثها، كي تعوض مخزون صمتها الطويل، كي تكشف عن كنزها (لأول؟) عابر يطرق الباب، بإصرار.
أمتن لكل الملتقيات الدولية التي تجمع روائيين شباب على باحثين اجتماعيين على متخصصي برمجيات مفتوحة على باحثي بيوكيمستري، على فتيات خجولات متلعثمات.
هل من الممكن أن تدلو باقتراحك بخصوص اللقاء القادم؟

الاثنين، 23 مايو 2011

العَرَض المتأخر


نشأت لأبوين صغيري السن..

صغيران جدا كانا..

بلغا الثلاثين، وكنت في السابعة من عمري..

كانا دوما أصغر من آباء أقراني..كنا عائلة صغيرة في السن، تضج حيوية.

لم يترهل أبي مثلما كان آباء أصحابي الذين اخترقوا حاجز الأربعين، بوتيرة حرق تكفل لهم معدلات متزايدة من الدهون المخزونة. ولم تشك أمي مما كانت أمهات أقراني يشكين.

(وكانت تستغرقني من وقت لآخر حزمة تساؤلات وجودية بشأنهما، فهل هذان الشابان جديران بأن يكونا أبوين فعلا؟ أم أن من اشتراطات الأبوة والأمومة اختراق حاجز وزني وعمري معين؟ )

حين كان أبي في نفس عمري الآن(26 سنة) كنت في الثالثة.. ألهو أمامه بالطبق الطائر الفضي الذي اشتراه لي بمبلغ خرافي في نهاية الثمانينات.

كنت أعتقد أنني سأظل صغيرا دوما، وسيظلان هما.

عمرهما سيظل ثلاثين..وأنا بكل تفاصيلي سأظل مجرد طفل يلهو بطبق طائر..مهما كبرت أو سافرت أو عملت أو تشاجرت..(كل تصرفي لهو..وكل شؤوني طبق فضي طائر).

لكن كان عليّ أن أدرك-مستفيدا من كل ما قرأت وما لم أقرأ- أن اليوم الذي سأستيقظ فيه لأجد وجهي وقد تبدل قليلا..وزني وقد زاد طفيفا..عيناي وقد تم تشذيب لمعتهما المراوغة..قلبي وقد صار دقه وئيدا.. مشيتي وقد صارت أقل سرعة.. آمالي وقد صارت أكثر تصالحا مع الحياة..أن شيئا ما تبدل.

كان علي أن أدرك أن العائلة الغضة لم تعد كذلك..وأن الأم تشكو اليوم من مرض كلاسيكي مما كانت أمهات أقراني يشكين منه، وأن الأب الفولاذي، صار يتعب فعلا عندما يمشي ثلاثة كيلومترات يوميا.

كل ما في الأمر أن الأعراض جاءت متأخرة..لكن العرض المتأخر باغتني هذه المرة من حيث توقعت ومن حيث لم أحتسب أيضا.

أحس شيئا ثقيلا..لعله العمر؟

الأربعاء، 11 مايو 2011

رقصة فالس على هامش حفل زفاف



مفتتح: "أحيانا نضطر إلى النظر لأنفسنا كثدييات، مجرد ثدييات، كي نفهم ما يجري".

يلفتني في الأفراح دوما، هذا "التمحك" المتعمد الذي تنتهجه صديقاتنا..يجئن إلى جوارنا، يوددن لو اقتربن أكثر..هن صديقات قريبات، يقع معظمهن في منزلة بين الصداقة والأخوة و"الحب المحتمل"..ونادرا ما يتحقق الاحتمال الأخير.

يتأبطن أذرعنا بموجب "تلكيكة" أو أخرى..أحيانا تدعونا بعضهن للمراقصة في ظل فوضى الفرح..وفي ظل انخراط معظم الحاضرين_من كل الأعمار_ في ثنائيات راقصة، تتحدد سرعتها وفقا لمقدار بدانة الطرفين، ومقدار حياء أحدهما، ودرجة القرابة من أحد العروسين.

"أحدثك عن هذه السيدة الخمسينية البدينة "صفية"..التي يراقصها زوجها "أستاذ مدحت" في محاكاة هزلية_تثير الضحك_ لرقصات الأزواج والمتحابين في الأفلام الأبيض وأسود".

