90s fm

الأحد، 3 مارس، 2013

حيثما كانت مصلحة الإخوان..فثم شرع الله






*هذا حوار أجريته مع خبير الحركات الإسلامية حسام تمام، رحمه الله، عام 2008 بمناسبة مرور 80 سنة على إنشاء جماعة الإخوان. وأعيد نشره الآن لأنني أعتبره قراءة مفتاحية ضرورية لمن أراد أن يتعرف على أعمق محركات "الإخوان" بكل تعقيداتها

من رصاص التنظيم الخاص إلي رقة عمرو خالد ومن رهبان الليل فرسان النهار إلي "إصلاحيين وطنيين مدنيين".. يمعن الزمن في اثبات قدرته علي التغيير،او علي أقل تقدير ادعاءه،والنزول عليه ولو مداهنة.
كيف استطاعت الجماعة الثمانينية ان تحمل تناقضاتها وان تتحمل الضربات الخارجية وان تصمد رغم الاستنزاف الدائم الذي تتعرض له علي مدار هذا العمر المديد؟
وكيف انزلت السياسية واحتياجات اللحظة التاريخية،الجماعة العملاقة،علي قوانينها الخاصة،ليتخلي الإخوان عن الكثير من قناعات الآباء المؤسسين الاوائل،متسقين مع متطلبات المرحلة؟
80 عاما تفلصنا الان عن ميلاد جماعة الاخوان المسلمين،الجماعة السياسية الاجتماعية الدينية اليمينة الميول والقناعات علي كل المستويات تقريبا.
يرصد هذا الحوار مع خبير الحركات الاسلامية حسام تمام ملامح التغير التي طرأت علي جماعة الاخوان المسلمين منذ النشاة 1928 إلي اليوم،في رحلة سريعة بين الافكار والتاريخ والسياسة والفقه،متوخيا حذر الاستعداء الايدولوجي منحازا الي ضرورة التحليل والتروي،وإلي طرافة وبداهة الملاحظة أيضا.

80 سنة عمر "الاخوان المسلمين"..كيف صاغ التاريخ علاقته بالجماعة ،وكيف تأثرت الجماعة بالتاريخ؟

هناك مفتاحان اساسيان لقراءة الاخوان تاريخيا أولا:

الاخوان _كحركة_لديها القدرة علي "الفعل التاريخي"..أي أنها حركة لا يفوتها التاريخ بسهولة ولا تتخطاها أحداثه،لأنها قادرة دوما علي ركوب الموجة وتحمل في حقيبتها أدوات براجماتية خالصة،استغلتها الجماعة علي امتداد تاريخها في اعادة انتاج نفسها وفق المعطيات الجديدة، ففي نهاية الأربعينات مثلا ستجد تأثرا ملحوظا بأفكار العدالة الاجتماعية التي انتشرت في مصر،بينما سنجد النفس المعادي للإمبريالية والاستعمار في الخمسينات تماشيا مع السائد،في حين سنسمع في الستينات كلاما عن اشتراكية الاسلام أثناء علو المشروع الناصري الاشتراكي،والآن يتكلم الإخوان عن الإصلاح والديمقراطية..دائما ستجد الإخوان حاضرين ولديهم لكل حال لبوسها. 

أما المفتاح الثاني لقراءة الإخوان في التاريخ فهو قدرتهم علي الحركة انطلاقا من خلفية اسلامية مرنة بشكل كبير جدا علي عكس ما يبدو،فالاخوان لم يحصروا انفسهم مبكرا في مذهب فقهي أو اعتقادي محدد ولم يوقفوا مشروعهم علي رؤية فكرية لا يتجاوزونها،لكنهم أبقوا علي أنفسهم كمظلة " إسلامية " مفتوحة وقابلة لاستيعاب كل ما يحتمله الاسلام وكل ما يصدر عن الشريعة بتنوعه وتعدده،وما يحمله من إمكانات التفسير والتأويل، لذلك عند التدقيق فلن تجد سوي مساحة قليلة جدا للثوابت الدينية عند الاخوان.

اذن ما الضابط الفقهي او الفكري الذي اعتمدته الجماعة في مسيرتها كجماعة دينية بالدرجة الأولي؟

الاخوان تيار يضم خليطا متنوعا أقصي ما يكون التنوع، فلا يوجد قالب صرف أو مفهوم صارم لتحديد هوية الاخواني الفكرية او المذهبية ،فأعضاء في الجماعة يتراوحون من تخوم السلفية العلمية فالجهادية وصولا إلي تخوم الليبرالية، لكن يبقي التنظيم في النهاية هو الضابط الأكبر وهو المرجعية التي ينصاع الجميع لها،علي اختلاف أهواءهم السياسية ومراوحاتهم الدينية..وفي النهاية فأن الجميع يؤسس لأفكاره وفقا لمرجعية إسلامية ولو علي مستوي الشكل.

كيف تعايشت هذه التيارات المتناقضة والمتصارعة_بالضرورة_ داخل جسم الجماعة العملاق؟
مصلحة الجماعة – التي هي في المتخيل الإخواني مصلحة الإسلام، ثم ما تفرضه الضرورة التنظيمية كان دائما العنصر الحاسم والفاصل في مسيرتها وكان الحاكم بين اعضائها..فمنذ السبعينيات وحتي منتصف الثمانينات تعايش الجهاديون من امتدادات "النظام الخاص" أو " تنظيم 1965" وهم من نسميهم بأصحاب نظرية العنف المؤجل، تعايش هؤلاء مع تيار الدعوة والعمل العام الذي يتكون في معظمه من الناشطين النقابيين والسياسيين وأصحاب الخبرة في الاحتكاك الواسع اجتماعيا..وساعد علي التعايش في هذه المرحلة أن الجهاديين من الإخوان كانوا يرون أن لحظة العنف لم تحن بعد.
لكن مع تطور الجماعة وتوسعها في العمل السياسي والتواجد في العمل العام جاءت واقعة اغتيال السادات وما كشفته من خطورة العنف علي المشروع الإسلامي لتلزم الجماعة بتحقيق موقفها من العنف خاصة بعد أن صارت هناك جماعات مسلحة ولم يعد مجرد نوايا أو أمنيات..واختار "الاخوان" محاصرة تيار العنف داخلهم تماشيا مع ما تفرضه اللحظة التاريخية ونزولا علي مصلحة الجماعة.
الشيء نفسه كان قد حدث فيما عرف بفتنة التكفير، كانت بذوره موجودة من قبل لكنه حين صار تيارا واسعا داخل الجماعة أثناء محنة السجون يؤمن أتباعه بالتكفير كعقيدة صار المشروع الإخواني مهددا في صلبه فتوقف الإخوان عن التعايش مع هذه الأفكار وأصدر حسن الهضيبي كتابه الشهير "دعاة لا قضاة"..وهكذا تظل التيارات المتعارضة متعايشة داخل الجسد العملاق إلي أن تحين لحظة توتر تهدد المسار العام للجماعة؛ ساعتها تعلن عن نفسها وتحسم التعددية المتشظية داخلها لمصلحة رؤية معينة ...والضابط في النهاية- كما قلنا- هو تبني ما يحقق مصلحة الجماعة.

