90s fm
الأحد، 18 نوفمبر 2012
الاثنين، 22 أكتوبر 2012
انزلاقة الشنيور..أو ما أدعوه فقه المفك الصليبة
الأحد، 22 يوليو 2012
ما الذي تعنيه وفاة عمر سليمان بالنسبة لي؟
يثرثرون كثيرا فيما يخص وفاة عمر سليمان، وأنا بمفردي أحتفظ بدهشة شخصية، تربكني كما لم أرتبك من قبل.
من موروثات طفولتي، قناعتي التامة أن هناك أشخاص لن يموتوا أبدا..كان على رأسهم جدي (رحمه الله).. ، وأحد أساتذتي في المدرسة الابتدائية الذي لا أعرف أين محله من الأرض أو السماء الآن..
وأخيرا: عمر سليمان الذي لقي ربه قبل أيام.
الأمر لا يتعلق بولهي المبالغ فيه بشخص سليمان، ولا لأنني من فريق يرى أنه الرجل الفرصة الذي فقدته مصر.. الأمر- بالأساس - يتعلق بكوني رأيته شخصيا مرتين، واقتربت منه لمسافة تقل عن نصف متر، وتأملته عن قرب..عن قرب جدا.
وفي القرب-كما تعلمون- درجة من التفهم تتولد بين الطرفين، والتفهم –بطبعه- يسفر عن تعاطف ما، ارتباط ما، تبرير ما.
كان سليمان لغزا كبيرا بالنسبة لكثيريين، كان في عقيدة البعض مهديا منتظرا سيطيح بمبارك وعائلته في لحظة مباغتة، وكان في عقيدة آخرين ضلع الاستبداد الأصلد..وما بين هؤلاء وأولئك تناثرت روايات كثيرة يناقض بعضها بعضا.
رأيته أول مرة عام 2007، في أحد فنادق القاهرة، في مصادفة غريبة سمرتني مكاني، ولم أنطلق نحوه كي أعرفه بنفسي..
بسذاجة صحفي في مقتبل العشرينيات، كنت سأقول له: أنا صحفي وأريد أن أجري معك حوارا. لكن المفاجأة ألجمتني، وربما كان في هذا مصلحتي.
في المرة الثانية، في العام 2009، حين جاء أوباما لجامعة القاهرة كي يلقي خطابه للعالم الإسلامي.
كنت أراقب من موقعي في شرفة الدور الثاني من قاعة الجامعة، حركة سليمان الواثقة، ونظرته الشاردة، وحضوره غير المتضرر من حضور الآخرين وغير الآبه بهم..كان برأيي ممن لا يجيدون لعب دور الرجل الأول، أو أنه زاهد جدا، أو أنه داهية فوق ما نتوقع جميعا.
قبل أن يجلس في كرسيه، التفت خلفه فإذا صف من المشايخ الأزهريين،فنظر إليهم- سليمان- بتواضع جم وقال: السلام عليكم ورحمة الله ثم جلس..في لفتة مهذبة جدا، لم يقارفها جمال مبارك ولا نظيف ولا أيا من رموز وأركان دولة مبارك حينها.
لدى الخروج من القاعة كانت المسافة بيني وبينه هي نفس المسافة بيني وبين شاشة الكمبيوتر الذي أنقر حروفي الآن عليه.
كان صلب البنية، متين العظام، بملامح صخرية قاسية، ونظرة ثاقبة..كل هذا محمل على جسد يسير بعرج خفيف لا يكاد يلحظ.
في هذه المرة كنت أكبر بعامين، وكنت أهدأ نفسا من أن أذهب إليه وأقول له: أنا صحفي وأريد أن أجري معك حوارا.
ومع اندلاع الثورة، وتعيينه نائبا، وحديثه لوسائل الإعلام كانت صدمتي كبيرة، الرجل ليس عميقا بالمرة، ليس ملما بكل الخيوط والأطراف، لا يراوغ ولا يبادر بإجابات ذكية أو حلول حصيفة..لم يفرق قيد أنملة عن مبارك "الأهبل" "السطحي" "محدود القدرات".
وبعد الإطاحة بمبارك، جاءت ملفات التحقيقات معه صادمة، فمعظم إجاباته عن أسئلة النيابة كانت محبطة تتراوح بين: لا أدري، لا أتذكر..وإما إجابات عمومية جدا.
كانت كلها مملة وعديمة الإفادة، ولا تناسب مقدار الإثارة والتشويق المنثورين حوالي الكهنوت السليماني.
حين يتكلم كان يبدو كالجبل الهادر، ولكن الخلاصة القولية لما يفضي به: كأننا جالسين والماء حولنا..كقوم جلوس حولهم ماء.
ورغم كل شيء، حين يرد ذكره، كنت على الفور أذهب للنسخة الشخصية التي أحتفظ بها في ذاكرتي لعمر سليمان، بعيدا عن ثرثرة الإعلام..سواء من مادحيه المأجورين، أو كارهيه الشانئين.
كلما جاءت سيرته، كنت ألفظ ميراث ويكيليكس الذي هو برمته محل شك لدي. وكنت أهرع لصورة الرجل الذي يعرج عرجا خفيفا، ويبدو شارد الذهن غير آبه بالمحيطين، ويبدو على نحو ما "يدرك شيئا ما".