أنا في الأفراح_شأن باقي المناسبات التي تقتضي وجود أكبر عدد ممكن من الكائنات الحية_ أقف كشاهد القبر..لا أتحرك من مكاني، أبدو جامدا صامتا، كأن الله قدني من صخر.

أتشاغل بأي شيء، كي أصادر الفرصة على أي من أقاربي أو أصدقائي، وعلى أي من قريباتي أو صديقاتي، من الاقتراب مني واستدراجي عنوة لأجواء الفرح.

"يقلن دوما أن شكلنا في البذلات عادة ما يكون أكثر جاذبية، لكني أرى الأمر على نحو آخر".

أعتقد أن أجواء الفرح بحد ذاتها، باعث للسعادة، ومثير للخيالات الوردية، ومحفز عالي الكفاءة للفتيات كي يتخيلن أنهن في مكان العروسة.

يجئن إلينا بوصفنا "ذكورا"..هن لا يقيمننا على نحو موضوعي في هذه الحالة، كلنا نبدو مهندمي الشكل، رائعي المظهر، وشركاء متخيلين في هذه اللعبة الطفولية التي يمارسنها طوعا_ بالتواطؤ المشروع مع اللاشعور_ بحيث تكتمل الثنائية المأمولة.."عريس وعروسة".

الزفاف لا يعني نفس الشيء لدى الجنسين..لكل منهما تداع غير الآخر..لكن من المؤكد أننا نفسد عليهن خيالا سلسا دفقا رائعا لأقصى مدى ممكن، حين نتحلى في الأفراح بتلك "العقلانية المباغتة" والرغبة غير المبررة في مناقشة أهم قضايا العمل، والانخراط المخلص في تباحث مستقبل زراعة الأرز في جيبوتي.

أعتقد أننا_بدورنا_ نهرب من هذه اللحظة، ونصادر إمكانية إقامتها ولو تخيليا..نتراجع حتى لنكاد نمس الجدار بكفين مفرودتين.

يبدو المشهد لكاميرا "منظور الطائر" كما لو كنا في رقصة "فالس"..هن يتقدمن نحونا، ويتصنعن الحيل، كي يلمسننا، كي يتأبطننا، كي نتماس و"نرتبط" على نحو أو آخر، بينما نتراجع نحن أمام تقدمهن..تراجع مادي ومعنوي..كأن الخمر لعبت برؤوس الجميع.

تتداعى أمامي سلوكيات إناث الثدييات في مواسم التزاوج..وتؤسفني حقيقة أن سلوك ذكور الثدييات_دوما_ مثير للغثيان باعث على الأسى والخجل معا.

أتأهب لعدة أفراح قريبا، وأدرس خططا كثيرة للإفلات من رقصة الفالس الإجبارية التي سننخرط فيها، لكنني بيني وبين نفسي، أفكر أحيانا في التخلي عن دور "الحكم الألماني" الذي تعينه الفيفا لمباراة ما قبل النهائي.

الاثنين، 18 أبريل 2011

حد التلاشي


أفهم الآن لماذا أبدو في السن صغيرا جدا.. تصغرينني أنت ب6 سنوات كاملة، ويبدو وجهك (ومن له من الحسن نصيب وجهك؟) أصغر من عمرك الحقيقي ب4 سنوات.

ومن ثم نبدو سويا كطفلين معا..

وأنت تعلمين أن التناسق الكوني يفرض نفسه علىنا، فعلاقتنا ليست مجرد تكرار عابر للعلاقة البشرية المفترضة بين رجل وامرأة (طفل وطفلة في حالتنا)..بل هي استثناء مكتمل الأركان، يفرض قواعده على الكون ويقبل من الكون أن يدلو بدلوه ليتواطأ في إتمام هذه العلاقة بكل ملابساتها المباغتة للمعتاد الإنساني.

يمكننا أن نظل على هذا النحو..يمعن الكون في خصم السني المنقضية من عمري، ويتفنن في استدراجك للخلف سنين عددا

.. نصغر نصغر..إلى أن نتلاشي..

ثم نلقتي أرواحا في العالم الأول..ونصير سويا تارة أخرى.