هل أفهم أن مصلحة الجماعة قد تتحدد بعيدا عن القاعدة الفقهية_علي مطاطيتها_نزولا علي احتياجات لعبة السياسة؟
إلي حد كبير..الرؤية الفقهية ليست محددة لمسار حركة الجماعة بقدر ما هي تأتي ضمن سلة اختيارات فقهية تنتقي منها الجماعة ما يحقق مصلحتها..وسأضرب لك مثالا بالواقعة التالية: طوال عمر الإخوان وهي تجمع في قواعدها بين رؤيتين في الفكر السياسي الأولي تنتمي لما قبل الدولة الحديثة وتري أن الأقباط أهل ذمة ويقع عليهم ما تفرضه عقود الذمة ، والثانية أكثر حداثة وتأثرت بخبرة بعض قطاعات الإخوان السياسية وتقر بقاعدة المواطنة ..وفي عام 1996 ظهر المرشد مصطفي مشهور علي صفحات الاهرام ويكلي وأعلن وقتها أن الأقباط أهل ذمة ويفترض أن تجري عليهم أحكام الذمة بما تقتضيها من دفع الجزية مقابل الإعفاء من الخدمة العسكرية!.
لم يكن هذا جديدا علي قطاعات كبيرة من الإخوان بل لدي كل الخطاب الديني التقليدي حتى في الأزهر، ولكن الحوار أحدث وقتها صدمة عنيفة وأثار الكثير من البلبلة وجر علي الجماعة نقدا جارحا وهدد ما أنجزته من مكتسبات علي مستوي الشارع السياسي فكان لابد ساعتها من مخرج..
فجاء مأمون الهضيبي ،الذي كان يشغل منصب نائب المرشد حينها، وأعاد شرح أو تفسير أو ضبط كلام مشهور بحيث ذهب به إلي معني بعيد تماما ينتهي به إلي القبول بالمواطنة!
الحق أن الإخوان لم يراجعوا أنفسهم وقتها، ولم يكذبوا علي الرأي العام ويتبنوا التقية كما قال البعض، الذي حدث أنهم اضطروا إلي تغليب خطاب أو رأي علي غيره طالما حقق مصلحة الجماعة ووجد ما يسنده شرعيا! ولما كانت مصلحة الجماعة سياسيا في أن تظهر محترمة لقاعدة المواطنة، ولما كان هناك تخريجة شرعية أبدعها الأستاذ طارق البشري أسس من خلالها إسلاميا لفكرة المواطنة فقد التقطها الإخوان وتبنوها ..فالإخوان دائما يدركون غريزيا مصلحة جماعتهم..وحيثما كانت مصلحة الجماعة ( التي هي مصلحة الإسلام في وعي الإخوان ) فثم شرع الله!

هذا يتنافي تماما مع السائد بأن هناك "مفتي" خاص بالجماعة وأنهم يتحركون مدفوعين بمباركته الدينية والشرعية فيما يفعلون؟
لا أعتقد أن للاخوان مفت شرعي بما تعنيه كلمة مفتي، فالشيخ عبد الله الخطيب الذي يطلق عليه هذا اللقب ليس مفتيا بما هو متعارف عليه لكنه اقرب للمستشار الشرعي بل وفتواه غير ملزمة، فالخطيب مثلا تعود رؤيته الفقهية حيال الأقباط لما قبل مرحلة الدولة الحديثة ( أحكام أهل الذمة ) بينما يمضي السلوك السياسي للجماعة في طريق مخالف له تماما.


لا أميل إلي القبول بفكرة وجود كهنوت داخل الاخوان،لكنه في أفضل الأحوال فكرة المرجعية الشرعية العامة وليس أكثر،هم لا يقدمون علي حرام بين واضح،لكن في نفس الوقت لا يأخذون رأيا فقهيا مقيدا لعمل الجماعة.
وهناك حادث هام ينبغي الالتفات اليه ،ففي انتخابات 1987 دعم الاخوان سيدة علي قائمة حزب العمل فاعترض الشيخ عبد الستار فتح الله أستاذ التفسير بجامعة الأزهر وعضو مكتب الارشاد،ودار جدلا كبيرا،فطرح السؤال نفسه بين الاخوان عن وزن وحجية رأي الفقيه أو العالم في مقابل راي السياسي أو الحركي،وانتهوا إلي أن الشرع حيث المصلحة العامة وأن كلام الفقهاء مرجح غير ملزم إذا ما كانت القضية تحتمل أكثر من اجتهاد،والمهم المصلحة وتحققها..ومن ثم فللسياسي أن يتبني رأي الفقيه الإخواني أو يتركه لغيره طالما لم يخالف الإسلام ..الغريب أن الإخوان لم يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم نظريا وإعلاميا وقتما اتهموا بأنهم يتبنون مبدأ ولاية الفقيه في حين أن ممارستهم الداخلية كانت أنضج بكثير مما قالوه بشأن مجلس الرقابة الشرعية..لكنها علي العموم جزء من حالة التراجع العام داخل الإخوان .

انت تشكك هكذا في دور الخلفية الدينية لقرار الجماعة وحيثيات انطلاقها تاريخيا،أو علي أقل تقدير تقلل من دوره؟
أنا أنظر للاخوان كحركة اجتماعية لها مشروع سياسي أكثر منها تنظيم دعوي إسلامي مغلق..دوما ستجد لها صلة بالواقع وحالة من التماس معه لدرجة الانغماس فيه،بينما تقوم صلتها بالدين علي تنزيله علي الواقع ومحاولة تطبيقه..وهي كحركة اجتماعية لدية قابلية للتطور مع تطور مجتمعها بحسب توفر شروط ذلك.

لكن المجتمع اليوتوبي الذي تتحدث عنه الأدبيات الاخوانية مجتمع اسلامي صرف،وليس مشروعا مؤسسا علي معطيات مجتمعية واقعية؟
أول وأهم قاعدة لكي تدرس الإخوان أن تترك مسافة بين ما يقولونه وما يفعلونه واقعيا إذ لا صلة بينهما شرطية بالضرورة..ثم هناك كذلك تحولات كبيرة في الممارسة الواقعية حدثت بينما الأدبيات لا يطرأ عليها تحولات إلا نادرا../ثلا في حقبة السبعينيات إلي نهاية الثمانينيات كانت تروج في القواعد الإخوانية مقولة سيد قطب (جيل قرآني فريد) التي كانت عنوانا لأحد فصول كتابه (معالم في الطريق)..كان لهذه المقولة فعل السحر في سعي قيادات الجماعة وكوادرها إلي الوصول لنموذج الوحدة الفكرية التي تؤسس للقاعدة " النقية " في منطلقاتها الشرعية وتأسيسها الفكري وفي معاملاتها بل وفي صورتها وهيئتها أو ما كان يعرف ب" الهدي الظاهر".وكلها كانت تتحالف علي بناء "مناضل" إخواني "نقي" و"مختلف" عن أقرانه وزملائه في بيئته. غير أن تحولات كثيرة – خاصة علي المستوي الاجتماعي والاقتصادي- جعلت هذه المقولة أقرب إلي أحلام الرومانسية أو- في أفضل الأحوال- إلي ذكري جميلة من مرحلة " البراءة " التي يحن إليها المناضل الإخواني ويجترها في حديث الذكريات دون أن يلتزم بالسعي إلي تحقيقها.
لم نعد أمام ذلك المشروع التربوي القديم الذي يتبناه الإخوان لصياغة أفرادهم بدأ بالاخلاق والمعاملات وحتى السلوك الاجتماعي والملبس بل ومفردات اللغة التي يتحدثها الاخواني نفسه!..لقد ذهبت هذه المرحلة من البراءة او السذاجة الايدولوجية ليفرض الواقع نفسه باحتياجاته وتطوراته ونصبح أمام إخوان عاديين يقتربون من الناس إن لم يتماهوا معه.

