90s fm

الأربعاء، 26 ديسمبر 2012

الحب في غرفة المونتاج



في غرف المونتاج المظلمة، قضيت ساعات طوال، مع هذا المخرج وذاك المونتير. أقول له أريد هذا المقطع هنا، ولا أريد هذا المقطع هناك.
نجادل بعضنا لأجل المعنى والمغزى والصورة والتماسك..والجمال.
صناعة الأفلام الوثائقية، كانت نافذتي السحرية لغرفة المونتاج، حيث الكثير من دخان السجائر والكثير من الأكواب الفارغة..إلا من بقايا الشاي والقهوة والنيسكافيه. بجوار الأجهزة الفضية الصلدة من طراز آبل ماكينتوش.
في المونتاج تعلمت سحر العالم..سحرا يؤثر.
ذات مرة..كنت في مونتاج فيلم صورناه في الشارع، قضينا في تصويره ساعات طوال، وقد انهمكت تماما في مراجعة هذه الساعات التي صورناها.
ألاحظ في غرفة المونتاج بعيدا عن صاخب الشارع الذي استغرقني، أن هناك في الخلفية وسط الزحام، قصة حب تتطور بين ولد وبنت.
كان التطور مدهشا لي: نفس الوتيرة التي ألحظها في كل العلاقات العاطفية تقريبا..
كانوا مجموعة من الشباب الجامعي الذي يختلس كل منهم النظر إلى شريك/شريكة محتملة في الرحلة الأرضية، ولو على مداها القصير.
كان بطلاي، كما بدا لي، لديهما إرث من المناوشات الطفيفة المشتركة، لكن اليوم الذي خرجوا فيه سويا، أخذت هذه المناوشات تفرض نفسها وتفصح عن نفسها مدفوعة بقوة الطبيعة الأم.
كان هناك خط مغناطيسي رابط لتحركات كليهما..أخذت أرصد وقفاتهم أثناء التقاط الصور الجماعية ( تاركا الفيلم الذي في يدي والذي علي الانتهاء من بناء تتابعاته ومقاطعه!) وانهمكت في متابعة كيفية حركة كليهما داخل الجماعة وكيف يسترقان النظرات والابتسامات.
رسمت مسارات حركتيهما: تحركاته باللون الأزرق وتحركاتها باللون الأحمر داخل حلقة الأصدقاء الجامعيين الفوضويين كثيري الحركة واللعب والتقافز..
بدا الخطان كما لو كانا يتناغمان في شكل فيزيائي من أشكال العلماء الأوائل وهم يصفون تحرك الإليكترونات حول النواة، بديا كما لو كانا رسمان من عالم ميكانيكا الكم/ الكوانتم، بديا طرفا مغزولا على نفسه..بتقاربات وتباعدات سرعان ما ترتد لبعضها البعض مرة أخرى كي تلتقي في نقطة بعينها.
بديا في رقصة خاصة داخل الجماعة.
وهكذا الحب، مغناطيسية تربط طرفين داخل الجماعة، فتشق طريقا خاصا يسلك في الأرض سبلا فجاجا.
استغرقتني اللعبة متأثرا بتجارب الفيزياء الاجتماعية التي كانت ترصد سلوك الناس داخل محطات المترو عبر كاميرات المراقبة ( كيف يسيرون وكيف يشكلون ممرات متبادلة للمشي في اتجاهين وكيف تتصادم الأجساد وكيف تتفاعل الجماعة داخل الحيز).
عدت لعملي مرة أخرى، وأخذت أستبعد بعض المقاطع من مقابلات الضيوف التي يجري على خلفيتها كل هذا الضجيج الكوني والاحتشاد الهرموني.
كانت المفاجأة أكثر إدهاشا لي : كلام الضيوف منتظم ومتسق..حسنا فهذا عملي وهذه حرفتي. لكن مع الاستبعادات المتعمدة من كلام الضيوف، كانت المقاطع في الخلفية تحكي نفس الحكاية بلا خلل!
كانا يحبان بعضهما البعض ويدوران خلف بعضهما البعض..لا يخل باجتزاء المقاطع أي تسلسل في حكايتيهما سويا.
حينها تركت غرفة المونتاج والمونتير الصموت المدخن..ونزلت إلى حيث صورنا هذا المقطع.
وقفت نحو ساعتين أستعيد المشاهد، وأراقب المشاهد الجارية الآن.( والمقارنات تمزق مخي)
خطفتني حقيقة مدهشة: كل الكون متناغم، وكل الحكايات متوازية ومتقطاعة.
قل لها أحبك الآن..وغيرك سيقولها في نقطة أخرى بالضبط. ولو تجردت من بشرانيتك، ورأيت ما يجري في الطابق الأسفل من العقار الذي تجلس فيه الآن..سيدهشك أن غيرك يقول شيئا ما بنفس المعنى.
هناك ملايين المسارح المنصوبة، أنت في عربة المترو بطل، وفي المحطة بطل مساعد، وكومبارس في الشارع، وتعود لبيتك كي تصبح بطلا مرة أخرى، وهكذا دواليك دواليك..كلنا مستغرقون في الدراما الكونية..دراما حياتنا ودراما حياة الآخرين.
استنتاج: الكون وكل حكاياه ليسا متناغمين فحسب..بل هناك مخرج فذ يشاهد كل هذا، ويراكم انطباعات عنا، ويعرف عن يقين كيف تجري كل حكاية هنا وهناك.
وأنا الآن أترك هذه التدوينة من يدي وأحدق مبتسما في وجه المخرج.