(سبحان من خلق من كل نفس زوجها)

الثلاثاء، 12 أبريل 2011

لماذا تبدين في المساء أجمل؟


لماذا تبدين في المساء أجمل؟ أعود بعد يوم عمل طويل، أحرص على التعطر قبل النزول من السيارة، مفاتيحي تصلصل في سكون الحادية عشر مساء..أفتح الباب فأراك_ولله در من يراك_ جالسة أمامي على كنبتنا المنزلية المفضلة..وبجوارك يرقد صغيرنا ذو العام الواحد. ما الشيء الغريب فيك الليلة؟ ألوان ملابسك ؟ درجة الإضاءة مع البرواز النصفي الرائع الذي أهدته لنا ماريا؟ شيء ما فيك ساطع أو متألق..مشرق مبهج..حاضر..لا أدري. نهاية القول: أنت الليلة أجمل، الصورة أجمل، كأن كل لون يعبر عن نفسه منفردا، وكأن كل تكوين في أثاث شقتنا الصغيرة، جاء ليتراص حواليك على هذا النحو كي أرى هذا المنظر الفائق الحسن. (أقف مكاني ثابتا، والخشوع مستحب في مواضعه) أنظر إليك طويلا، أنظر إليك عميقا..تلتقطين الخيط. لا تردي، ولا تستفسري، فالمسكين الآن أسيرك. أود أن أمازحك مزحتنا اليومية المشتركة: حبيبتي يا أسوأ زوجة في شمال أفريقيا..أخبارك إيه؟ لكن شيء ما يلجمني.. يمس باطن كفي ظهر يدك..فأرتعد رعدة خفيفة بداخلي، وأعيد تقييم حياتي بكاملها في لحظة : أنا سعيد! تمتد يدي لتطوق كتفك..تريحين رأسك على كتفي..تفطنين إلى أن رائحتي من عطرك المفضل..نجلس ساكتين..في حوار لا ننطق فيه لفظا..لكن كل منا يدرك ما في نفس الآخر. وابننا بجوارنا نائم. رغما عنك يجرحني إظفرك..أهون عليك الأمر، وأقول بيني وبين نفسي: سهمك نفذ في، فلا ضير من جرح الإظفر..وما أحب إلى دما من دم على يديك سال. أقوم لأتحمم تحممي الليلي قبل النوم، بينما أرقب من طرف خفي، قميصي في حضنك..تتنسمين رائحتي.

الأحد، 10 أبريل 2011

فصول غير مدونة من سيرة دون كيشوت


بالتبادل، تتردد الجمل بداخلي:

"هؤلاء جنودي وقد دربتهم جيدا وأعرف كيف سيتصرفون..لن يتراجعوا أبدا"

The man in the iron mask


"مجانين..أريد مجانين"

فتح الله كولن


"انفض ثقيل حملك واتبعني يا أخي"

أنا


"اضربوا عنق السائل"

أبو مسلم الخراساني


"إنا نرجوه للناس من بعدنا"

الإمام أبو حنيفة متحدثا عن أبي يوسف


"أنا أؤلف الرجال والرجال يؤلفون الكتب"

جمال الدين الأفغاني


"آلبرت..كف عن إخبار الله عما يجب عليه فعله!"

نيلز بور


"رق الزجاج وراقت الخمر/فتشاكلا فتشابه الأمر"

ابن عربي

الاثنين، 4 أبريل 2011

فتنة المنصة


وقفت اليوم حيث أيقنت يوما ما أني سأقف.. أحاضر في جامعتي، في نفس المدرجات التي طالما شردت فيها أثناء دراستي، لأتخيل اليوم الذي سأعتلي فيه المنصة ، بينما يذهب المملون الذين يدرسون لي_حينها_ إلى أقرب مركز تعليم تريكو.

مبكرا كنت أحس أني منتصر تماما في كل الجدالات التي خضتها مع أولئك "المملين"، حتى لو لم يبد الأمر لهم ولا لزملائي كما أراه أنا ساعتها. فكرت كثيرا، قبل أن أقف محاضرا في فن/علم الصحافة ..

