90s fm

‏إظهار الرسائل ذات التسميات هرتلات منمقة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هرتلات منمقة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 14 أكتوبر 2012

الرأسمالية وتدريبات يوم القيامة..في كواليس المؤسسة العالمية



أقف أمام ماكينة القهوة في الدور الثاني من البناية الضخمة التي تحتل المؤسسة العالمية التي أعمل بها نصفه.
أنتظر دوري في طابور قصير ملول، يخفي الواقفون فيه تذمرهم ،من الانتظار ومن بعضهم البعض، تحت غطاء من اللياقة الاجتماعية التي يمكن أن تكتسبها بالتدريب، ما لم تكن منقوشة في وجدانك.
هنا في هذه البناية، في هذه المؤسسة، في إسار الطابع العام الذي يحكم الأمور..يمكنك أن تعرف كل شيء حول عشرات العاملين معك في القاهرة، وحول الآلاف بامتداد العالم.
إنهم يشربون القهوة أو النيسكافيه في الموعد الفلاني عادة، ويتناولون غدائهم في موعد آخر ثابت، بانضباط فسيولوجي ومزاجي صارم.
لو كنت أحد محللي الأداء الوظيفي لرسمت شكلا بيانيا بالمنحنيات الثلاث: المزاج-الأداء-الرغبات الفسيولوجية، ولبدا الارتباط الوثيق بين ثلاثتهم.
أنا هنا أواجه نفس الضغوط التي يكابدها شاب في مثل سني يعيش في سان فرانسيسكو، يجلس على "لاب توب" مطابق للذي أعمل عليه، شكلا وإمكانات، ولا يفرقهما عن بعضهما البعض سوى ملصق الباركود.
كلانا يواجه أزمات تقنية واحدة، ويظل كابوسه المقيم، ألا يصل تقييمه الوظيفي للدرجة التي يريدها وفقا لمنجزاته المهنية، التي تحسبها عليه برامج إحصاء وتعقب وتحليل فائقة الدقة.
كل نقرة مني على الكيبورد، تعني أنني أتخذ قرارا ما في عملي، ما يؤثر في نهاية المطاف على درجة الإنجاز وجودته، كل نقرة مني، أشبه بمقامرة قدرية حول ما سيؤول إليه تقييمي الوظيفي بعد 3 شهور.
وحين تواجهني مشكلة تقنية ما، يهرع فورا فريق عالمي لتباحثها وحلها..
ينضم إلى نافذة دردشة شباب تقنيون عباقرة..من الصين وإيطاليا وأمريكا..ودول كثيرة بينهما على الخريطة.
كل مرة أواجه فيها مشكلة تقنية..ينضم إلي هؤلاء جميعا..فأحس أنني أتباحث إصلاح الكون نفسه، لا أخوض مجرد دردشة عملية حول عطب فني في حسابي العالمي داخل هذه الشبكة العملاقة.
جميعهم يواجهون كوابيس تقنية شبيهة بما أواجه، وكلهم تقريبا يخضعون لنفس الضغوط، ونفس المميزات..
كلهم يتلقون رسائل البريد الإليكتروني التبشيرية التي ترسلها الإدارة الأم..حول مستقبل أفضل للعاملين في هذا الكيان.
وكلهم لديهم أهداف مرحة على نحو ما..أو هكذا يمكنك أن تتخيل إذا ما تصفحت صورهم الشخصية المدرجة في ملفاتهم المتاحة على شبكة داخلية عملاقة.
أتخيل زميلا صينيا يدعى "لي" مثلا، ينتظر إنهاء وردية عمله كي يمرح مع زميلته..في حين يبدأ زميلي الإنجليزي "آدم" ورديته بعدما قضى نوبة مرحه مع صديقته..في مشهد درامي تلعب فيه خطوط الطول ودوائر العرض وفروق التوقيت، دورا فنيا فوق المدهش.
أخالني وقد صرت شبيها بأشباهي من سائر موظفي المؤسسة العملاقة حول العالم.
نمتلك نفس البطاقات الممغنطة التي تفتح أبواب المكاتب والطرقات..نمتلك نفس جهاز اللابتوب..ونفس "مولًد" كلمة السر النقال..ونفس الحقائب التي تحمل شعار المؤسسة..ونفس الأيقونات الصغيرة..
الجميع يتنقل داخل نطاق دخل شهري بعينه، يجعلنا نشتري ملابسنا وأحذيتنا من محال بعينها، بالأحرى من أفرع هذه المحال، بحيث نصير في نهاية المطاف محشورين داخل أزياء وتصميمات بعينها..
نفس الموظفين يشترون من نفس الأفرع بنفس الأسعار حول العالم..
ويعضد الأمر رغبة التشابه داخل الجماعة الإنسانية..
فيحتذى البعض "لوك" البعض الآخر..وهكذا نصير جميعا نسخا مستنسخة..
أنظر إلينا (ها قد صرت أحدهم وأقول "إلينا"!) من زاوية منظور الطائر..بينما نسير كالروبوتات الآلية..
نجلس على المكاتب البنتاجونية التكوين (خماسية الأضلاع كلها)..نشرب القهوة في مواعيد بعينها، فنذهب لدورات المياه في مواعيد متزامنة تقريبا، ويترافق أداؤنا الحيوي مع انبساطنا المزاجي..وفي نهاية اليوم، نصل لنفس الدرجة من الإرهاق، ويجتاحنا نفس القدر من التوتر..لننتظر في نهاية الربع السنوي، تقييما دقيقا، يرتكز على أرقام وإحصاءات وشهادات مدراؤك وزوملاؤك..ولسان حال تقريرك يقول "اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا"..
لأول مرة أحس أن الرأسمالية تدربني على وقفة يوم الدين!