الطفل بداخلي كان ينتظر تشويقا أكثر، وينتظر نهاية أكثر درامية (حلقات مسجلة بشهادته واعترافاته، أسراره التي سيكشفها على برنامج تلفزيوني، بكاءه بين يدي محقق نيابة خشن لينهار ويعترف بكل شيء).
لم أستبعد أن يكون عمر سليمان محبا للشيكولاتة والبطاطس المحمرة، كنت أنسج عشرات التفاصيل، بشوق وتوق طفل يشاهد فيلما بوليسيا، لا يعرف كيف ستكون نهايته، لكن الأشرار عادة ما يلفظون بكل الحقائق قبل الموت. كما أن الأبطال يقولون لنا الحقيقة الكاملة كي نتعاطف معهم دراميا وأخلاقيا.
لقي عمر سليمان ربه..ومازال في نفسي سؤال طفولي لا يكف اعتمالا: هل هذا هو كل ما لديك يا سليمان؟
هل أنت تافه فعلا وسطحي وسخيف إلى هذا الحد؟
صورتك في ذهني تقول شيئا آخر، اقترابنا سويا في محيط واحد كان يقول شيئا آخر (هذا لو سلمت بنقاء الطفل بداخلي حين يقيم الأمور).
لكن هنا، لا يجوز ألا تحترز ثوريا وتشتم سليمان. أو كخيار أغبى: أن تحتشد فلوليا وتترحم عليه.
ما بين العاطفتين والنازعين والسؤال الطفولي العالق..أسأله في برزخه: هل هذا هو كل ما لديك يا سليمان؟
الثلاثاء، 27 ديسمبر 2011
لماذا أحلم بالشرطة العسكرية؟ ولماذا يحلمون هم بابن لادن؟
حسنا، ما الذي تغير في الأمر كي أحلم الآن بالشرطة العسكرية؟
قبل سنوات، كنت أحلم بصورة متكررة باقتحام أمن الدولة لمنزلنا، على النحو الاكتساحي الذي كان يتكرر من وقت لآخر..
(كتائب وفيالق تكفي لاحتلال إحدى دويلات أوروبا الشرقية، وكمية أسلحة كفيلة بإعادة رسم خريطة التسلح في الحي الذي أقطن به).
ثم يتطور الأمر-في أحلام أمن الدولة وقوات الأمن المركزي ومساعدوهم من القوات الخاصة- لاشتباك عنيف .. يحاولون أن يكبلوني في سريري، بينما أركل يمينا وشمالا وأوجه لكمات لا نهائية، تنتهي عادة إلى أنني أقاتل أجسادا هوائية غير موجودة حقيقة..ثم أستيقظ لأتبين أن الأمر كان مجرد حلم..وأحمد الله على مقاومتي، وأتمنى أن تستحيل يوما ما لاشتباك حقيقي، أنال من أحدهم فيه، حتى ولو قتلني.
كان الأمر بديهيا لي من الناحية النفسية..أن أحلم باقتحامات شرطية متكررة لمنزلي، ومحاولة لاعتقالي (أبي لم يكن طرفا في الحلم، ربما لقناعتي أنهم يطاردونه ولن يجدوه-حسيا ومعنويا-أما أنا فالهدف الأقرب).
أحاول الآن فهم رمزية حلم تعذيبي على يد أفراد من الشرطة العسكرية وأحار حقا.
ليس لي عداوة منهجية مع الجيش، بل مازلت حتى الآن متيما بفكرة "الجيش المصري" بل وأتمنى دوما أن أكون أحد أفراده، رغم إعفائي من الخدمة العسكرية بتأجيلين متتاليين..وأزيحه دوما جانبا بعيدا عن سياسات المجلس العسكري.
بل أتطرف في الفصل، لدرجة التفرقة بين عساكر وضباط الاشتباك المباشر مع المتظاهرين، وعساكر آخرين، يقفون بأماكن مجاورة (كضباط جيش حراسة السفارة الأمريكية بالقرب من مجلس الوزراء) والذين يستنكرون ما يفعله زملاؤهم على بعد مترات منهم!
(لي أصدقاء وجيران وأقارب يؤدون الواجب الوطني بالجيش، سواء ضباط أو عساكر).
قبل 4 سنوات تقريبا كتب بك ميلنوفسكي مراسل بي بي سي أنه كان يحلم بأسامة بن لادن في المرة الأولى التي زار فيها نيويورك بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وكان الحلم الذي كتبه ميلنوفسكي في نهاية 2007 في أحد تقاريره الصحفية " كان بن لادن يجلس على بعد مقعدين مني في الطائرة، ولم ألحظه في البداية حيث كان وجهه مختفيا في العمامة التي يرتديها ولكن الرجل الذي يجلس بجانبي همس في أذني بلطف "أعتقد أن الرجل الذي يجلس بجانبي هو اسامة بن لادن وأنا أشعر بالذعر".
ثم يبحث ميلنوفسكي عن آخرين يحلمون ببن لادن، فينتهي الأمر إلى أن كابوس أسامة بمثابة حمى في العالم الغربي!
صاحب المطعم يحلم به كأنه نادل لديه، والرجل العادي يحلم ببن لادن يعرض عليه أن يدفع له ثمن مشترواته من السوبر ماركت، في تنويعات على أسامة تنتهي كلها بطابع جاثومي شنيع.
يسأل المراسل طبيبا نفسيا في نهاية الأمر فيقول له:" ابن لادن وفقا لمصطلحات التحليل النفسي هو الوحش الذي يقترب من القرية وقد ظللنا لمئات وألاف السنين نتخيله في صورة النمر الحاد الأسنان أو بمعنى آخر مخلوق لا يشبهنا".