كيف سيكون الأمر؟ من المؤكد أن السماء سترعد مع بسملة البداية..ستبرق..ستهطل الأمطار..سيحدث شيء ما كوني إيذانا بتلك اللحظة..سيومض الماضي قبالة عيني بغتة فأرى كل شيء..سيحدث شيء ما فوق ما أتخيله..سيحدث..بالطبع سيحدث شيء كهذا..

كنت أتحسب للمشاعر التي ستنتابني أثناء المحاضرة الأولى أكثر مما كنت أتحسب للمادة العلمية التي سأقوم بمناقشتها مع الطلاب . لكن كل شيء جاء على غير ما توقعت، وقفت ثابتا_برأيي_ جامدا، أتحدث: عن كيف ينبغي أن نفكر كصحفيين، كأنما هي محاضرة ألقيها منذ عشرين سنة..

لم تبرق السماء ولم تمد الأرض..كل شيء كان منتظما دقيقا لأقصى مدى ممكن.. تمتد يداي لتتحسسان الأقلام الفلوماستر التي سأكتب بها على السبورة، بينما أكبح شيئا ما طفوليا يدفعني دفعا لأن أرسم على السبورة بدلا من أكتب عناصر وإشادات المحاضرة..أقول لنفسي: هذا هو القلم الذي طالما تمنيت أن ألعب به يوما ما.

أتفرس في الوجوه عن موهبة كامنة، عن شاب طموح، عن بنت ذكية..أحس مهمة ما على كاهلي أصعب من أن تحتملها جوارحي..أنوء بها وإن الجبال لتنوء بنصفها بددا..

الأمر يتحول لأمانة أمام الله ورسوله، أكثر منه مجرد "دردشات" صحفية، يظنها طلاب طيبون "الحكمة المقطرة"..أفهم في لمح البصر قول تلامذة الإمام مالك: جالسناه عشرين عاما..ثمانية عشر يعلما آداب العلم..واثنتين العلم.

أحسني مسئولا عن هذه الوجوه البريئات، عن هذه الأحلام الغضة التي تعتمل في نفوس "بعضهم"..وعلي استحياء عذراوي هش.

أتحرك في المدرج الصغير، كي تتحرك عيونهم معي..درءا للمل وللفتا للانتباه، أعلو بصوتي وأخفضه، أمازحهم وأنتقدهم..أود أن أجرهم جرا إلى عالم وسيع..أن أكسر القيود التي ترزح تحتها عقولهم..أن أحطم أصنامهم..أن أقول لهم انطلقوا واحلموا وفكروا..امزحوا وافرحوا..تعلموا هذه "الصحافة" وأنتم سعداء..لقد اخترتم مهنة مدهشة، ستظل تواليكم بمفاجآتها حتى النهاية..نهايتنا لا نهايتها..فهي ستظل..ستظل..ستظل.


أسترجع كل خبراتي، وأفتش في أوراقي القديمة: هذه ملاحظة دونتها خلف نك جوردون، وتلك قصاصة أحتفظ بها لسيمور هيرش، وهذه صور توثيقية التقطتها من داخل مقر واشنطن بوست.. هذه قصة ينبغي أن أخبرهم بها..وهذه خبرة اكتسبتها من سفرة السودان ينبغي أن أقصها عليهم..وهذه فكرة قرأتها في كتاب وأعتقد أنها ستدفعهم للأمام بضع خطوات..

أتحرك بينهم، لكن شيئا ما يستوقفني: هؤلاء الطلاب يشبهون زملاء دفعتي بالضبط..شبه شكلي ونفسي يكاد يكون متطابقا بصورة تدعو لتساؤلات أكثر من وجودية. هذه الفتاة متحمسة كفلانة التي كانت في دفعتي، وهذه رعناء كتلك، أما هذه فإنها طيبة كأنها زميلتي الطيبة..وهذا خجول مثلي..وهذا مفتقد للثقة في نفسه..وهذا لو ركز قليلا سيصير صحفيا ذكيا..كل واحد منهم يشبه واحدا من دفعتي على نحو كاربوني...