الاثنين، 10 سبتمبر 2012

عسليولوجي..مقدمة في علم العسلية

اعلم يارعاك الله أن لاختيار عسليتك المفضلة أصول وضوابط تعاقدت على إبانتها الذائقة السليمة والفطرة السوية والنزوع الحميد.
هنا دليل عملي كيف تختار عسليتك :
أولا: هل تحبها بسمسم أم بدون سمسم؟ إذا كنت تحب الطراز السمسمي، فعليك باختيار نوع من اثنين، إما العسلية اللينة القوام، وهي التي تباع في أنفاق محطة مترو العتبة، وفي أول شارع الأزهر، وهذه تناسب من يعانون أوجاع الأسنان المؤقتة ذلك أنها غير مؤذية في القضم، كما لا تتسلل إلى نقاط تسوس الضروس (هذا في حالة آكل العسلية المخضرم الذي تسوست ضروسه كاملة).
 أو أن تختار النوع الأجود، إذا كنت تأكل العسلية كضابط مزاج وأمر مثير للبهجة وباعث على الوقار، وهو النوع الذي روعي فيه أن يكون أقرب للتحميص، مع غزارة وكفاءة في توزيع السمسم على جسم العسلية.
ويمكنك تمييز كل منهما بتحسس الكيس، وملكة التمييز ستنمو لديك تدريجيا، حتى تميز العسلية بمجرد النظر دون اللمس.
أما إذا كانت تفضلها بدون سمسم، فعليك مراعاة اختيار النوع الذي يبدو أقرب للبياض ويبدو كما لو كان منثورا عليه شيء يشبه الدقيق، لأنه يحفظ العسلية أن تسيح فتلتصق بالكيس البلاستيكي الذي يحفظها.
وفي هذه الحالة أوصي بعسلية العتبة (الميدان والمحطة)، وبعسلية الرجل الهاديء المطمئن الذي يرتدي جلبابا أبيض ويبتسم طوال اليوم ويجلس على ناصية شارع طلعت حرب ويبدو من أولياء الله الصالحين.
ثاينا: درجة التأثير المرجوة: هل تريد عسلية لأجل التسرية السريعة والمتعة المختلسة؟ اختر النوع اللين وعلسيات مقالي اللب الأنظف والأقل في قدرتها التأثيرية.
أما إذا كانت من متعاطي العسلية لدوافع ضبط الحالة المزاجية، فعليك بالبحث عن العسلية المصنعة من عسل مصانع نجع حمادي وبقية عسل قصب السكري الصعيدي، حيث تعمل درجة التكثيف العسلي الذي يراعى ضبط مقاديره في وحدات العسلية، على ضبط المزاج بصورة توازي احتساء فنجاني قهوة من الفصيل المركز جدا. ( ركز دوما في قراءة الملصقات الرخيصة في أكياس العسلية حيث تخبرك بتاريخ صناعتها ومكان صناعتها).
ثالثا: نطاقك السكني: هل تسكن في 6 أكتوبر أو العبور أو أي من المناطق التي تتتاخم نقاط صحراوية؟ عليك باختيار عسليات المقالي، لأن تغليفها أفضل، لأنه في حالتك الجغرافية مالم تكن العسلية مغلفة جيدا، ستجتذب أسراب لانهائية من النمل الفارسي المتوحش. لذا راعي الظروف البيئية لدى اختيار نوعك المفضل.
رابعا: هل تجلس بمفردك في حالة مزاجية سيئة؟ إذا عليك بكيس العسلية الشوارعي الرخيص الذي يباع لقاء 50 قرشا فقط.
تحسس السمسم أولا قبل وضع وحدة العسلية كاملة في فمك..امضغ العسلية بتلذذ واستمتاع، مص اصابعك من اثر السمسم، اثقب الكيس وتناول السمسم المتخلف عن العسلية في الكيس، لا تغسل فمك، اترك نفسك كالأهبل قليلا بينما يحيط السمسم فمك. ثم نم مكانك مستمتعا بسريان الأثر السكري للعسلية في بدنك، حاملا البهجة والسعادة وما لايمكن للكلمات أن تختزله أبدا.