اذا سلمنا أن هذه المرحلة اصبحة في حقيبة الذكريات،كيف اصبح الكادر الاخواني اليوم؟
الكادر الإخواني يقرأ في التراث الإسلامي أقل مما يقرأ في شئون الحياة، وتزخر مكتبته بمجموعات ستيفن كوفي في علم الإدارة وروايات باولو كويلو ..ولا يشعر بحرج أن يقتبس في إحالاته إلي فلاسفة ومفكرين غربيين وغير مسلمين بل وربما رآها عنوانا للثقافة والتميز علي خلاف ما كان عليه أسلافه في جيل السبعينيات.

وهو ينفق جزءا لا باس من تفكيره في الإجابة عن سؤال: أين وكيف يقضي عطلة الصيف؟، يذهب إلي السينما ويتناقش في آخر ما شاهده من أفلامها، ويقتني الأطباق اللاقطة وإن سعي في بعض الأحيان لتشفير القنوات الإباحية، لكنه فيما عدا ما يجرح الأخلاق مقبل علي المتعة والترفيه خاصة مباريات كرة القدم التي لم يعد يختلف "المناضل" الإخواني في حبها ومتابعتها والاهتمام بها عن بقية أفراد الشعب المصري الذي يذوب فيها عشقا. لقد كف " المناضلون" الإخوان عن التهكم علي "الولع" المصري بكرة القدم ولم يعودوا يرونها مظهرا للخفة أو مضيعة للوقت أو وجها من وجوه الانصراف عن قضايا الأمة كما كانت نظرتهم من قبل. لقد أدان نواب الإخوان في البرلمان مثل غيرهم تشفير مباريات كاس الأم الأفريقية الأخيرة وحرمان الشعب المصري من متعة مشاهدتها، وشاركوا غيرهم من السياسيين في نصب شاشات العرض في الساحات الكبرى لتشاهد الجماهير المصرية المباريات مجانا! وحين فاز المنتخب المصري بالبطولة سارع رئيس الكتلة الإخوانية في البرلمان إلي إصدار بيان تهنئة بالفوز ولم تمض عليه ساعات حتى اصدر المرشد العام – في سابقة هى الأولى- بيانا رسميا للتهنئة بالإنجاز القومي الذي حققه اللاعبون المصريون!

مثل هذه الخطوات تشي أن هناك تحولا واسعا في الرؤية والممارسة السياسية للجماعة،كيف تقيم المشهد السياسي الاخواني الحالي؟
أدي الدخول البراجماتي والكثيف للإخوان في السياسة إلى تخليهم عن الرواية الكبرى – الدولة الإسلامية – والالتزام بطرح برنامج لا يبعد كثيرا عن برامج الأحزاب الوطنية الأخرى، ، بل والليبرالية منها علي وجه الخصوص.

من يتابع الخطاب الإخواني في الفترة الأخيرة يلاحظ غياب مفردات الرواية الكبري من الدولة الإسلامية والخلافة الراشدة والوحدة السياسية الجامعة لكل الأمة الإسلامية ومفاهيم أهل الذمة، كما سيلاحظ حضور مكثف ومتصاعد لمفردات خطاب جديد لا علاقة له بالقديم وإنما يرتبط بمشروع حزبي سياسي بامتياز حتى وإن لم يعلنه أصحابه كاملا
فالبرنامج السياسي للإخوان تتأكد يوما بعد يوم مفارقته – تماما- لكل ما كان يقدمونه عن "المشروع الإسلامي"، باتجاه برنامج ديمقراطي بعيد عن الأرضية الدينية التي كانوا ينطلقون منها ، فكثر حديثهم عن الاحتكام التام للشعب أيا كانت خياراته، والقبول بحق ومبدأ تداول السلطة والتسليم باختيار الشعب مهما كانت، وأن حكم الشريعة مرتهن بقبول الشعب له؛ مع اتجاه للتخفف من المرجعية الدينية ففي العمل السياسي قياسا بما كان يحدث من قبل. 

لقد اضطر الإخوان بفعل الدخول الكثيف في العمل السياسي إلي أن يقولوا كلاما محددا بعيدا عن العموميات الفضفاضة التي كان يحرصون عليها وهو ما كان له أثر بالغ علي مقدرتهم السابقة علي الحشد الواسع لقطاعات متعددة ومتباينة في المجتمع.
وواكب ذلك تحول ثان بالغ الأهمية طال هذه المرة الدولة المصرية نفسها التي عاشت تحولات اقتصادية كبرى كانت تصب جميعها ضد مصالح الطبقات الفقيرة ، فكان أن بدأت هذه الأيدلوجية في التفكك لتكشف عما وراءها من تناقضات طبقية ومصلحية هائلة أكبر من أن يستمر تسترها وراء أيدلوجية تخلي عنها ممثلوها الرسميون.

ماذا عن الشباب الاخواني وسط هذه المعادلة المضطربة؟كثيرا ما يحتدم الصراع بينه وبين مكتب الارشاد،ويحمل داخله الكثير من الطموحات والاحباطات،جيل ديناميكي بصورة تقوده للكثير من الصدامات؟

هناك جيل جديد يتغير بوتيرة اسرع من قدرة الجماعة علي متابعته وإدراكه،لكن الصراع والخلاف دوما داخل الجماعة لم يكن خلافا بين أجيال بل كان خلافا وفق الرؤية والمشروع ، والضابط التنظيمي قابل لاحتواء أي شيء دوما، وساعد علي قوة الرابط التنظيم أن التجربة أثبتت لهم أن الخارج من الجماعة خسران،مثل نموذج حزب الوسط ، ففي ظل سيطرة النظام الحاكم المطلقة لم يبق في الساحة غير الاخوان،واصبح الانخراط في صفوفهم للحركيين والتغييريين من الشباب افضل الخيارات. والجماعة بدورها ترفع للشباب شعار "انفتحوا" ،وانطلق هؤلاء الشباب بدورهم واقبلوا علي اشياء لم تكن لتتم في زمن سابق فقبل ثلاثة اعوام في عيد الحب نظم شباب الاخوان في جامعة القاهرة احتفالية لعيد الحب أطلقوا عليها اسم ( يوم محمد ) Mohamed Day! لتقديم رؤية إسلامية في الحب! 