تقودني قدماي رغما عني للمكان الذي كنت أجلس فيه أيام كنت طالبا، في تلك البقعة.. تحديدا حين كنت أتمنى أن تقترب "إياها" صدفة كي تجلس هنا..كي أتغذى بالنظر إليها..عوضا عن خجلي المطبق الذي يحول بيني وبين التحدث إليها في هذه الأيام.


أستغني عن المايكروفون، يبح صوتي، أحسني كما لو كنت في مشاجرة عنيفة دامت ساعتين، لا في محاضرة عملية عن الصحافة..حين أحس شيئا منتعشا في أرواح "الأولاد"..أقول بيني وبين نفسي: هي الأمانة..وهم يتلقفونها..وليغفر الله لنا فيما قصرنا.

الخميس، 24 فبراير 2011

لماذا قتلت أمن الدولة القط مشمش في سجن طرة؟ (من وثائق عاصمة جهنم)


في معتقل طرة، كان القط مشمش ينتقل بين زنازنة وأخرى، يتلقفه المعتقلون بحنو فائض وسعادة بالغة، كانت الأيدي تمتد تتحسسه بمودة صادقة، كان ثمة شيء ما أعمق في علاقة الطرفين ببعض.
كان مشمش عوضا وأنسا للبعض في عزلة الحبس الانفرادي، ومصدر دفء وسعادة للبعض الآخر ممن انتهت علاقتهم بالعالم الخارجي واعتقدوا أن حياتهم ستمضي للأبد في ظلمات المعتقل وأهوال التعذيب.
وكان من الطبيعي أن تتطور علاقة المعتقلين مع مشمش في مثل هذا الظرف النفسي الصعب الذي يعايشونه..في إعادة لواحدة من أدبيات العلاقة المركبة بين الإنسان والحيوان، في مشهد دقيق وفذ تبوح الطبيعة فيه بواحد من أرق أسرارها.
شيئا فشيء التفت المعتقلون أن مشمش قد يكون رسولا مثاليا بين الزنازين، فهو الوحيد الذي يتنقل بين الجميع ويلقى معاملة خاصة من كافة التيارات على اختلافها، ويبدو مصدر الإجماع الاستثنائي وسط طوفان من التشكيك والتخوين والتخويف (هذا أمن وذاك جاسوس).
ربطوا في عنق القط كيسا قماشيا صغيرا يبدو كما لو كان علامة تدليل من جانب المعتقلين لمشمش، الذي تتغاضى إدارة المعتقل عن الالتفات له أو لعلاقته بالمعتقلين..فمشمش مثل باقي قطط المعتقل يعمل على اصطياد الفئران..ولا ضير من أن يعتبره البعض واحدا منهم..أنت تتحدث عن معتقلين فقد بعضهم عقله تحت وطأة التعذيب وراح البعض يناجي حشرات السجن ويتحدث مع الجدارن.
لم يمض وقت طويل حتى تحول مشمش لأهم حلقة اتصال بين جميع الزنازين..يحمل رسالة من هذا لذاك، ويحمل توضيحا من هؤلاء لأولئك..كان مشمش نشيطا سريعا شقيا بهوجا ينبض بالطاقة والحيوية، وبدا من سلوكه الفسيولوجي المتغير أنه يدرك بطريقة ما طبيعة ما يفعله، وأهمية الدور الذي يقوم به.
ولخطأ، كان ضروري أن يحدث يوما ما، اكتشفت إدارة المعتقل طبيعة دور مشمش، وحين أمسكه ضابط أمن الدولة الشرس بين يديه وقرأ تلك الرسالة_آخر رسالة كانت_ لم يملك أعصابه..استشعر مشمش شيئا ما..ففر داخل العنابر والزنازين..لكن كانت الواقعة قد وقعت.
استدعت أمن الدولة فرقة عساكر التأديب، ثم بدأت مراسم الجحيم، دماء في كل الزنازين، وصراخ وبكاء..سحل وضرب..
وحين وصل الأمر لمشمش جاسوس المعتقلين المدرب وكائنهم اللطيف المدلل..كان الأمر واضحا حاسما من أمن الدولة: اقتلوه!