أعود لأفراد الشرطة العسكرية الذين يختارونهم وفقا لطول قاماتهم الذي يزيد على قامتي بنحو 15 سنتمتر كاملة، وأعود لدروعهم، ولملابس الاشتباك التي تحيلهم من مجرد جيران وأصدقاء وأبناء وطن واحد، لكائنات غريبة فعلا، هي بصورة أو بأخرى تنويعة لصورة النمر الحاد الأسنان.." أو بمعنى آخر مخلوق لا يشبهنا".
بالأمس جلس بجواري شرطي عجوز، أول ما رأيته، وجدتني لا شعوريا أقول همسا: مرحى بالرجل الطيب. فلم يعد مرأى أفراد الشرطة يثير التوتر أو الجزع، فهم أولئك الطيبون الذين يضربون القنابل المسيلة للدموع فحسب، وبعض الرصاص المطاطي هنا وهناك، لكنهم لا يدهسون بالمدرعات، ولا يضربون على هذا النحو الوحشي.
هناك حالة استبدال وإحلال قاسية تجري للوعي العام للمصريين، استبدال رموز الشر، وتغير القيم.
أنا مازلت عند رأيي، لقد حدثت تطورات وتحورات نفسية عميقة في الشخصية المصرية، لا يمكن إهمالها بحال من الأحوال.
أقول لحبيبتي: انتظريني عند السلك الشائك بالقرب من نقطة الاعتصام، والسيدة العجوز على ناصية منزلي تستوقف توكتوك وتقول له: خدني لحد المدرعة اللي ع الناصية يا ابني..وبائع العسلية المفضل لي يناقشني في ضرورة الالتجاء لحكومة ائتلافية!
أعود لأفراد الشرطة العسكرية الذين يختارونهم وفقا لطول قاماتهم الذي يزيد على قامتي بنحو 15 سنتمتر كاملة، وأعود لدروعهم، ولملابس الاشتباك التي تحيلهم من مجرد جيران وأصدقاء وأبناء وطن واحد، لكائنات غريبة فعلا، هي بصورة أو بأخرى تنويعة لصورة النمر الحاد الأسنان.." أو بمعنى آخر مخلوق لا يشبهنا".
أعود لأفراد الشرطة العسكرية الذين يختارونهم وفقا لطول قاماتهم الذي يزيد على قامتي بنحو 15 سنتمتر كاملة، وأعود لدروعهم، ولملابس الاشتباك التي تحيلهم من مجرد جيران وأصدقاء وأبناء وطن واحد، لكائنات غريبة فعلا، هي بصورة أو بأخرى تنويعة لصورة النمر الحاد الأسنان.." أو بمعنى آخر مخلوق لا يشبهنا".
أعود لأفراد الشرطة العسكرية الذين يختارونهم وفقا لطول قاماتهم الذي يزيد على قامتي بنحو 15 سنتمتر كاملة، وأعود لدروعهم، ولملابس الاشتباك التي تحيلهم من مجرد جيران وأصدقاء وأبناء وطن واحد، لكائنات غريبة فعلا، هي بصورة أو بأخرى تنويعة لصورة النمر الحاد الأسنان.." أو بمعنى آخر مخلوق لا يشبهنا".
أكررها مؤكدا!
الاثنين، 5 ديسمبر 2011
فتاة أحلامي..روءة
وذلك منذ الوقت المبكر الذي فطنت فيه إلى أن حياتي المستقبلية ستكون إلى جوار فتاة أحلام، يتم تقنين علاقتي بها في إطار زوجي.
"روءة"..كان اسمها في الفيلم "روءة".
المساندة اللانهائية والدعم للزوج الذي يعمل في الاتجار بالمخدرات..حتى وهي ترص له أحجار الشيشة وتخوض معه نقاشات جدلية حول "صحة" و"خطأ" نشاطه السري..ثم ينتهيان سويا إلى أن اتجاره هو قرارهما المشترك وأن حياة الزوج هكذا..وهي تحبه هكذا..ولا داعي لأي تساؤلات كونية ماداما على نفس موجة البث.
وكان هو بدوره يحبها دون تعقيدات، رغم مشكلة عدم الإنجاب التي كانت تعاني منها.
روءة..وهي تقول له أيوة يا أخويا! يا الله يا الله يا الله..
دوما أحلم بزوجة من هذا الطراز..تقول لي أيوة يا أخويا!
تهتم بالمطبخ على نحو مقدس، جدلية/مشاكسة على نحو لطيف، جسورة وفدائية ك"روءة"...
ربما في تاريخ السنيما المصرية لا أبكي إلا عند مشهد وفاة روءة وهي تساعد زوجها في التقاط شحنة المخدرات من البحر..حين قررت الغوص بنفسها.
هذا المزيج من الحنية والافتداء..والقدرة على خوض معارك الحياة (أيا كانت أبعادها القيمية)..
أريد زوجة تتسلل معي في جنح الليل كي نذهب سويا للحرب في قيرغيزستان، ودعم خلايا المقاومة الشعبية هناك
هذه الزوجة التي تشعر معها أنكما تختلسان علاقتكما من الزمن نفسه، وأنه رغم شرعية كل شيء، إلا أنكما حتى النهاية نابضان دافقان.