ورغم كل شيء فقدرة الإخوان علي احتواء شبابهم أكبر من بقية القوي السياسية ،انظر لشباب الحزب الناصري الذين انشقوا في حزب الكرامة وانظر إلي شباب حزب الوفد الذين خرجوا في حزب الغد وغيره..هذه مشكلة قائمة في الكثير من التشكيلات والاحزاب،والشباب في الاخوان قابل للاستيعاب من قبل الجماعة تحت لواء الانضباط التنظيمي،مع قدرة الجماعة علي الاحتفاظ بنفسها رغم اختلاف مشروعات البعض داخلها.

والرؤية الاقتصادية للجماعة؟هل هناك رؤية من الاساس للاخوان في المسألة الاقتصاية؟
دائما ما كان الاخوان تيار اقرب الي اليمين في المسالة الاقتصادية وباستثناء كتابي سيد قطب ( العدالة الاجتماعية في الاسلام ) والغزالي ( الاسلام واوضاعنا الاقتصادية ) اللذان تأثرا بأجواء الحديث المتصاعد عن العدالة الاجتماعية نهاية الأربعينيات فإن الاخوان يمكن التعامل معهم كحركة يمينية،فالجماعة تاريخيا قامت في نشأتها علي صغار الملاك وصغار الموظفين ثم كان تطورها التاريخي بان تكون قاعدتها الطبقة الوسطي وخاصة الشريحة الوسطي والدنيا منها، ومن ناحية ثانية نرصد تاريخيا وجود قيادات في رأس هرم الجماعة من ذوي اليسر او الثراء مثل محمد حامد ابو النصر المرشد الثالث الذي كان اقطاعيا كبير ا من منفلوط ( تسمي باسم عائلته منشية ابو النصر التي ولد فيها) وهناك ايضا موظفي الدولة وكان منهم عدد لا باس به هناك كذلك تيار المشايخ والازهرية وهو بعيد تقليديا عن افكار اليسار والعدل الاجتماعي..لكن هذا لا يعني- بالضرورة-عدم الاحساس بالفقراء او عدم الرغبة في مساعدتهم ..لقد كان الاخوان دائما قريبين منهم ولكن ليس عبر مقاربة قانونية او سياسية لقضية العدل الاجتماعي بل عبر مقاربة احسانية تقوم علي مساعدتهم والعطف عليهم وليس التدخل قانونيا وسياسيا لمصلحتهم.

x ولكن كان لوجود قسم البر والمقاربة الاحسانية تأثيرات متناقضة فهو وإن ربط الاخوان بالفقراء ولم يبعدهم عنهم ( كما لدي اليمين الليبرالي مثلا ) فهو قلل من فرصة نشوء تيار داخل الاخوان ذي ميل يساري أو معني بالمسالة الاجتماعية بعيدا عن المقاربة الاحسانية .
هذا تاريخيا أما واقعيا فإن مراجعة سريعة في مواقف الإخوان من القضايا السياسية والاقتصادية الاجتماعية في مصر تقول إن الجماعة صارت أقرب إلي حزب وطني قطري بل وحزب يميني ذو توجهات ليبرالية في المسالة الاجتماعية الاقتصادية حيث القبول أو عدم الممانعة للتحولات التي طالت البلاد باتجاه أقرار سياسيات التحول الاقتصادي نحو تبني اقتصاد السوق القائم علي الخصخصة وإعادة الهيكلة وحرية التجارة وانسحاب الدولة  

وجاء ذلك ليؤكد ان الجماعة اتجهت إلى اليمين الرأسمالي بفعل التركيبة الداخلية واتساع حجم ودور رجال الأعمال فيها، وهو توجه أكدته مجمل التحولات الدينية في البرجوازية المصرية المتدينة سواء التي ترتبط بالجماعة أو التي تدور في فلك ما عرف بظاهرة الدعاة الجدد، وخلت مواقف وأدبيات الإخوان – وآخرها مبادرة الإصلاح الصادرة في مارس 2004 – من أي تمثيل لهموم الطبقات الدنيا.
ويظهر ذلك أيضا في الوعي الإخواني فقد تغيرت حقبة الحلم فلم تعد الدنيا دار الابتلاء والشرور ولم تعد جحيم المؤمن أو مجرد شجرة يستظل بها ثم يغادرها إلي الآخرة بل صارت مرغوبة ومقصودة والنجاح فيها معيار للإيمان الديني ومؤشرا علي النجاح في الآخرة ..أقبل الإخوان علي الدنيا وأعاد الوعي الإخواني توجيه بوصلته فصارت محاضن التربية والتكوين والتثقيف تخرّج نوعا جديدا من الكوادر، إنه كادر راغب في الدنيا بعد أن كان راغبا عنها، همّه أن يبني ذاته ويتعلم إدارتها ليستعد لمواجهة متطلبات الحياة أكثر مما يستعد لسؤال الآخرة، فحظه في الدنيا هو عنوان لحظه من الآخرة! ولديه من التراث ما يدعم رؤيته الجديدة فالمشروع الإسلامي يقوم به أمثال عثمان بن عفان و الزبير بن العوام (رمزا لليسر والغني) وليس أهل الصُّفّة من فقراء المهاجرين!.

هذا التخبط الايدولوجي بين الديني والسياسي وبين الديني والديني،مع صراع الاجيال،يطرح سؤالا منطقيا..علي مدار 80 عاما من ينظر افكار الجماعة؟
الجماعة لم تشهد سوي منظر واحد فقط بامتداد تاريخها هو سيد قطب،بخلاف ذلك فالجماعة لا تهتم بالفكر والمفكرين والفكرة لديها جديرة بالاطلاع والاهتمام بمقدار ما هي نافعة علي ارض الواقع،وبمدي قدرتها علي الانجاز،بخلاف ذلك لايشغل الاخوان انفسهم بشيء،ورغم مرور قامات علمية وفكرية كعبد القادر عودة ومحمد طه بدوي وتوفيق الشاوي وجمال الدين عطية وعبد الحليم أبو شقة ومحمود أبو السعود ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي..,غيرهم ،إلا أن "المفكر" برؤيته الشاملة بقدرته الموسوعية..فكرة غائبة عن الإخوان.