(القصة حقيقية تماما، وحدثت في نهاية التسعينات في سجن استقبال طرة العنبر (د)، والقصة وثقها والدي محمد الدريني وحكاها لي)

الأحد، 20 فبراير 2011

الميلاد 26..خيانة الفسيولوجي..أو ما أدعوه أمنية الساعة الرقمية




يبدو الأمر هذه المرة أشبه ببنيامين بوتون..الشكل والملامح يسيران في اتجاه عكسي مع العمر.
أقصى تقدير عمري حصلت عليه حتى الآن: عندك 19 سنة!
بل يبدو أن هناك تلازما أبعد وأعمق من مجرد شكل أقرب للطفولي، أسعى لتغييره من وقت لآخر نزولا على ضرورات العمل ولمتطلبات اجتماعية سخيفة، تدعم من موقفك لو كنت تبدو في السادسة والعشرين أكثر مما ستدعمه لو كنت تبدو في التاسعة عشر.

هناك شيء ما أعقد وأكثر تركيبا من أن يتم اختزاله في الشكل..أنا بالفعل، أرتد للوراء عمريا!

(جسم في السادسة والعشرين، شكل في التاسعة عشر، قلب في الرابعة عشر، أمنيات في الثامنة من العمر).
عيد ميلادي الفائت لم يكن سعيدا كالأربعة الذين سبقوه..كان فيه مسحة حزن طفيفة، لولا ضفيرة ضوء رأيتها تتغشاني في هذه الليلة فأدركت أني لازلت على خير.
لكني هذه المرة أحسني خفيفا لدرجة غير طبيعية،أحيانا أتخوف من أن أكون مجرد شبح يعتقد أنه لازال في قيد الحياة.
لا شيء سار كما خططت له ولا كما توقعته، فهمت الآن فقط كيف يسير القدر وكيف يرتجل وكيف عليك أن تتجاوب.
ضاعت ملابسي كلها مرتين هذا العام! وضاعت مكتبتي مرتين!
لكن الله عوضني ملابسا خيرا من ملابسي ومكتبة خيرا من مكتبتي..(مش بقولكم بقيت حاسس إني في الدار الآخرة).
لم أقص شعري منذ أكثر من عام، غيرت سكني (منفردا هذه المرة) ثلاثة مرات، تعلمت قليلا من الطهو، كثيرا من قيادة السيارات، ونذرا ضئيلا من اللغة الإيطالية، ومباديء عامة عن الموسيقى وكيفية العزف على الآلات الوترية، وتصفحت الكثير من مجلات الديكور والأزياء، ودرست_متعمقا_ تاريخ العسكرية المصرية، وعقيدة الدبلوماسية المصرية.
أحس كل شيء مختلفا، أود أن أساعد الناس جميعا، أن يذروني الله رياحا فتهب على كل بما تشتهي نفسه.
لقد تحققت هذا العام واحدة من أكثر الأمنيات إلحاحا في نفسي: أن أنام في سرير أقرب للصندوق، (راجع:
فصل من سيرة المكعب)، وهو ما حدث بالفعل، فسريري محاط بمكعب ينقصه ضلع واحد فقط، وأتقوقع بداخله كيف شئت متى شئت.
الأمنية التي تراودني، منذ الأمس، كطفل يتيم حالم : أن أشتري ساعة رقمية كاسيو!
لم؟ لا أعرف..فهل تعرف أنت؟