لا أريد زوجة تجيد تطرح قراءة جدلية لهيجل أو دريدا..ولن أستمتع حين أخوض مع زوجتي نقاش حامي حول "موتسارت" ام "باخ"..سأكون أكثر سعادة وهي تبرر لي أنها طبخت محشي الكرنب دون محشي الباذنجان، لأنني أحب الأول أكثر.(دعنا نرتبط بالطبيعة).
هذه هي الزوجة التي يمكن أن تستخرج رشاشك الآلي من دولابك، وتفرغ رصاصه في قلب من يقترب منها أو يضايقها..هذه التي تحبك بلا تعقيدات أو خلفيات ملحمية.
الزوجة التي تعتبرك قدرها وتعتبرها قدرك..تتوكأن على بعضكما البعض..وتقاتلان سويا..بل وأحيانا تشتبكان معا.
لا أريد زوجة تحاججني أثناء غضبي..ولا أريد زوجة مكسورة الجناح..ولا أريد زوجة سلبية..أريد واحدة تتحدث بجسارة، ويمكنها تطوير النقاش إلى اشتباك بدني..ينتهي بضحك مشترك..أن نلهو كطفلين معا.
التي تربت على كتفك وأنت تأكل، بينما تمشط شعور الأبناء بعد تحميمهم..هذه هي المعادل الموضوعي للطبيعة الأم.
حيث عاطفتك، وعقلك، متعلقان بها..لأنه لا يوجد خيار آخر. ولأنه لا توجد حيثيات منهجية لتبرير حبك لها، ولا سياقات حاكمة لتمديد أمد العلاقة بينكما (أنتما شخصان متعلمان عاقلان راشدان يبغيان إنشاء أسرة سعيدة، ليبتسما جوار أبنائهما الاثنين "فقط؟" في مضاهاة رديئة لبوسترات تنظيم الأسرة التي تستعرض هذا النموذج الاصطناعي الغبي)..أنت تحبها لأن الأمر هكذا..
الخميس، 17 نوفمبر 2011
لقد كانت يد الله..أحبك على طريقة ماردونا

سألوا ماردونا عن هدفه المربك المشبوه: هل أحرزته بيدك أم برأسك؟
اعترف بعد سنوات من الهدف: كثير من رأسي، وقليل من يدي.
الحقيقة متدرجة يا صغيرة..لن أقول لك أحبك وكل هذا الكلام (كلام الكبيرين) الآن..سأقول لك: أحس اليوم أنني لم أعد بمفردي أمام هذا العالم..أنني أثق أنه من الممكن أن أبكي نهاية كل يوم كطفل مزعج إلى أن ينام بينما تمسد أمه شعره.(هذا هو أبرز مشهد لي مع أمي، أتظاهر، طفلا، بأنني نائم وأتركها تمسد شعري، أو أدعي-يافعا- بأنني نائم وأتركها تقبل جبيني).
ثم سألوا ماردونا على هامش إحدى مباريات كأس العالم بعدها بعدة سنوات عن نفس الهدف.
هل أحرزته بيدك أم برأسك كابتن ماردونا؟
فقال: كثير من يدي قليل من رأسي!
الحقيقة لا تأتي بغتة يا صغيرة: لن أقول أحبك وكل هذا الكلام (كلام الكبيرين) الآن..سأقول لك: كل شيء تغيرت دلالته لمجرد ارتباطه بك: الأماكن والمواقيت وكلمات المزاح المشترك..هل تصدقينيني حين أقول أنني أعرف في أي مكان أنت بمجرد إغماضة عين سريعة، ونفس عميق، أتحد بهما مع روح العالم..أتقصى أثرك: العطر..الملمس..نبرة الصوت..وبقية ملامحك في ذاكرتي (أنا أنسى شكلك بغرابة موجعة! وهكذا شأني مع كل الذين أذوب فيهم كأن هناك إرادة أعلى تضن بهم علي، أحيانا والله أنسى كيف شكلي أنا وأفشل في استدعاء صورة لي، فأتحسس وجهي في الظلام وأعيد ترسيم المعالم والملامح).
سألوا ماردونا بعدها مرة أخرى عن هذا الهدف الإشكاليالذي قسم العالم لفسطاطين، فسطاط الموقنين أنه باليد، وفسطاط المؤمنين أنه بالرأس..
كابتن ماردونا، هدفك الشهير في مرمى إنجلترا(86) ..بيدك أم برأسك؟
قال: لقد كانت يد الله!
الحقيقة لا تأتي بغتة يا صغيرة: لن أقول أحبك وكل هذا الكلام (كلام الكبيرين) الآن..اليوم لدينا 14 طفلا أكتفي أنا بتنسم روائحهم وملاعبتهم سريعا، وأترك لك مهام العناية بهم كما يليق بجسارتك، ووفقما تمليه علي رغباتي الانعزالية..
لا أعتقد أن الظرف الآن مناسب كي أقول لك أحبك، بينما كل هؤلاء الجياع يطالبونك بوجبات ما قبل النوم.
(لمعلوماتك الشخصية ماردونا هو لاعبي المفضل وأعشقه أكثر من بيليه هذا، كما أنني أعسر مثله، وألعب في نفس موقعه بالضبط)
صدقيني يا صغيرة..منذ البداية..بل منذ ما قبل البداية...لقد كانت يد الله.
الثلاثاء، 25 أكتوبر 2011
مرامي والدموع سوابقُ
لا تحتجب سترا فتقتلني.
بح لي بسرك فالأكوان تمتثلُ.
إياك، إلاك.