الخميس، 19 أبريل 2012

أيام في الجامعة الأمريكية (1)



حسنا، لقد حصلت على منحة دراسة الماجستير في الجامعة الأمريكية في القاهرة منذ ثلاثة شهور تقريبا. اخترت تخصص الآنثروبولوجي، وسط إندهاش المحيطين "ألن تستكمل دراسة الإعلام؟".."كيف لا تفكر في دراسة العلوم السياسية؟"..لكن قراري كان محسوما : سأفعل الشيء الذي أحبه، سأستمتع، لأنني ببساطة ليس لدي عمران، عمر أقضيه في دراسة العلوم السياسية لسبب ما مجتمعي أو علمي، وعمر آخر سأستمتع فيه بدارسة ما أحب..هو عمر واحد ولا يحتمل أكثر من رغبة واحدة فحسب..ولا أخفيكم : أنا أحب نفسي أكثر مما أحب المعايير العلمية والمجتمعية.
أقضي هذا الفصل الدراسي، في محاضرات مكثفة حول الكتابة الأكاديمية والقراءة الأكاديمية، وتحليل النصوص على نحو أكاديمي والنزاهة الأكاديمية والبحث الأكاديمي وعدة مهارات أخرى تنتهي بكلمة أكاديمي..ربما كان من ضمنها توجيه قاذفات القنابل على نحو أكاديمي..لا أتذكر حقيقة.
أقطع طريقي يوميا داخل مبنى "هاس" وهو مبنى صمم خصيصا لتضليل أي شخص يحاول الانتقال فيه من أي نقطة لأخرى، مبنى مثالي للعبة الاستغماية، مبنى يسخر منه الأكاديميون والإدرايون والطلبة والعمال والزائرون العابرون..مبنى مصمم على نحو شنيع..إذا دخلته ربما لا تخرج منه أبدا (ربما تتردد إشاعات بأن البعض فقد داخل هذا المبنى منذ مارس 2010).
أتحرك داخل مبنى "هس" غريزيا، ولا أدقق في اللوحات الإرشادية ذات الطابع التضليلي البحت. من وقت لآخر أرى بوستر صغير لحازم صلاح أبو اسماعيل وقد علقه أحدهم، أو دعوة لحضور حفل جاز أو ملصق دعائي يدعو لمناصرة سوريا.
تتعدد المطبوعات الصحفية التي ينتجها الطلاب، وكلها شبه تحررية تقريبا، تهاجم سياسات الجامعة بخصوص حقوق العمال، وتتحدث بصراحة وتنوع وتبدو صحية عفية إلى مدى بعيد.
ويغلب عليها طابع من الركاكة المقنعة في كلا الإصدارين: العربي والإنجليزي..وهو طابع أصيل حين يحاول الطلاب في كل مكان في العالم إنتاج صحف.
لكن بعكس ما يشاع (وسط البعض) من أن الطلبة هنا منحلون، يشربون الخمور نهارا ويمارسون الرذائل جهارا ويدهسون بيوت الفلسطينيين في فناء الجامعة، ويرفعون العلم الأمريكي على سبيل الانتماء والاحتفاء..لم أجد كل هذا.
بل لقد كانت مساحات التلامس والهزار بين الطلبة والطالبات في جامعة عين شمس، حيث كنت هناك قبل شهور لاستخراج بعض الأوراق، أكثر جرأة وحميمية مما يجري هنا.(وما يجري هنا ليس شيئا مقارنة بما يجري في مصر كلها الآن).