الأربعاء، 26 ديسمبر، 2012

الحب في غرفة المونتاج



في غرف المونتاج المظلمة، قضيت ساعات طوال، مع هذا المخرج وذاك المونتير. أقول له أريد هذا المقطع هنا، ولا أريد هذا المقطع هناك.
نجادل بعضنا لأجل المعنى والمغزى والصورة والتماسك..والجمال.
صناعة الأفلام الوثائقية، كانت نافذتي السحرية لغرفة المونتاج، حيث الكثير من دخان السجائر والكثير من الأكواب الفارغة..إلا من بقايا الشاي والقهوة والنيسكافيه. بجوار الأجهزة الفضية الصلدة من طراز آبل ماكينتوش.
في المونتاج تعلمت سحر العالم..سحرا يؤثر.
ذات مرة..كنت في مونتاج فيلم صورناه في الشارع، قضينا في تصويره ساعات طوال، وقد انهمكت تماما في مراجعة هذه الساعات التي صورناها.
ألاحظ في غرفة المونتاج بعيدا عن صاخب الشارع الذي استغرقني، أن هناك في الخلفية وسط الزحام، قصة حب تتطور بين ولد وبنت.
كان التطور مدهشا لي: نفس الوتيرة التي ألحظها في كل العلاقات العاطفية تقريبا..
كانوا مجموعة من الشباب الجامعي الذي يختلس كل منهم النظر إلى شريك/شريكة محتملة في الرحلة الأرضية، ولو على مداها القصير.
كان بطلاي، كما بدا لي، لديهما إرث من المناوشات الطفيفة المشتركة، لكن اليوم الذي خرجوا فيه سويا، أخذت هذه المناوشات تفرض نفسها وتفصح عن نفسها مدفوعة بقوة الطبيعة الأم.
كان هناك خط مغناطيسي رابط لتحركات كليهما..أخذت أرصد وقفاتهم أثناء التقاط الصور الجماعية ( تاركا الفيلم الذي في يدي والذي علي الانتهاء من بناء تتابعاته ومقاطعه!) وانهمكت في متابعة كيفية حركة كليهما داخل الجماعة وكيف يسترقان النظرات والابتسامات.
رسمت مسارات حركتيهما: تحركاته باللون الأزرق وتحركاتها باللون الأحمر داخل حلقة الأصدقاء الجامعيين الفوضويين كثيري الحركة واللعب والتقافز..
بدا الخطان كما لو كانا يتناغمان في شكل فيزيائي من أشكال العلماء الأوائل وهم يصفون تحرك الإليكترونات حول النواة، بديا كما لو كانا رسمان من عالم ميكانيكا الكم/ الكوانتم، بديا طرفا مغزولا على نفسه..بتقاربات وتباعدات سرعان ما ترتد لبعضها البعض مرة أخرى كي تلتقي في نقطة بعينها.
بديا في رقصة خاصة داخل الجماعة.
وهكذا الحب، مغناطيسية تربط طرفين داخل الجماعة، فتشق طريقا خاصا يسلك في الأرض سبلا فجاجا.
استغرقتني اللعبة متأثرا بتجارب الفيزياء الاجتماعية التي كانت ترصد سلوك الناس داخل محطات المترو عبر كاميرات المراقبة ( كيف يسيرون وكيف يشكلون ممرات متبادلة للمشي في اتجاهين وكيف تتصادم الأجساد وكيف تتفاعل الجماعة داخل الحيز).
عدت لعملي مرة أخرى، وأخذت أستبعد بعض المقاطع من مقابلات الضيوف التي يجري على خلفيتها كل هذا الضجيج الكوني والاحتشاد الهرموني.
كانت المفاجأة أكثر إدهاشا لي : كلام الضيوف منتظم ومتسق..حسنا فهذا عملي وهذه حرفتي. لكن مع الاستبعادات المتعمدة من كلام الضيوف، كانت المقاطع في الخلفية تحكي نفس الحكاية بلا خلل!
كانا يحبان بعضهما البعض ويدوران خلف بعضهما البعض..لا يخل باجتزاء المقاطع أي تسلسل في حكايتيهما سويا.
حينها تركت غرفة المونتاج والمونتير الصموت المدخن..ونزلت إلى حيث صورنا هذا المقطع.
وقفت نحو ساعتين أستعيد المشاهد، وأراقب المشاهد الجارية الآن.( والمقارنات تمزق مخي)
خطفتني حقيقة مدهشة: كل الكون متناغم، وكل الحكايات متوازية ومتقطاعة.
قل لها أحبك الآن..وغيرك سيقولها في نقطة أخرى بالضبط. ولو تجردت من بشرانيتك، ورأيت ما يجري في الطابق الأسفل من العقار الذي تجلس فيه الآن..سيدهشك أن غيرك يقول شيئا ما بنفس المعنى.
هناك ملايين المسارح المنصوبة، أنت في عربة المترو بطل، وفي المحطة بطل مساعد، وكومبارس في الشارع، وتعود لبيتك كي تصبح بطلا مرة أخرى، وهكذا دواليك دواليك..كلنا مستغرقون في الدراما الكونية..دراما حياتنا ودراما حياة الآخرين.
استنتاج: الكون وكل حكاياه ليسا متناغمين فحسب..بل هناك مخرج فذ يشاهد كل هذا، ويراكم انطباعات عنا، ويعرف عن يقين كيف تجري كل حكاية هنا وهناك.
وأنا الآن أترك هذه التدوينة من يدي وأحدق مبتسما في وجه المخرج.


الجمعة، 21 ديسمبر، 2012

السلفيون..من تجارة الهريسة لمقاولات الأفكار




يلفتني منذ منتصف التسعينات، اختصاص أفراد منتمين للتيار السلفي بصناعة وتجارة الهريسة في أكثر من محافظة من محافظات مصر، بصورة تبدو مثيرة للتساؤلات بقدر ما تدعو للدهشة.
استوقفني الأمر في كل مرة احتككت بها بأحد محال بيع الهريسة..دوما هناك رجال ملتحون (أقرب إلى البدانة)..يبيعون الهريسة على خلفية قرآنية بصوت أحمد بن علي العجمي.
ضمنت الملاحظة في سلسلة تحقيقات أجريتها عام 2007 حول السلفيين في مصر (الانتشار والقناعات..المرجعية والزي..الشيوخ والأتباع..إمكانات التحول الكامن..الدور المستقبلي الذي قد يلعبه السلفيون في مصر).
وفي لقاء مع خبير الحركات الإسلامية حسام تمام،رحمه الله، فكر معي في الأمر قليلا، ثم قال: يعتقد السلفيون في حديث شريف يقول بأنه سيجيء يوم على الأمة يدخل فيه المال الحرام في رزق كل مسلم إلا الراعي في الصحراء.
ومن ثم فإن السلفيين يتخوفون خوض مغامرة العمل في صناعات أو تجارات أو مهن مركبة أو ذات مراحل معقدة، قد يتخلل الحرام "المرتقب" أيا من مراحلها.
لذا فإن الهريسة_كجزء من تجارة الحلوى_ تمثل صناعة بسيطة،ويمكن إخضاعها لمقياس الحلال والحرام بسهولة.
إلا أن السلفيين في السنوات السبع الأخيرة، تملكوا بصورة كبيرة زمام تجارة مستلزمات الكمبيوتر، ففي مولات الكمبيوتر بالقاهرة، لا يخفي الانتشار السلفي..
فهناك دوما رائحة بخور سعودي في بهو المول، وهناك دوما قرآن بصوت أحمد العجمي..وهناك الكثير من "جزاكم الله خيرا"..و"اتفضل يا أخي".
وهو تحول حمل من الدلالات، ما لا يجوز معه الاستغراب اليوم من انخراط السلفيين بغتة في الشأن السياسي العام على هذا النحو. فالسلفيون يتطورون زمنيا ويطورون من أهدافهم وتجربتهم، فالانقطاع عن العالم لم يثبت جدواه كوسيلة تعايش، ولا اعتزاله ممكن عمليا ونفسيا.
السلفي مطمئن أكثر مما نعتقد..هو شخص يقيم كل الأمور على مقياس واحد فقط (حلال أم حرام؟)..ومن ثم فإنه لا يواجه الكثير من الأسئلة الوجودية والقيمية التي تنتاب التيارات الأخرى.
الأمر بنظره حلال أم حرام؟ وتحديد الحلية من الحرمانية أمر محدد سلفا..له معايير ومقاييس دقيقة للغاية..
كل أمر وشأن في العين السلفية يمكن قياسه على هذا المعيار ..
(الديمقراطية تعني حكم الشعب للشعب)..
جملة كهذه حين تطرحها أمام الذهن السلفي، لن يتم التعامل معها على النحو الذي سنفكر نحن فيه..فهي جملة تحتوي مجموعة من المعطيات التي ينبغي إخضاعها بداهة للمعايير الصارمة..
الديمقراطية (كنظرية غربية هل هي حلال أم حرام؟ وهل لو ثبت جدواها يجوز للمسلم الاستعانة بنظريات الغرب ونقلها أم لا؟)
حكم الشعب للشعب؟ هل يجوز أن يحكم الشعب في ظل حكم الله؟ ولو جاز هل يحكم الشعب وفقا للشريعة المبينة أم أن هناك مساحات للاجتهاد والتغيير؟ وإذا جاز فهل يجوز أن تحكم جماعة بعينها باقي الأمة؟ وما هي مواصفات هذه الجماعة في هذه الحالة؟
كل مرحلة من مراحل التساؤل تخضع لسلسلة من المداولات والمشاورات الفقهية الصارمة التي تجيد المدرسة السلفية تمرير الأمور من خلالها.
يفخر السلفي بهذا البنيان الصارم، فهو يستند إلى أصول علمية ليس بالهين الإحاطة بها، لذا فإن هناك دوما دروس في علوم الشأن الإسلامي يتدارسها السلفي بدأب وانقطاع عسكريين.
وهذا التدارس، يضع السلفي أيا كان مستوى تعليمه الذي حصل عليه، على قدم المساواة مع الأزهري الذي تبددت سنو عمره الشابة في غياهب المتون وفي هوامش الرسالات!
وهي إحدى نقاط الضعف التي طورها التيار السلفي على مستوى أفراده، وهناك تسجيلات مرفوعة على موقع يوتيوب لمفتى الديار المصرية د.علي جمعة، يسخر فيها من تقعرهم الخاوي الذي لا يستند على قاعدة علمية بعمق تلك التي يستند عليها الأزاهرة الأشاوس!