لا تنتهر روحا قد انغلقت، إلا إليك سوابرها فقد تيمت.
آه...آه...آه
كل الكوائن أخبار معللة، إلا الفناء يصير عليك مثقالي.
(فهو المثالٌ الفرد عن أوجه غيبى/طباق الشكل ليس شبيها فيشبهه/ آماده جلت عن التوصاف معذرة/ (لو شفك الوجد لم تعذل ولم تلم).
الجمعة، 21 أكتوبر 2011
لماذا أتكلم بطريقة شفرية؟
بالنسبة لي أرى نفسي واضحا جدا، لكني لا أكلم نفسي.
أعيد ترتيب الأمور والملابسات، وأتقصى مسار الجذور فأفهم الأمر بصفاء كامل.
أولا: كنت أحفظ القرآن على يد صديق صوفي يكبرني بنحو 15 عاما، كان يقطع بي طرقة المسجد من أوله لآخره بينما يلقنني آي الكتاب، كان لايقول شيئا أبدا بطريقة مباشرة لأن المباشرة فيها نوع من الصلافة وفيها افتراض لضعف الذكاء الطرف الآخر.
فالقاعدة الأخلاقية تقول أن عليك أن تلفت الآخرين إلى الأشياء برفق وبنحو غير مباشر كي لا تجرحهم.( قل أن الجو بارد اليوم، كي يستنتج فلان أن عليه أن يغلق شباك النافذة)
كان يصحبني دوما لعالم المجاز والحديث المرمز، حيث يتحدث أئمة الصوفية بلغة نصف ملغزة، لغة تشي ولا تحدد، لغة ضنينة شحيحة، تحتاج لمكابدة لفك طلاسمها، فحفظت المقاطع والمتون، وأصبحت هي لغتي في مخاطبة من حولي.
ثانيا: كان وضع أبي تحت المراقبة والتجسس، وكانت رحلاتي له إلى المعتقلات التي يحل عليها واحدا تلو الآخر ، دافعا كبيرا كي أخترع لغة مشفرة أستطيع التواصل بها معه دون أن يستوعب الرقيب حرفا. فكنت أخلط كلماتي بكلمات مهجورة من وحشي اللغة، وأمازجها بألفاظ غريبة من لكنات عربية أخرى، مربكة الوقع الموسيقى على الأذن المصرية،وأعمد إلى خلطها بأنصاف أبيات شعرية باستهلالات أحاديث بكلمات مفتاحية في مواقف شخصية.
أبي بذاته يسمع نصف الجملة من أي شخص ويستنتج نصفها الآخر، إلاي، يسمع أول كلمة فيفهم مرماي فورا.
(ذات مرة هددني الضابط و.ف مسؤول أمن الدولة في معتقل طرة، وقال لي: تحدث بطريقة مفهومة لي وإلا..، فقد كانت الزيارة كلها خاضعة للمراقبة).
ثالثا: أنا بطبعي، أختار من أتواصل معه، ولا أعتبر التحدث مع الآخرين أمرا طبيعيا، ينبغي أن أفكر قبل أن أستهلك نفسي وعمري في الحديث مع شخص تافه أو سخيف او مغير لي أخلاقيا وقيميا (العمر قصير جدا كي أحرق دمي)، ومن ثم كنت دوما أتحدث بطريقة مثيرة للنفور والملل، درءا لاجتذاب المستهلك العام.
رابعا: تعودت مع المقربين مني أن يستوعبوني دون أن أتكلم، ربما لأن كل ما يختلجني يظهر على وجهي بسهولة فائقة، تفهمه القطط في الشوارع وتستنتجه الأسود في الغابات، وتقرأه النسور من أعالي الجبال، ومن ثم لم أجد ضرورة لتطويع اللغة للتعبير بها عن الاحتياجات العادية للآخرين، فالدائرة اللصيقة تستوعبني جدا.
خامسا: لا أركز عادة في حديثي، لأني لا أتكلم مع من أمامي فحسب، بل أخاطب كثيرين غيره (ليس ذنبي أنه لايراهم)، لذا أنا أقول نصف جملة بطريقة نصف مفهومة، ظنا أن كل الحاضرين استنتجوا النصف الثاني، بينما في حقيقة الأمر أنا لا أكلم إلا نفسي.
ومن ثم وبناء على ما سبق، فقد قررت أن أكمل طريقي على نفس النحو، وليفهم من يفهم، وليستغلق الأمر على من يستغلق عليه، فأنا لا أريد الكلام مع كل أصدقائي البشريين في الكوكب الأرضي بنفس المقدار من الرغبة.
الخميس، 20 أكتوبر 2011
مخبوءات السيد دودي

هنا أدون وأوثق حالات التيه: تيه السعادة وتيه ما سواها، كي أتأمله فيما بعد، ربما أفهم ما جرى.
كتابات علاجية، تتقافز الظباء والغزلان من سطورها، وتمرح الأفيال من حولي، ويناولني بندق فيها صينية بسبوسة،ويعزف ميكي لي فيها على البيانو، أخلق حولي عالما جميلا، أدخره للحظات صعبة.
صغيرا كنت أقوم بفعل غريب.
أخبيء أموالا وأغراض شخصية في ميادين عامة!
كنت أذهب لأقرب ميدان من بيتي، وأدس نقودا تحت حجر معين (ِشبه مخلخل) وأستردها بعد أيام وسط ذهول المارة والواقفين.