لن تعدم طالبا يصلي وسط أرفف المكتبة العملاقة، ولن تعدم طالبة تنام تحت شمس الحديقة الخلفية للجامعة ، الجميع هنا يمارس حياته على نحو آمن و"متحرر".
لايوجد شيء أو عكسه، ليسوا منحلين أو أخلاقيين، ليسوا أي شيء أو عكسه.
لكن ما الذي يدفعنا للاعتقاد بأن هناك شيء مختلف هنا أساسا؟
المقارنة تفرض نفسها بداهة، حين أقارن-شعوريا ولا شعوريا-بين الجامعة الأمريكية وجامعة عين شمس التي قضيت فيها سنواتي الجامعية الأربع.
هنا الفارق الجوهري أن هناك مؤسسة تعليمية، هناك عملية تعليم تجري وفق مقاييس ومعايير واضحة، هناك خطة تكفل تكوينك ذهنيا وبناءك معرفيا على نحو سليم.
أجلس يوميا في المكتبة العملاقة، بينما لا يبدد كآبة المبنى الغبي للمكتبة والذي يشبه مباني الاستخبارات السوفيتية سوى مشهد الطلاب الأصغر سنا مني في زخمهم الدائر من الناحية الشرقية للمكتبة، أو مشهد الحديقة الواسعة في الناحية الغربية للمكتبة.
أقطع-يوميا- على قدمي مسافة لا بأس بها وسط طريق الزهور الطويل، وأجلس تحت الشمس أمام إحدى النوافير كي أفكر في أي شيء ما قبل أن أدخل لمحاضراتي الكثيرة جدا. وأتبادل نظرات ودودة مع البعض ونظرات عدوانية مع آخرين (الأرواح جنود مجندة كما في الحديث الشريف).
أذاكر قليلا وبالطبع اصطدم بمعايير الجامعة، ربما لأنني بطبعي ضد الانتظام المؤسسي الرافض للاختلاف.
أنا أرفض أن تكون هناك طريقة وحيدة لإجراء البحث وطريقة وحيدة للإجابة وطريقة وحيدة للمعرفة، لذلك حصدت إعجابا لا ينكر من زملائي وأساتذتي وفقدت درجات كثيرة في الطريق.
الجميل هنا أن أحدا لا يسفه آرائك أو يرفض طروحاتك، إنهم يتناقشون ويتجادلون، ويصارحونك كثيرا بأنهم لا يعرفون ما الذي تتحدث عنه ويطلبون منك أن تزودهم بالكتب والمراجع..الجميل هنا أن هناك شيء ما يحترم إنسانيتك.
حين طفح كيل أستاذتي (وسأحكي لكم عنها لاحقا) قالت لي: من فضلك أحمد، نحن نختبر قدرتك في التحرك داخل النص واختيار الأجزاء الدالة وإعادة انتاجها أكاديميا على نحو صحيح..نحن نختبرك فيما نعطيك إياه..ولا نختبر معارفك العامة..كف عن استخدام معارفك..كف أن تكون كسولا..انتزع قلمك الرصاص والقلم العريض الملون، واستخرج الملاحظات على الهامش، ولا تتوقع كل هذه التوقعات الصحيحة..أنا أعرف أنك وغد ذكي..لكني أريدك وغدا يستذكر وأريدك أن تخطيء وفق معاييرنا كي نصحح لك وفق معاييرنا.
ابتسم في وجهها وأقول أنا فعلا وغد كسول، يحاول تبرير رغبته في فعل اللاشيء بمنطقته وتبريره.