الخميس، 17 فبراير 2011

عقيدة باول..عقيدة طنطاوي..عن الجيش المصري


على خلفية انهيار الاتحاد السوفييتي، وبعد حرب الخليج الأولى 1991، صاغ كولين باول رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الأسبق ما صار يعرف فيما بعد ب"عقيدة باول"، وهي رؤية باول لدور الجيش الأمريكي في الحياة العامة بعد انهيار (موسكو).
وكانت الصياغة ردا على بعض المطالبات بتدخل الجيش الأمريكي لمواجهة الفساد الداخلي في الولايات المتحدة من عمليات غسيل أموال وتجارة مخدرات وخلافه، بعد الخواء الكبير (نفسيا قبل أن يكون استراتيجيا) إثر انهيار أكبر المنافسين.
عبر باول في رؤيته عن رفضه لزج الجيش في مثل هذه الأمور، تاركا إياها للشرطة، محددا أن الجيش ينبغي أن يقوم بحماية الولايات المتحدة وتنفيذ طموحاتها العسكرية_وفق استراتيجيات نفسية وحربية كاسحة_ تعلي من هيبة الولايات المتحدة وتضع واشنطن على عرش العالم دوما..وبلا منازع.
أسوق الملابسات السابقة في معرض الظرف الذي تتعرض له مصر الآن والذي تقاطعت فيه الأسباب لتسوق قدر مصر ليد "الجيش"..وهي يد بيضاء فيما أوقن، نزيهة بما يتواتر، حانية كما ثبت، خشنة في وجه آخرين لا تعلمونهم الله يعلمهم.
وفيما ينادي البعض على استحياء _يخذله، على ضعفه وهوانه، حماية الجيش للثورة_ بأن تعود القوات المسلحة أدراجها في أسرع وقت ممكن، وأن تترك المهمة للمدنيين الرائعين، أحسني مضطرا للاختلاف علانية.
فقد ألمح الجيش في أحد بياناته إلى أنه "يناشد" الجماهير العودة لمنزلها غير مستند على "سلطان القوة". وهو إلماح لإمكانية الجيش حسم كل شيء وبسرعة، لولا أن عقيدته هي حماية المصريين وليس توجيه رصاصه إلى صدورهم.
***
"لما نيجي نحارب إسرائيل هنحاربها بمين؟ بيكم إنتم..إنتم اللي هتدافعوا عن البلد دي وإنتم أساس الوطن ده"
كانت هذه هي كلمات اللواء إسماعيل عثمان رئيس قطاع التجنيد سابقا ورئيس قطاع الشئون المعنوية حاليا والرجل الذي اضطلع باديء الأمر بإلقاء بيانات الجيش.
كان هذا "التوضيح" من جانب إسماعيل، في خطابه لنحو 25 ألف شاب من الحاصلين على الليسانس أو البكالرويس أثناء تقدمنا لأداء الخدمة العسكرية في القوات المسلحة عام 2006، ورغم أن غالبية المتقدمين ساعتها حصلوا على تأجيل فإعفاء، إلا أننا بعد 3 ساعات من الحوار مع إسماعيل حول الجيش المصري وحول علاقتنا به وكيفية التحاقنا بصفوفه خرجنا على يقين تام أننا نتعامل مع مؤسسة تحترم إنسانيتنا وتقدر عقولنا، وتثمن منا درعا للوطن..وكان هذا الخطاب امتدادا طبيعيا لمحاضرات التربية العسكرية أثناء الدراسة الجامعية والتي دأب الضباط المدرسون من خلالها على تأكيد أننا إخوتهم وأبنائهم وأبناء أعمامهم ولسنا بنظرهم موضع اضطهاد أو استباحة مثلما يفعل ضباط العادلي قبح الله مواضعه حيا وميتا.
***
ومن هنا فإن "الباوليين" وإن اختلفت دوافعهم، على تشوشها وسوء قياسها التاريخي وبلادة استشرافها المستقبلي، في إعادة الجيش إلى ثكناته، يبدون بنظري لا يعلمون شيئا عن الجيش ولا عن السياسة ولا المجتمع.
أنا مع بقاء الجيش في الشارع تماما وإن طالت الأشهر إلى أن تتشكل خلال تلك الفترة علاقة جديدة بين المواطن والوطن يحس فيها المصري أن الشارع له وأن البنيان ملكه وأن الحق حقه، وأنه ليس من حق شرطي مهما كانت رتبته أن يهدده أو أن يأخذ حقه.
أن يحس أن "سلطان قوة" الجيش قاهر فوق أعناق الفاسدين الذين نهبونا، وأننا سنسترد حقوقنا من أكبادهم رغما واقتدارا، أن يحس أن ضباط هذا الجيش العظيم أقسموا الولاء لمصر وشعبها لا لغيرهم، وأنهم خط دفاعه الأخير ودرعه الذي لن يتبدد، وأن يرى محاكماتهم تباعا ليشفي غيظ قوم مؤمنين.
وربما كان الرهان على الجيش هو سر التفاعل الحميمي المدهش بين الجيش والشعب الذي لازالت وقائعه قائمة..ففي كل ميدان وبجوار كل دبابة، مواطنون يلتقطون صورا تذكارية، وفتيات يقدمن الزهور لعساكر الجيش وأمهات يقبلن الضباط والمجندين، أنا شخصيا يتم استيقافي بواسطة سيدات في نهاية الأربعينيات كي ألتقط لهن صورا بجوار أفراد الجيش.
الحالة كرنفالية رائعة، عاطفية جياشة، تليق بمشاعر متداخلة مضطربة، بعد مشهد التحرير على مدار 18 يوما والذي بدا فيه أقرب لرؤية توراتية، منه لأرض واقع، أو حتى للدراما وفنون الإخراج!
***
أتذكر لقائي بأحد الضباط المرموقين قبل أعوام بعيدة وهو يقسم لي أنهم لن يتركوا فاسدا في هذا البلد، وأنهم سيأخذون حقنا من لصوص السعادة وعصابة السطو على مستقبل الوطن، وأتذكر قناعته بأن مصر لأبنائها، لا لجيش ولا لشرطة ولا لنظام..فقط الجيش خط دفاع الشعب الأخير.
حضرة الضابط..صدقت وعدك وناصرت شعبك..لك التحية إن كنت ما تزال حيا..وعليك الرحمة إن كنت في جوار من لا يغفل ولا ينام.