كنت أنحني وأتناولها كما لو أنني أتناولها من على منضدة منزلي، دون أن آبه لمن حولي.
ودوما ما أخبيء العسلية والشيكولاتة..أنثرها بصورة غير متجانسة في الأماكن التي يحتمل أن أتعامل فيها بكثافة (أدراج المكتب، دولاب الملابس، حقيبتي، حقيبة صديقي الذي يشاطرني الطريق....) بحيث دوما تكون هناك مفاجآت سعيدة بانتظاري.
وأضبط على هاتفي المحمول رسائل تذكيرية أحدد موعدها بعد شهور قادمة يكون مضمونها عادة رسالة رقيقة أو رسالة داعية للتفاؤل، أوجهها لنفسي.
تخيل أن تجد هاتفك يرن..لتفتح رسالة التذكير فإذاها رسالة مضى عليها 4 شهور: من فضلك ابتسم فكل شيء على سيكون على مايرام.
وعلى نفس الوتيرة، هناك ملفات "ورد" علاجية مثيرة للبهجة أحتفظ بها لأوقات أنا أعرف أنها ليست سهلة.
هناك، أجندة معينة، دونت فيها كل كلمة حب قيلت لي واستوقفتني، أكتب الكلمة وقائلها وتاريخ قولها لي.
هناك مخزون استراتيجي من البهجة أستعين به في اللحظات المرتبكة.
أقرأ الملفات غير المنشورة، أتناول الشيكولاتة المحتمل وجودها في هذا الركن أو ذاك، أسمح لكل الغزلان والشخصيات الكارتونية أن تمتطي الأفيال وتجيء لتغفو بجوار سريري في كسل ودعة، ثم أبدأ رحلة استجمامية قصيرة، عادة ما أقوم فيها بعملية مسح مؤقت لمقاطع معينة من الذاكرة.
لم أقول هذا كله الآن؟
لأنني بالصدفة منذ قليل تعثرت في حجر رصيف شبه مخلخل. فملت كي أعدله حتى لايتعثر فيه سواي، فإذاي أجد جنيها معدنيا هناك.
ابتسمت، وتركته مكانه.
لابد أنه يخص ولدا ما، خبأه هنا كأنه وضعه على منضدة بيته.
وسيكتب مستقبلا لنفسه ملفات بهجة علاجية.
الثلاثاء، 20 سبتمبر 2011
لماذا أنا فيل؟ قراءة في الافتراس والانطواء والوثنية وروح الواجب

أحسني فيلا، فيلا بالمعنى الحرفي للكلمة.
لو سقطت بي طائرة في براري أفريقيا أو الهند، ووقفت قبالة قطيع أفيال، سأجري عليهم متلهفا، بينما تلامس يداي الأرض وتستطيل زلومة لي، ويتضخم حجمي..سأعود للقطيع الذي حُرمت من معايشته طفلا، وتم اختطافي منه ومن قواعده، إلى حيث يقبع نوع آخر من الثدييات، يرتدي التي شيرت القطني، ويشاهد التلفاز، ويكتب عن الفلسفة، ويصيغ قواعد أنظمة رأسمالية وقحة للغاية.
أنا فيل!
1-الافتراس: لا يتعرض الفيل لهجوم الأسود إلا في الليل، وعادة ما يكون هجوما مكائديا وحشيا يستهدف صغار الأفيال، وفي غياب باقي القطيع، أما في النهار فإن الأســد ، يبدو "مسخوطا" جوار الفيل، قطا مغلوبا على أمره، ولا يفترس أيا من حيوانات الغابة في حضور الفيل، فالفيل توازن ردع أخلاقي داخل الغابة ، ويرهب الأسود في وضح النهار.
أنا شخصيا لا أحب أن أقود أو أتزعم ولا أحب النجومية المنفردة (فليكن الأسد ملكا للغابة)..لكنني لا أسمح لأي من كان أن يفترس أحدا في حضوري، لا أطيق الجور والضيم والاستعراض.
إذا ما تباهى أحد على أحد في شيء ما، أحس باستنفار داخلي، وأنكل بالمتباهي المختال، تهوينا للأمر على نفس الضعيف المسكين.
(لا تتباهى أمامي كم أنت رائع وموهوب وعظيم ولم تحدث قط، إلا إذا كنا بمفردنا معا، أما في حضور من هو أضعف من حضرتك-افتراضا- فلا تختال عليه كي لا أدق عنقك)
2-الوثنية: يرتبط الفيل على نحو حنيني، مع الأماكن التي يمر بها، ومع رفاقه في القطيع، يتذكر كل شيء وكل مكان، وحين يتوقف أمام مقبرة الرفاق القدامى أو الوالدين والأجداد، يتوتر ويحزن ويلامس عظام وجماجم الراحلين في مشهد ربما هو الأكثر كآبة وعاطفية وصدقا على وجه الأرض.
ثم يبكي لأن كل شيء حاضر في ذهنه وكل الذكريات والأماكن ماثلة أمام عينيه طوال الوقت.
3-الشعور بالواجب، وضرورة حماية القطيع ومراقبة الصغار ومساعدة المحتاج..كيف تقع عيناك في عيني من يحتاجك ثم توليه ظهرك.
4-الانطواء: الفيل انطوائي رغم مرحه، وحين يستشعر قرب وفاته، ينفصل تلقائيا عن القطيع ويذهب لأماكن المياه ويموت هناك بلا صخب أو ضجيج، فهو حين يتألم يتألم منفردا، وحين يموت يفضل ألا يتحسر عليه رفاق القطيع..شعوره أنه ذاهب لاستكمال الرحلة مع الراحلين الأول.