الجمعة، 30 ديسمبر 2011

اختلاس الزوجة



أحتفظ بتفاصيل كثيرة قيد السرية، لم أبح لك بها.
الأمر الذي جعل حبي لك اختلاسيا في درجة من درجاته. أي نعم أحبك كما يحب أي زوج مخلص زوجته، وأصارحك بخبر كل ذرة من كياني : كيف مالك لك وفيم الميل كان، لكنما هناك ما هو يعتمل تحت سطح هذا الستر المفضوح من الهوى.
أحبك على نحو سري بيني وبين نفسي، بتفاصيل كثيرة أحفظها عنك لم أبح وربما لن أبوح بها أبدا.
كمراهق، أنزوي على نفسي، معك كنت أم لا، وأغمض عيني، أسترجع العطر وأستبين الملامح وأذوب في الانثناءات..
أصيخ لنبرتك المترددة في صدى نفسي، وأواريك كلك بداخلي، حتى دون أن تعلمي أنت شيئا.
وربما في هذا السلوك، فصام الذي لا يصدق أنك معه.
ربما فيه، ارتداد لمراهقة نقية أولى، ليس في قاموس عواطفها سوى الاختلاس.
طرف شالك المعلق، أضمه إلي، وأستنشق عطرك فيه، فيكون في نفسي كفاية إلى حين.
انظري..انظري..عندي ترجيح..
كل هذا الاختلاس وكل هذا الانغلاق على حبك..ربما لأنني لا أصدق أنك معي حقيقة.
ونهاية: لو كنت موجودة معي، فهذا هو حالي..وإن لم تكوني، فها قد عرفت مقدار ما اختسلته من سيرتك وطيفك وعطرك.

الخميس، 11 أغسطس 2011

طبيبة العظام التي تماثلني سنا..


حادث عرضي، يدغدغ ذراعي اليمنى..أو هكذا أحس: وجع عميق بقسوة.

أذهب لأقرب مستشفى، فتستقبلني طبية عظام شابة (كيف استيقنت أنها تماثلني سنا، وتأكدت من ذلك فيما بعد؟).

أتذكر (Meet joe black).."إنك لا تدري متى يضرب البرق ضربته".

حين تلتقي العينان، وسط العاصفة، فتتثبتان تتفحص كل منهما الأخرى، تستطيل اللحظة فتبدو أبدا..ثم يكون ما يكون.

تضغط على يدي: يؤلمك هذا؟ أقول نعم.

بينما مع استمرار ضغطها، ينسحب الألم رويدا رويدا.

هناك يحلو للحبكة السيكولوجية، أن تصادر على الفسيولوجيا خصائها.

فأنا-افتراضا- متألم بقسوة مما ألم بي..لكن لمستها، وعينانا تلتقيان عن قرب، يبددان الألم.

النفس تداوي ما أعطب الجسم.

أفطن سريعا لما يجري..

يؤلمك هذا؟ قليلا..اضطغي يمينها ب2 سم من فضلك.

كلما لامست موضعا، كلما زال ما به الألمُ.

يؤدي أربعتنا عرضا مرتبكا: (الطبيبة والمريض/وحبيبة اللحظة المختلسة وحبيب اللحظة الحرجة).

أود أن أفسح مجال عمل/لمس الطبيبة..كي يأتنس الحبيب.

وهي تود أن يشفى المريض..ثم فلنتباحث أمر الحبيب.

أكبح جماح سيكولوجياي المبتهجة والمغتبطة، كي أتألم فسيولوجيا كما يليق بمصاب سوي، وكما يطمح "الحبيب المحتمل"..دعنا نمدد أمد لحظات التداوي.

تضغط ضغطة مؤلمة بحق (الآن أشعر بالألم فعلا) ثم أبتسم.

تسألني عن موضع الألم فأجيبها من غير تركيز: يمين المفصل، فوق تحت، أنا ماشي كانت في الشارع برضه تحت الشريان الأورطى المهندسين حلف الناتو أحمد البلوج شغلي مكرونة بالبشاميل يوم الاثنين عند البنزينة.

فتجيب إجابة حصيفة جدا، بينما عينانا مثبتتان على نحو مدهش في بعضهما البعض: الشرايين لما تتخبط المسلسل بييجي بالليل الورد والقيمص الأبيض بعد صلاح سالم ناكل بيتزا والحكومة الانتقالية موسيقى موتسارت.

تلفق جبيرة لي، تلائم موضع الألم، وأتمنى في هذه اللحظة لو أني جميعا تدغدغت ما كانت هي المداوية.