الجمعة، 21 ديسمبر 2012

السلفيون..من تجارة الهريسة لمقاولات الأفكار




يلفتني منذ منتصف التسعينات، اختصاص أفراد منتمين للتيار السلفي بصناعة وتجارة الهريسة في أكثر من محافظة من محافظات مصر، بصورة تبدو مثيرة للتساؤلات بقدر ما تدعو للدهشة.
استوقفني الأمر في كل مرة احتككت بها بأحد محال بيع الهريسة..دوما هناك رجال ملتحون (أقرب إلى البدانة)..يبيعون الهريسة على خلفية قرآنية بصوت أحمد بن علي العجمي.
ضمنت الملاحظة في سلسلة تحقيقات أجريتها عام 2007 حول السلفيين في مصر (الانتشار والقناعات..المرجعية والزي..الشيوخ والأتباع..إمكانات التحول الكامن..الدور المستقبلي الذي قد يلعبه السلفيون في مصر).
وفي لقاء مع خبير الحركات الإسلامية حسام تمام،رحمه الله، فكر معي في الأمر قليلا، ثم قال: يعتقد السلفيون في حديث شريف يقول بأنه سيجيء يوم على الأمة يدخل فيه المال الحرام في رزق كل مسلم إلا الراعي في الصحراء.
ومن ثم فإن السلفيين يتخوفون خوض مغامرة العمل في صناعات أو تجارات أو مهن مركبة أو ذات مراحل معقدة، قد يتخلل الحرام "المرتقب" أيا من مراحلها.
لذا فإن الهريسة_كجزء من تجارة الحلوى_ تمثل صناعة بسيطة،ويمكن إخضاعها لمقياس الحلال والحرام بسهولة.
إلا أن السلفيين في السنوات السبع الأخيرة، تملكوا بصورة كبيرة زمام تجارة مستلزمات الكمبيوتر، ففي مولات الكمبيوتر بالقاهرة، لا يخفي الانتشار السلفي..
فهناك دوما رائحة بخور سعودي في بهو المول، وهناك دوما قرآن بصوت أحمد العجمي..وهناك الكثير من "جزاكم الله خيرا"..و"اتفضل يا أخي".
وهو تحول حمل من الدلالات، ما لا يجوز معه الاستغراب اليوم من انخراط السلفيين بغتة في الشأن السياسي العام على هذا النحو. فالسلفيون يتطورون زمنيا ويطورون من أهدافهم وتجربتهم، فالانقطاع عن العالم لم يثبت جدواه كوسيلة تعايش، ولا اعتزاله ممكن عمليا ونفسيا.
السلفي مطمئن أكثر مما نعتقد..هو شخص يقيم كل الأمور على مقياس واحد فقط (حلال أم حرام؟)..ومن ثم فإنه لا يواجه الكثير من الأسئلة الوجودية والقيمية التي تنتاب التيارات الأخرى.
الأمر بنظره حلال أم حرام؟ وتحديد الحلية من الحرمانية أمر محدد سلفا..له معايير ومقاييس دقيقة للغاية..
كل أمر وشأن في العين السلفية يمكن قياسه على هذا المعيار ..
(الديمقراطية تعني حكم الشعب للشعب)..
جملة كهذه حين تطرحها أمام الذهن السلفي، لن يتم التعامل معها على النحو الذي سنفكر نحن فيه..فهي جملة تحتوي مجموعة من المعطيات التي ينبغي إخضاعها بداهة للمعايير الصارمة..
الديمقراطية (كنظرية غربية هل هي حلال أم حرام؟ وهل لو ثبت جدواها يجوز للمسلم الاستعانة بنظريات الغرب ونقلها أم لا؟)
حكم الشعب للشعب؟ هل يجوز أن يحكم الشعب في ظل حكم الله؟ ولو جاز هل يحكم الشعب وفقا للشريعة المبينة أم أن هناك مساحات للاجتهاد والتغيير؟ وإذا جاز فهل يجوز أن تحكم جماعة بعينها باقي الأمة؟ وما هي مواصفات هذه الجماعة في هذه الحالة؟
كل مرحلة من مراحل التساؤل تخضع لسلسلة من المداولات والمشاورات الفقهية الصارمة التي تجيد المدرسة السلفية تمرير الأمور من خلالها.
يفخر السلفي بهذا البنيان الصارم، فهو يستند إلى أصول علمية ليس بالهين الإحاطة بها، لذا فإن هناك دوما دروس في علوم الشأن الإسلامي يتدارسها السلفي بدأب وانقطاع عسكريين.
وهذا التدارس، يضع السلفي أيا كان مستوى تعليمه الذي حصل عليه، على قدم المساواة مع الأزهري الذي تبددت سنو عمره الشابة في غياهب المتون وفي هوامش الرسالات!
وهي إحدى نقاط الضعف التي طورها التيار السلفي على مستوى أفراده، وهناك تسجيلات مرفوعة على موقع يوتيوب لمفتى الديار المصرية د.علي جمعة، يسخر فيها من تقعرهم الخاوي الذي لا يستند على قاعدة علمية بعمق تلك التي يستند عليها الأزاهرة الأشاوس!