تماثيل الأفيال التي تحتل دولاب ملابسي، ومنضدة غرفتي، ومكتبي، وعلى شاكلتها كانت ميدالية مفاتيحي، وخلفية حاسوبي الشخصي، وأيقوناتي المتناثرة..هي رسالة وخيار واضح لهذا العالم.
الأحد، 11 سبتمبر 2011
أحمد الدريني..العم

شيء قدري في علاقتنا يملي علينا ألا نرى بعضنا إلا كل سنتين أو ثلاث، مرة.
لا أخطيء نظرة المحبة-في أقصى درجات ضعفها- في عينيه..شعوره الدائم-لا أفهم منطلقاته-أنه دوما مقصر في حقي وأنه مذنب مجرم..أي حق هذا ياعم؟
يرحل ويجيء..سنوات تمضي وأخرى تُهدر..وهو يرحل ويجيء..وفي كل مجيء يملأ وجهه الخجل لأنه لم يستكمل هذا الشيء الذي لا أعرفه، ودوما كلما رآني يخرج كل ما في جيبه تقريبا ويعطيني إياه، قلت له ذات مرة منذ ثلاثة سنوات: أنا عندي 23 سنة هل تعتقد أنني سأشتري لنفسي شيكولاتة أو آيسكريم بمبلغ كهذا؟
تعود أول صورة مسجلة له في ذهني، إلى النصف الأول من التسعينيات وهو بملابسه العسكرية-أثناء تأدية الخدمة- يجلس في شرفة منزلنا يشرب الشاي ويدخن السجائر في ليلة شتوية قارسة.
كان لسبب ما متميزا في خدمته العسكرية(حصل على أنواط وتكريمات أخلاقية) وكان يشارك في العروض العسكرية والمناورات ومشاريع الحرب تقريبا.
أرقب ظهوره التلفازي في هذه العروض، بينما لا أزال غضا لا أستطيع تمييزه وسط عشرات العساكر متشابهي الملامح حد التطابق، لكن يخفق قلبي كأنه في جناحي عٌقاب محلق، حين أدرك أن عمي (هذا الذي يحبني) هو هذا البطل الذي يقفز من أسطح المباني العالية ويتسلق الأسوار الشاهقة ويصوب بمهارة شديدة.
لأجله أحب فيلم "جومانجي" فقد شاهدناه سويا، وضحكنا حتى بكينا، ومازالت الليلة التي شاهدنا فيها الفيلم سويا حاضرة في ذاكرتنا رغم مرور أكثر من خمسة عشر عاما عليها.
وإذا صادفت الفيلم على إحدى المحطات، أثبت مكاني، ثم أسلتقي-ببطء-وأشاهد الفيلم بمتعة، يفوق الحنين فيها وقع المشاهدة، وتتسلل إلي رائحة عمي، وروحه وريحانه وجنة نعيمه.
حين طالبته وأنا في الثامنة أن يدربني على القتال (مثلما يطير هو في العروض العسكرية)، لم يسخر مني ولم يهزأ برغبتي الطفلة ولم يسف أيا من آمالي، قال لي: سأدرب عقلك أولا.
عصب عيني، ووضع كوبا من الماء في خط مستقيم في غرفتي، وطلب مني أن أسترشد على موضعه ولا أخطيء فأركله وأسكب ماءه.
وهكذا..عشرات المرات.
يعصب عيني ويطلب لي أن أتعرف على العالم من حولي، أن أدرك بإحساسي أين يقع كل شيء وكيف هو قانون كل شيء، أن أدرك الهدف مهما كانت العوائق..ولما نجحت في كل الاختبارات (ربما لأجل حبه لا لتميزي) أحضر دفتر أوراق وشرع في تعليمي اللغة الفرنسية!
لكن كل التدريبات الخاصة انتهت بغتة حين قررت الأقدار انتدابه بعيدا عني، ليصبح كل نصيبني منه، تدريبات مكثفة على الرؤية في العتمة والإدراك من قلب العدم ودرس يتيم في اللغة الفرنسية (ألهذا تهربت دوما من دراسة هذه اللغة؟).
صادفني مرة، قبل 4 سنوات، وبصحبتي زميلة عمل، بالقرب من مكتبي، فانتحى بي جانبا وهو يحضنني ثم همس: هل هذه التي ستتزوجها؟
أضحك وأقول له من فضلك كف عن مشاهدة الأفلام العربي، بينما أدرك ما وراء التخمين الخاطيء.
قلت له حانقا ذات مرة: الناس تعتقد أن ما أنشره أنا هو من عملك أنت، لأننا نحمل نفس الاسم، والأوقع أن تكون أنت الصحفي لا ابن اخيك الصغير.
قال لي بصورة سريعة حاسمة: حاضر. ثم استخرج بطاقاته التعريفية، وغير اسمه فيها من أحمد الدريني، إلى اسمه الثنائي الذي لا يدل على العائلة بحال من الأحوال.
أشرد قليلا: إنه يتخلى عن اسمه لأجلي!
تمر السنون وألتقيه، ودوما أطفال العائلة حوله هو بمفرده، فهو الوحيد في آل الدريني الذي يتسع صدره لملاعبة الأطفال، والخروج بهم لحديقة الحيوانات وتصويرهم مع الأسد، وتجهيز العشاء لهم قبل النوم.