الأمر يتخطى التعاطف العارض بين الطبيب والمريض( الذي تستحي كتب علم نفسه من وصفه بالمراهقة المؤقتة)، ليخلق أمرا واقعا، يقول أن البرق يضرب ضربته في لحظة، وأن الحب يجيء-كما الموت- بغتة.

بعد تجبيري بالشاش، أقول لها: كنت أتمنى أن يكون جبسا، كي تكتبي لي عليه بالشفاء أمنية، ثم تذيلينها برقم هاتفك، كي أشكرك حين أتماثل للشفاء.

تبتسم وتقول: تقوم بالسلامة.

أفيق لوهلة، فأحس أن سكرة "المراهقة المؤقتة" راحت، وأن الطبيبة عادت لثكنة الطبيبة وأن المريض يتألم بقسوة دون أن تسعفه سيكولوجياه المغتبطة "سابقا".

أحس أنني أحمق فعلا..لكن هذا الشعور يتبدد حين أتفحص روشتة الدواء فأجد رقم هاتف محمول بجوار اسم الطبيبة..وتحت قائمة المسكنات وردة مرسومة برقة..

حين قربت الروشتة من وجهي..شممت رائحة تلك الوردة.

الثلاثاء، 12 يوليو 2011

دورليوني وذو السلوبيت الأحمر..ومعركة مع الجاذبية لأجل المنزوية




(1)

كانت جدتي تحكي لي في آخر أيامها عن ابنها الأول الذي مات مرضا، قبل ستين سنة:

(..كان أبيضاني ووشه محمر..مليان..وشعره أصفر..الواد كان محسود..تشوفه الحريم تقول الله أكبر..كان-اسم النبي حارسه- لابس سلوبيت أحمر..وزي القمر وهو عنده 4 سنين بس.

اصطحبته جدتي للطبيب حين توعك بشدة، كان طبيبا إيطاليا منتدبا لذلك المكان النائي في جنوب البلاد، في النصف الأول من القرن المنصرم.

تقول لي اسم الطبيب الإيطالي، الذي ما زالت تحتفظ به في ذاكرتها رغم مضي ما يقرب مما يزيد على نصف القرن، كأنها تقول لي اسم أحد أبنائها الذين لم يحصدهم منجل الموت في سن الطفل الأول.

كان اسمه دورليوني كما أتذكر..ولا أفهم كيف احتفظت باسم إيطالي قح كهذا في ذاكرتها الممتلئة..

في آخر لحظاتها كانت تردد اسم ابنها الأول واسم دورليوني..ولم يفهم أحد شيئا..بخلافي أنا.

أنا الوحيد الذي انتميت معها لعالم دورليوني..والطفل ذو السلوبيت الأحمر.

(2)

حين تقاسمنا حكاياتنا، عرفت أنها درست في نفس المدرسة المجاورة لمدرستي الإعدادية!

كان أصحابي يتفنون في معاكسة فتيات مدرستها عند محطة التروماي، أثناء استلقائهن في تعب مغر، على مقاعد الانتظار، بعد انتهاء اليوم الدراسي..

إلا أنا..كنت أنزوي.

وكانت صاحباتها..يتجاوبن أحيانا مع أولاد مدرستي (كان يجمع بين المدرستين منافسة علمية شرسة فقد كانت كلتاهما تضمان فصولا للمتفوقين..منها فصلي وفصلها).

إلا هي..كانت تنزوي.

أتذكر الآن بوضوح..كان هناك دوما فتاة منزوية..

(جليا يحضرني: التقت عينانا بغتة، في مرة من مرات الانزواء اليومي)

لم أكن أعلم أني سأنزوي معها مستقبلا..لنستأنف ما لم نبدأه حينها.

(3)

مثلت لمرة واحدة في حياتي، أديت دورا في مسرحية تاريخية، وأنا في الثالثة عشر من عمري

أتذكر الحلول الاحتيالية التي كنت أجهزها مع نفسي، إذا ما نسيت النص المسرحي أمام الجمهور!

تحضرني اللحظة التي انخرط أحدهم في تجهيزي خلالها بملابس مسرحية تلائم الدور..

واللحظة التي أديت فيها آخر تدريب على العرض..

واللحظة التي قررت فيها ألا أخرج من نشوة التمثيل أبدا، حتى ولو كذبا..