الأربعاء، 16 فبراير 2011

الجزء الذي لازال بالتاسعة من العمر


لازلت أحتفظ في جزء مني بشخصي وأنا في التاسعة من عمري..


حين أنفرد بنفسي_ وما أكثر الانفراد وأقل الوحشة_ آمر بقية الأجزاء بالكف عن العمل، أطفيء كل الأنوار إلا نور هذا الجزء..ثم آذن له..انطلق.


أعود إلى هذه اللحظة تحديدا، وحيدا في الشقة، كل أفراد الأسرة غير موجودين..أتسلق الدولاب الكبير، ألتقط مجموعة الأدوات المعملية التي أهداني إياها أحد أصدقاء أبي لما عرف شغفي بالعلوم، أتناول المخبار المدرج، أملأه حبرا (أي شيء يصلح كي يبدو مادة كيماوية) وأضع في الدورق عصيرا(مادة أخرى)، ثم أذهب لأواني الزرع في البلكونة وأجري تجاربي على زهرة البوتس المسكينة : عصير وحبر..أو عصير على حبر..ثم أنتظر النتائج.


لا ينمو الزرع بصورة مباغتة كما كنت أتوقع..أيأس قليلا وأذهب للداخل كي أتخيل أمرا آخرا يمكنني أن أفعله.. ثم انطلق..


كان يومي مفعما بالتجارب : أشيد بيوتا وجسورا وأسلحة ومعامل ومشافي وقصورا..ولكل تفصيلة في القلب مرد.


وقبل أن يتوافد أفراد الأسرة على المنزل مرة أخرى..يعود كل شيء لمكانه، وأبدو أمامهم طفلا وديعا يستمتع ببرامج التلفزيون وقراءة المجلات المصورة.


حين آذن لهذا الجزء الآن بالانطلاق لا أحسني مثقلا بحقائق الحياة، أتخفف من قيودي قيدا قيدا..وأحس فورة في نفسي..أحسني طافيا..طيفيا..نورانيا..جميلا..فوق كل شيء.


أمارس هوايتي في سكب العصير والحبر على نبتة حياتي..يواجهني مدرائي: كف عما تفعله وافعل ما يتطلبه العمل!


حين يضيق خناق المجتمع علي..أرد بعنف..مستعدا لكل الخسارات..لكني لن أخسر هذا الجزء : أنا في التاسعة.


أترك العالم يضج بما يموج فيه، أتناول عسليتي المفضلة، أعيد تلاوة قناعاتي مرة أخرى، أحاكم كل الآخرين، بمنطق طفل في التاسعة..


فأسامحهم على الفور.


فليأخذوا هم عالمهم إلى حيث يريدون..ولأقبع أنا هنا..حيث تنتظرني مهام جسام.


(أنا الولد الذي سيغير وجه العالم)


إذا أردت أن تغير العالم معي: فاجلس وحيدا، وأطفيء كل الأنوار إلا نور الجزء الطفل..وامرح معه..