***
حين تبث أيا من المحطات فيلم جومانجي، يتذكرني وأتذكره-فنحن دوما لسنا جوار بعضنا لأسباب كونية لا عائلية لا أفهمها- ولأجل هذه اللحظة الإنسانية النادرة التي تراقب نجوم السماء كلينا فيها، أدعوكم جميعا، لتذكر أحمد الدريني حين يعرض هذا الفيلم..أحمد الدريني العم.
الخميس، 18 أغسطس 2011
حكاية مظروف مغلق وصل متأخرا ثلاث سنوات

وصلني بالأمس مظروف مغلق..جاء متأخرا عن موعده ثلاث سنوات كاملة.
التأخر قدري بحت، لأن عملية التسليم والتسلم، لابد كانت يدا بيد، فلا دخل لهيئات البريد في الأمر بشيء.
هذه الحقيقة في حد ذاتها، على عكس ما يبدو لك، تضاعف من دراما المشهد. فالخبر المتكرر الذي ظل يطرح نفسه كل عدة سنوات على صفحات الجرائد، حول الخطابات التي أرسلها جنود في الحرب العالمية الثانية لزوجاتهم وقد وصلت لتوها في نهاية التسعينات، لم تكن لتؤلمني بمقدار ما كانت تبعثر كياني وأفكاري، وتدفعني للتخوف من خطاب لن يصل أبدا متى ينبغي أن يصل.
لقد انغلق المظروف على محتواه قبل ثلاثة سنوات، انغلاقة لن يفتحها إلا إياي، ومن ثم فمحتواه سهم القدر الذي انطلق في الفضاء ولم يعد من الممكن استرداده على وتر القوس..هكذا هو الأمر.
أتأمل المظروف وقد قطع مسافة شاسعة من بلد، حين مررت فوق ضبابه بالطائرة، قلت لا بد أن حافة العالم هنا..ولم أجد المبررات الكافية كي يخلق الله على ضفته الأخرى قارة كاملة، وبينهما محيط هادر.
أضع المظروف أمامي على المكتب، وألقي بظهري لأقصى وراء يمكن أن يسمح به انثناء الكرسي الجلدي نصف الوثير.
أتفحصه مليا، وأفكر في عشرات الاحتمالات في أجزاء من الثانية، وما بين كل احتمال وسواه، مسافة شاسعة من رد الفعل، وتأسيس أو نفي، لحقيقة كنت أتحسس ملامحها منذ سنوات مضت.
حين أفتح هذا المظروف سأحكم على نفسي، تفكيري ومشاعري، وسينتهي فصل ما من حياتي على نحو أكثر دراماتيكية مما كنت أعتقد.
ربما لو كنت أصغر سنا، ومن ثم أكثر رعونة، لفتحته فورا، دون أحسب حسبانا واحدا لا يصب في صالحي، لكن ثلاث سنوات تكفي بشدة كي يصير الواحد أكبر سنا.
تتحسسان يداي المظروف، تحسسا مرتبكا، وعيناي-على شرودهما- مثبتتان فيه، ولا صوت حولي مطلقا، كأن كل شيء قرر أن يصمت فجأة.
أتنفس بعمق، بينما يهيأ لي أن صوت سريان الدم وتدفقه في شراييني وأوردتي، يلقي بحفيفه نحو أذني، وسط هذا السكون الذي قررت إرادة ما أعلى مني أن تفرضه على الحيز المحيط بي.
أفتحه حذرا مشوشا مبعثرا، كأني لا أجيد تمزيق ورقة مقواة مطوية كي أتفحص محتواها!
يتمزق صوت الورق فأحس أن القيامة ستقوم الآن، وأشفق على نفسي من لحظة قادمة ستتبدل فيها الأرض غير الأرض.
وأمتن داخلي لقدري ومصيري، الذي يحوز فيه الأدرينالين دور البطولة، وأتساءل التساؤل البدائي: هل هي حياة سينميائية بزيادة؟ أم أننا نتعلم من السينما كيف ىيمكن أن تكون الحياة درامية على هذا النحو.
أتناول مغمض العينين ورقة، تصاحب محتوى المظروف (الذي هو في الأغلب هدية)، وأشرع في تسوية انثنائتها الكتوم.
أول ما أتناول الورقة، أرتد بغتة لسنوات مضت..الخط نفس الخط يا إلهي!
لم تتغيري قيد أنملة أيتها اليد التي كتبت..
الخط هو هو..
ما الجديد؟ هل لا ينبغي أن يكون هو هو؟ أم أنني أتخوف من تغير ما، أربطه-عسفا- بتغير في شيء آخر؟
احاول التركيز عشرات المرات كي ينتظم الخط في عيني فيستحيل إلى جمل مفهومة، بدلا من التنقلات والقفزات التي أجريها من أول الخطاب لآخره دون أن أفهم حرفا.
بعد نصف ساعة تقريبا، أضع الخطاب جانبا، وأتناول محتوى المظروف..الهدية.
هدية تشبهني جدا..هدية لي بمفردي ( كما أشترط على أي حد ينتوي مهاداتي)..هدية تطابقني، كما يطابق الخط نفسه في الخطاب!
أضع كل شيء أمامي: المظروف الممزق، الهدية التي تشبهني، الخطاب المكتوب بخط يشابه نفسه.
أغمض عيني وأقول: أروع ما حدث أنه جاء الآن..الآن فقط.