واللحظة التي استوعبت فيها كيف يمكن أن أتألق منفردا دون أن ألعب دور البطل الأوحد.

أبتسم بمرارة، ممزوجة بسخرية، حين أتذكر أن دوري الأول والوحيد كان: الساحر!

(4)

كانت تقف مستندة إلى الحائط بجوار المكتبة..

وفي أقل من ثانية..تقرر الجاذبية الأرضية أن تستعرض مواهبها الكامنة

يوشك كتابان عملاقان على السقوط على رأسها..أمد ذراعي بسرعة، بينما جسمي ثابت.

ألتقطها بطرف يدي، وأجذبها نحوي..كأننا في رقصة "صالصا"..

تجيء نحوي، وهي تبتسم مشدوهة..وأنا أسارع الزمن وأصارع الجاذبية..

تستقر رأسها في صدري، وتكاد تعاتبني-بدلال متهاو، بينما روحي تكاد تفارقني، خوفا عليها..

تلتفت هي فزعة إلى الخلف، حيث صوت سقوط "الداهيتين"..بينما أنا ألتقط أنفاسي للمرة الأولى منذ ثانيتين كأنهما الدهر.

الجمعة، 15 أغسطس 2008

آهين ياحربي..وأنا حربي قلبي


عيد ميلاد حربية اليوم،وهذا يعني بداهة أن عيد ميلادي كان منذ أسبوعين(حربية بمفرده يفهم هذه الحسبة).

حربية_وما أدراك ما وراء الاسم_هو المعادل الموضوعي لقصاص السماء من جنابي السامي،يسافر فيغيب فيتركني في وحشة ما بعدها وحشة،وفي كآبة ما بعدها كآبة..وحين نلتقي يوما ما علي عجل_كعادة لقاءتنا السخيفة_ نتذكر قول جميل :"و أول ما قاد المودة بيننا ..بوادي بغيض يابثين سباب"..فالصديق العزيز جميل بثينة،اختصر حيثيات تعرفي وحربية علي بعض بهذا البيت الرائع..تعرفنا علي بعض بخناقة..وزعل..ثم استمر الخناق،وانتفي الزعل.

حربية الصديق السلحفائي الجناب،والمترف الحاشية،جاء اليوم يحمل نصف ابتسامة،وحيثية سعادة،وكل مبررات اغضابي..

يتلقفه الآخرون_الذين حتما لايعنون شيئا لنا_بالتهنئات والاحتفالات والهدايا،وهو شيء يثير غيظي كما تلعمون،بينما انا انتظره لنقتص سويا من لحظات العمل السخيفة،ولنكمل جلسة لم ننها منذ عرفنا بعضنا البعض حتي اليوم.

في عيد ميلاده الفائت لم تكن علاقتنا توطدت الي الحد الذي يخولني "جمال" مهاداته بأي شيء..لكني ساعتها احسست بغيرة مدهشة من الكتاب الذي اهداه له الصديق "المؤدلج" سيد تركي..أحسست ساعتها أن سيد يفعل ما لايحق له،لكنني تماسكت وقررت المراهنة علي عام سيمضي وستجري حينها في النهر مياه أخري..وها هو يوم القصاص.

تقوم علاقتي بحربية(ودلعه في بعض الاحيان :حربي)،علي مابين السطور،علاقة قوامها كل ما لم نقله حتي الآن،وكل اللقاءات التي لم نجرها منفردين،وكل الاتفاقات والمؤامرات التي لم نضطلع بها حتي الآن،أي نعم تبدو العلاقة غريبة علي البعض،لكنها بدأت ونحن ندان،وسارت علي أنه أخي الأكبر،وانتهت علي أنني ابنه الصغير..لكن ذلك لاينفي اني رئيسه في العمل وهطلع عينه آخر اليوم بعد احتفالنا لما أسأله عن الشغل المتأخر..نيهاهاهاهاها











الصورة بالأعلي،التقطت لي وعلي هامشي الكائن حربية أثناء الاحتفالات الرسمية بعيد ميلادي،وهي تعكس_فيما تعكس_نظرة مكر بائنة في عينيه الثعلبيتين،ونظرة براءة غير قابلة للتكرار من عينيّ الحانيتين

الأحد، 22 يونيو 2008

أحنّ إلي خبز أمي*

سافرت أمي وأخويّ،استبشرت بانفرادي بذاتي أربعة أيام كاملات،أرتع في منزلنا أني شئت وأخرب فيما شئت وأعيث فسادا كيفما اتفق لي.
أول أيام انفرادي فشلت في تسخين العشاء،تصاعدت الابخرة من أوعية الطعام ،غرفت الاطباق،وتجرعت "أبرد" وأسمج عشاء في تاريخي ،فيما بعد عرفت من الزميلات والزملاء أني "عليت" النار فانخدعت بمظهر البخار،بينما فنون الطهي تفترض ..التخسين علي نيران هادئة.