ومن ثم فإن السلفي شخصية مغايرة عما يعتقده قطاع واسع من الناس حوله، فهو ليس الشاب الفقير الذي قرأ كتيب فتاوى سعودي من هذا الطراز الذي يحرم الغناء وارتداء المناظير الشمسية، ويدعو الرجال لإطلاق اللحى والنساء للانتقاب..ويختلس النظرات للسيدات الجميلات، ويتمنى لو اغتصبهن بعد انتهاءه مذاكرة فتوى ابن تيمية مساء كل ثلاثاء.
السلفي شخصية أعمق وأعقد مما يشاع، هو شخص له زيه الخاص، جلباب أبيض سعودي مكوي بعناية..دوما متعطر برائحة من تلك الروائح البدائية البشعة (الياسمين خاصة)..يصحو مبكرا لصلاة الفجر، ويمارس أحيانا رياضة رفع الأثقال (المؤمن القوي خير)..يواظب على دروسه من حديث وسيرة وفقه بانتظام صارم.. وينتمي عادة لإحدى محافظات الدلتا..ويميل لامتهان المهن التي لا تتطلب الحركة الكثيرة فهو عادة يبيع شيئا ما، هريسة أو مستلزمات كمبيوتر أو ملاحف وحليب نوق.
يحلم بالزواج من فتاة تحوز صحيح مسلم، لأنه يمتلك صحيح البخاري ومن ثم فإن بيتهما سيكون جنة لصحاح الأحاديث وموئلا لصحيح الدين (على فكرة واحد صاحبي سلفي اسمه محمود كان هو ده حلمه بالظبط وصارحني به اكتر من مرة).
وإذا كان متزوجا يحلم بابنه الأول معاذ أو البراء أو مصعب أو عمار..أو بابنته حفصة أو نسيبة أو أي اسم يصعب تذكره بسهولة.
شخص راسخ واثق في نفسه لأنه ينتمي لأفراد الفرقة الناجية (كلهم في النار إلا واحدة..)..مستعد لمجابهة الآخرين (هداهم الله)..متأهب دوما لخوض المعارك لأنه يمتلك حيثيات إطلاق الحكم..فكما قلنا كل شيء إما حلال وإما حرام.
وحين تضغطه الظروف، ويهاجمه الجميع، سيقول قول الشيخ محمد حسين يعقوب "البلد بلدكم مش بلدنا..نحن نريد الجنة".
(المقال أعلاه منشور من نحو عام ونصف، وأعيد نشره الآن هنا على المدونة، دون الانطلاق من أي أغراض هجائية، هي فقط محاولة للفهم، جابنها الصواب أم جافاها، كليا أو جزئيا)

الأحد، 18 نوفمبر، 2012

رسالة المواطن 7774


في المعتقل، حمل أبي لقب "المعتقل 26"، وهي تقنية نفسية معروفة، درستها في مادة العلوم السياسية ( فصل الحرب النفسية) في سنتي الجامعية الأولى..استبدل اسم سجينك برقم، اختزل وجوده كله في هذا الرقم، دعه ينسى اسمه، جرد ذاته من ذاته، أنسه ملامح نفسه، دعه يعتقد أن وجوده في هذا الكون لا يعبر عنه إلا هذا الرقم..باعد المسافة بينه وبين إدراكه لذاته، فهو ليس محمد ولا هانيء ولا جون ولا آدم..هو هذا الرقم فحسب..ولم يكن أحد ينادي أبي بغير : 26!

 ( ربما لأجل هذا أناديه لا شعوريا بكل الألقاب التعريفية الممكنة له مخافة أن يكون قد نسى شيئا ما، رغم أن تكوينه النفسي أصلب بكثير من أن يقع في هذا الشرك، فتارة أقول له : أبو أحمد وتارة أبو مازن وتارة أبو حيدر، وأحيانا يا محمد! هكذا بتخفيف لا يأباه هو كشخص كتواضع ولطيف المعشر)


الآن، وقد قطعت بعد سن الرشد 6 سنوات كاملة، متعاملا مع الدولة المصرية (مباركها ومرسيها، وبينهما مجلسها العسكري)، أستطيع أن أقولها قرير العين : هذه ليست دولة وهذا ليس وطنا، هذه لوحة رقمية كبيرة وشاشة معلومات عمياء، هذه الدولة تدركني فحسب كرقم بطاقة ورقم تأمين وكود وظيفي، وباركود لعين يختزل كل هذا عني.

يوما ما لم أحس أن علاقتي بالدولة علاقة في اتجاهين، هي مجرد علاقة تجاه مواطنها الحائز على رقم البطاقة الفلانية أو الرقم التأميني الفلاني ورقم الإعفاء من الخدمة العسكرية الفلاني..كل إدراكها لي ينحصر في دفعي المنتظم لضرائب الدخل وتسديدي لمستحقات الدولة لدى استخراج أي ورقة رسمية..