ومن ثم فإن السلفي شخصية مغايرة عما يعتقده قطاع واسع من الناس حوله، فهو ليس الشاب الفقير الذي قرأ كتيب فتاوى سعودي من هذا الطراز الذي يحرم الغناء وارتداء المناظير الشمسية، ويدعو الرجال لإطلاق اللحى والنساء للانتقاب..ويختلس النظرات للسيدات الجميلات، ويتمنى لو اغتصبهن بعد انتهاءه مذاكرة فتوى ابن تيمية مساء كل ثلاثاء.
السلفي شخصية أعمق وأعقد مما يشاع، هو شخص له زيه الخاص، جلباب أبيض سعودي مكوي بعناية..دوما متعطر برائحة من تلك الروائح البدائية البشعة (الياسمين خاصة)..يصحو مبكرا لصلاة الفجر، ويمارس أحيانا رياضة رفع الأثقال (المؤمن القوي خير)..يواظب على دروسه من حديث وسيرة وفقه بانتظام صارم.. وينتمي عادة لإحدى محافظات الدلتا..ويميل لامتهان المهن التي لا تتطلب الحركة الكثيرة فهو عادة يبيع شيئا ما، هريسة أو مستلزمات كمبيوتر أو ملاحف وحليب نوق.
يحلم بالزواج من فتاة تحوز صحيح مسلم، لأنه يمتلك صحيح البخاري ومن ثم فإن بيتهما سيكون جنة لصحاح الأحاديث وموئلا لصحيح الدين (على فكرة واحد صاحبي سلفي اسمه محمود كان هو ده حلمه بالظبط وصارحني به اكتر من مرة).
وإذا كان متزوجا يحلم بابنه الأول معاذ أو البراء أو مصعب أو عمار..أو بابنته حفصة أو نسيبة أو أي اسم يصعب تذكره بسهولة.
شخص راسخ واثق في نفسه لأنه ينتمي لأفراد الفرقة الناجية (كلهم في النار إلا واحدة..)..مستعد لمجابهة الآخرين (هداهم الله)..متأهب دوما لخوض المعارك لأنه يمتلك حيثيات إطلاق الحكم..فكما قلنا كل شيء إما حلال وإما حرام.
وحين تضغطه الظروف، ويهاجمه الجميع، سيقول قول الشيخ محمد حسين يعقوب "البلد بلدكم مش بلدنا..نحن نريد الجنة".
(المقال أعلاه منشور من نحو عام ونصف، وأعيد نشره الآن هنا على المدونة، دون الانطلاق من أي أغراض هجائية، هي فقط محاولة للفهم، جابنها الصواب أم جافاها، كليا أو جزئيا)