بدلت أماكن الوسادات،غيرت من ترتيب الشقة،أغلقت منافذ النور،غسلت "المواعين"،تحممت وتعطرت وارتديت أبيض ثيابي،وجلست منتظرا السعادة اللانهائية التي ستحل عليّ..
بعد ساعتين من النوم وثلاث ساعات من محاولات استجلاب السعادة،ارتميت علي السرير،أقلب بالريموت مراوحا بين قنوات مملة وأخري أكثر مللا،وأشعر ان روحي تختنق..وتختنق.

الجوع مرة أخري..لن أحاول مع الرز والبامية،خبراتي السابقة في التسخين ليست بجيدة علي أية حال،حاولت تحمير قطعة لحم،وضعت السمن في طبق معدني وألقيت قطعة لحم صغيرة علي سبيل التجريب،استشعرت أن ثمة شيء ما منقوص،فركت بعض التوابل،بينما فقاقيع الزيت تتطاير لتطال وجهي،أقترب من البوتجاز..أقلب قطعة اللحم..أحترق..أتراجع بسرعة..وأعود بعد قليل..وهكذا وهكذا..
أعددت قطعة لحم لا بأس بها..
في اليوم التالي أعددت فطورا لا بأس به،لكن الشيء المنقوص ظل منقوصا،ولا تسألني ما هو..
قررت الالتجاء إلي تجربة أكثر سهولة..اشتريت عبوة "أندومي" من تلك التي يقولون عنها سريعة التحضير،لم أفهم الطريقة تماما،أضفت زيتا من عندي،بالبطع لم تكن شهية كما تخيلت،ولم تفلح في سد جوعي.
الجوع يتبعه الهزال،والهزال يلازمه الأرق،والأرق يعكر المزاج،وعكرة المزاج أولي خطوات الاكتئاب المنظم.
هربت من جوعي إلي ألبوم العائلة،بالصدفة حصلت علي صور لأمي وأبي في المرحلتين الابتدائية والاعدادية،ملامح كل منهما كانت تشي بمستقبله..بنت جميلة بريئة ستعاني كثيرا،وولد محتدم الملامح سيتشبك كثيرا مع الدنيا.
يغزوني شعور بالوحشة،صخب أختي أميرة،سرعة انفلات مازن في حركاته الشقية،حس أمي ،سيجارة أبي ومداعباته وشروده.
مع أيام الغياب والعزلة،أكتشف أني صرت أكثر هشاشة،لا أقوي علي الوحدة ولا أكتمل بانفرادي كما كان الأمر سابقا،حتي الصلة مع الرب دمغتها السنون بأن تمر عبر علاقاتي مع الآخرين..أمي لن تمر بجواري أثناء الصلاة كي تلتقط شيئا،مازن لن يمرق من ركعة لأخري حاملا شيئا ما،أميرة لن تعبر في صمت مهيب في الركعة الرابعة دائما.
أكوم بقايا الطعام في كيس بلاستيكي،أنظف الشقة،أسرف في التحمم،وأصير أكثر خوفا كطفل صغير تتلاعب به الظلمة أثناء غياب أمه.
أدائي في العمل يتوتر،جسدي يتألم،طباعي تزادا حدة،لساني يخونني غير مرة،والحبيبة تتجرع جديدي في صمت..
في الصباح "أسخّن" رغيف خبز.فلا أفعلها بحرفية أمي ولا كبرياء أختي ولا حذق أخي ولا خبرة أبي..أحس أني منقطع منبت من أصل أكبر مني،يعزيني قرب التقاء أمي ورؤية أختي واحتضان أخي واستفزاز أبي.

_________

العنوان قصيدة شهيرة لمحمود درويش