ذهنية الدولة نفسها تتعامل معي على أنني "مصدر مشاكل محتمل"..كمواطن مشاكس من الممكن أن يقترف جرما مروريا ما، عليه أن يراجع غراماته الافتراضية لدى تجديد الرخصة..أو كشخص متمذهب سياسيا على غير ما يذهب إليه النظام، سواء عصابة مبارك أو جماعة مرسي ( وإن كنت نذر دولة أمن الأخير لم تلح بكامل طاقتها بعد)..

كنت أتلقى النصيحة في كل سفر: اهرب بعيدا عن مبنى السفارة المصرية!وبخيالي الجامح كنت أتخيل دوما جماعة أبي سياف وهي تخطفني، أو تنظيم القاعدة وهو يحتبسني في كهف أفغاني لطيف، أو إف بي آي وهي تحتجزني في الدور ال14 تحت سطح الأرض وتستجوبني (معصوب العينين) : ما علاقتك آهميد بيشايخ آبو آبدوالله الماسري؟


كنت أتخيل نفسي مخطوفا ومحتجزا ومعلقا..وعلى الناحية الأخرى على الهاتف السفير المصري ردوده واحدة..لن يدفع فدية استردادي من أي تنظيم إجرامي..بينما سيقول لهم على الفور في إف بي آي: اتخذوا الإجراءات الحمائية اللازمة معه..أنتم تعرفون جهودنا لمحاربة المتطرفين..نحن نعتذر لكم عن هذا..


كل ما تراه الدولة المصرية أنني مصدر مشاكل محتمل: تريد حجب المواقع الإباحية لأنني منحط سأترك عملي وعلاقاتي الإنسانية وأتفرغ لمشاهدة أفلام البورنو..لذلك "الأخ الأكبر" يعرف مصلحتي أكثر مني وسيحجبها..وتفرض إجراء "فيش وتشبيه" _تتلاشى قيمته كل 3 أشهر تلقائيا- إذا ما حاولت العمل في مكان جديد..لأنني بالضرورة قد أكون قد ارتكبت جرما ما في أحد فصول السنة الأربعة.


وشركات الهواتف المحمولة تسألني لدى إتمام تفعيل خط عن اسم جدي لأمي! (اسم أبو أم حضرتك إيه؟)..

يذهب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو إلى أن الدولة تنظيم عصابي كبير ينشيء كيانات العد والإحصاء، ويحرص على إدراج المواطنين في مشافي ومدارس وسجلات، بغرض إحكام السيطرة وإدراك حجم "النهيبة". الدولة فحسب-وفقا لفوكو- مجرد تنظيم عصابي يحسب الطاقات الانتاجية ل"عدد" المواطنين، ويحسب أنفاسهم وممتلكاتهم والضرائب المستحقة منهم..كي يسهل حسبان المكسب الكلي وتحسينه لصالح العصابة الحاكمة!أتخيل القابع يحكم هذا البلد، وقد استحلنا أمامه على شاشة كبيرة، إلى مجرد شجرة عائلية مرقمة..هذا المواطن 876876 حفيد المواطن 878 وأبن أخت الهارب من العدالة 92923..


أخالني وعامل بريد تعس يجيء لأبي يسلمه 4 آلاف جنيها نظير قضائي نحبي على المحور أو الطريق الدائري..أقول بيني وبين نفسي: لو باعني جزار بالكيلو سيكون ثمني أكثر من 4 آلاف جنيها!

في نقابة الصحفيين، الدولة الأصغر، أحمل الرقم 7774، وهو الرقم الوحيد الذي أحفظه ضمن سلسلة الأرقام التي أحوزها بوصفي مواطنا مصريا وتختزل علاقتي بالوطن، فهو الرقم الأقصر والأكثر دلالة (هذه مهنتي وهذا وجودي وهذا هو كودي الاختزالي المحبب! وبالمصادفة يطابق المقطع الأخير من رقم هاتفي القديم!)..لو قضيت نحبي، أتخيل أبي بعد شهر وهو في قاعة ضخمة من قاعات نقابة الصحفيين كي يتسلم درع ما (شهيد الصحافة أو أي هراء بلاغي من هذا) بينما يقف السيد نقيب الصحفيين قائلا:لقد افتقدنا زميلا عزيزا..وصحفيا فاضلا..مارس المهنة مترسما خطاها الأخلاقية والاحترافية كما يليق بصحفي شريف..حقا لقد افتقدنا الزميل 7774..

الجمعة، 26 أكتوبر، 2012

المورق اليانع حسام.. أو ما يقال عنه عام على رحيل حسام تمام


يمر اليوم عامُ بالضبط على رحيل حسام تمام. وفي عام كامل لم تبرحني ذكراه.
ما مرت من طريق إلا ولي معه فيه ذكرى، كأنه اختار أن نمر سويا في كل الطرق. يرحل وينقطع عن دنيانا إلا من علم ينتفع به، وسنين طوال من الذكريات الجميلة.
إنسانيا ومهنيا، حين أستدل على شيء ما في حكاية ما في حجة ما في سياق ما، دوما يكون للأمر علاقة بحسام بطريق أو أخرى.
كتبه التي ألفها، وتلك التي أخذتها منه على سبيل الاستعارة أو هذي التي قرصنتها بسيف الحياء، كلها تصادفني كل يوم كأنها تذكرني بصاحبها.
ربما لأن مجالسة حسام تحفر في وجدانك شيئا، تقودك حتما لشيء ما. 
كان حسام رحلة فكرية مكتملة الأركان..أسطورة جميلة تمت قبل أوان التمام..فكان لابد أن ترحل لعالم آخر غير الذي نحن فيه.
كل شيء من ذكراك عطر..فأي شرف هذا الذي رحلت دونه يا حسام؟
كل ذكراك شجرة ثابتة أصلها في الأرض وفرعها في السماء..ويانعٌ أنت مورقٌ دوما.
لاينال من حضورك، تغييب الدار الآخرة.
أصدقك القول حساما، حين دخلنا محل دفنك، كانت المرة الأولى التي أجد فيها مدافن مطمئنة أقرب للسكينة والابتهاج الهاديء منها للقبض والوحشة.
رحلت إلى ربك وخلفت زوجة شجاعة وقفت معك بكل جسارة بينما تسلم الروح لبارئك رويدا رويدا بتعاقب الشهور والأيام..وتركت أخا يشبهك تماما (الشكلٌ وربما الخلقٌ)، حين وقف في منتصف المسجد يسأل إن كنت مدينا لأحد كي يسد دينك، فعرفت أن هذا البيت بيت كريم الخلق شهم الخلقة أصلا.
رحلت وتركت إخوة لك من غير دم ولا لحم، كلهم يبكوك بحرارة لحظة الفقدان الأولى، وكلهم على نحو ما يدرك أن مثواك ليس إلا في مكان لم تره عين ولم تسمع عنه أذن ولم يخطر بقلب بشر..هكذا يتوارد في نفوسهم جميعا..وما كان الله ليخلف ظن المؤمنين..ما كان الله ليخلف ظن كل هؤلاء!
في سلام ترقد، ويقيني يا صاحبي، أن أجمل ما فيك لم نعرفه قط.
السلام عليك يوم التقيتك ويوم صاحبتك ويوم افتقدتك ويوم تبعث حيا.

الاثنين، 22 أكتوبر، 2012

انزلاقة الشنيور..أو ما أدعوه فقه المفك الصليبة



منذ الطفولة والمفك الصليبة دوما يشعرني بأن العالم بخير، وبأن هناك مساحة ممكنة دوما للسلام الداخلي.
انطباق صليبة المفك على أي مسمار "صليبي" الرأس..كان يشعرني أن هناك حلٌ مناسب لكل شيء في هذا الكون، وأن هناك أغراض-بطبيعتها- على وئام ناموسي مع أغراض أخرى.
استقرار رأس المفك البارزة داخل رأس المسمار المجوفة، كان سحريا بالنسبة لي، كان أحجية تكتمل كالمعجزة أمام عيني.
كنت أدير المفك الصليبة فيطاوعه المسمار في خضوع غريب، وأظل أراقب الاستدارات اللولبية على جسم المسمار وهو ينفك رويدا رويدا، بينما لولبيتها ودائريتها تخادعان بصري فيبدو المسمار كما لو كان يستطيل إلى ما لانهاية.
المفك الصليبة كان يشعرني أننا ناجح في جملة المهارات الذكورية المطلوبة من فك وربط وهدم وبناء وتصليح.
وعادة ما كنت أفكك به في التسعينيات، ترسانة الألعاب التي أحضرها لي أبي الثمانينيات ( الأطباق الطائرة والدبابات وباقي عدة الحرب..جنبا إلى جنب مع القطار المذهل الذي كنت امتلكه في طفولتي والذي أثق أنه ستدب فيه الروح يوما ما وينتفض من الصندوق المغبر الذي يقبع فيه، كي ينقلني إلى عالم سحري آخر).
وكانت سنو عمري تسرق مني رويدا رويدا، بينما لا أكن تجاه الأدوات-عموم الأدوات- سوى كراهية العاجز عن استخدامها..
كل الأدوات..سوى المفك الصليبة.
***
بالأمس فقط أمسكت الشنيور للمرة الأولى في حياتي..مستخدما لا مناولا.
أنا أمام الحائط، ومن المفترض أن أزج ب"البنطة" داخل الجدار كي أجري ثقبا محسوب العمق..كي نعلق ستارة ما أو شيئا ما من هذه الأشياء التي تعلق من وقت لآخر..لا أتذكر حقيقة.
التجربة مذهلة، كونية، صاعقة، كاسحة..بالنسبة لي (مهما بدا لك الأمر تافها أو مألوفا)
تحسست الجدار بيسراي وأغمضت عيني، كأني أستبين ذرات الحائط وأخترقها بروحي، كأني أفهم-دفعة واحدة- كيف هي متماسكة وكيف سأخلخلها أنا دون أن أدمرها، ودون أن أعتدي على كبرياء جدار من جدران منزلي الذي يؤيني.
في لمستي، ذبت في الجدار، أحسست بكل بكل مكوناته: طبيعتها، رائحتها، تاريخها، خواصها، تفاعلها، نقاط ضعفها، مشاعرها.
رفعت الشنيور، مستأذنا الجدار أن أشن عدواني المهذب عليه..وضغط إصبعي على زر التشغيل، وزمجر الشنيور في يدي زمجرته المتوعدة.
لامست الجدار برأس البنطة ملامسة رقيقة، ثم تركت له العنان.
كان يدور بانسيابية غريبة، كانت ذرات الحائط تتباعد من تلقاء نفسها، كان الثقب يغور في تناغم مدهش، كان الجدار يتجاوب معي، أكثر مما كان الشنيور يؤدي وظيفته.
أتأملني في وقفتي الثابتة، وذراعي في وضع عمودي، ممسكا شنيور يخترق الجدار، بثقة وتفاهم.
أقول لو كان فرويد هنا لكتب كتابا كاملا عن فقه الأجساد العمودية والاختراقات المنشودة..كان سيقول كلاما كثيرا لن يخرسه إلا هذا الشنيور وأنا أغرسه في عنقه كي يصمت إلى الأبد ويكف عن تصديعنا.
أنتهي من ثقبين في الجدار، بديا لي كما لو أنهما ذابا من تلقاء نفسيهما، وأتأمل الشنيور في يدي كأنما هو مسدس مائي من الطراز الذي كنا نلعب به في طفولتنا.
كانت قيادة طائرة ميراج أسهل بالنسبة لي من استخدام الشنيور..لكن في لحظة بعينها، لحظة التفاهم الكبرى مع الكون/الجدار..يتوائم الشنيور كأنه مفك صليبة باعث على الطمأنينة بأن كل شيء سيأخذ مجراه.

الأحد، 14 أكتوبر، 2012

الرأسمالية وتدريبات يوم القيامة..في كواليس المؤسسة العالمية



أقف أمام ماكينة القهوة في الدور الثاني من البناية الضخمة التي تحتل المؤسسة العالمية التي أعمل بها نصفه.
أنتظر دوري في طابور قصير ملول، يخفي الواقفون فيه تذمرهم ،من الانتظار ومن بعضهم البعض، تحت غطاء من اللياقة الاجتماعية التي يمكن أن تكتسبها بالتدريب، ما لم تكن منقوشة في وجدانك.
هنا في هذه البناية، في هذه المؤسسة، في إسار الطابع العام الذي يحكم الأمور..يمكنك أن تعرف كل شيء حول عشرات العاملين معك في القاهرة، وحول الآلاف بامتداد العالم.
إنهم يشربون القهوة أو النيسكافيه في الموعد الفلاني عادة، ويتناولون غدائهم في موعد آخر ثابت، بانضباط فسيولوجي ومزاجي صارم.
لو كنت أحد محللي الأداء الوظيفي لرسمت شكلا بيانيا بالمنحنيات الثلاث: المزاج-الأداء-الرغبات الفسيولوجية، ولبدا الارتباط الوثيق بين ثلاثتهم.
أنا هنا أواجه نفس الضغوط التي يكابدها شاب في مثل سني يعيش في سان فرانسيسكو، يجلس على "لاب توب" مطابق للذي أعمل عليه، شكلا وإمكانات، ولا يفرقهما عن بعضهما البعض سوى ملصق الباركود.
كلانا يواجه أزمات تقنية واحدة، ويظل كابوسه المقيم، ألا يصل تقييمه الوظيفي للدرجة التي يريدها وفقا لمنجزاته المهنية، التي تحسبها عليه برامج إحصاء وتعقب وتحليل فائقة الدقة.
كل نقرة مني على الكيبورد، تعني أنني أتخذ قرارا ما في عملي، ما يؤثر في نهاية المطاف على درجة الإنجاز وجودته، كل نقرة مني، أشبه بمقامرة قدرية حول ما سيؤول إليه تقييمي الوظيفي بعد 3 شهور.
وحين تواجهني مشكلة تقنية ما، يهرع فورا فريق عالمي لتباحثها وحلها..
ينضم إلى نافذة دردشة شباب تقنيون عباقرة..من الصين وإيطاليا وأمريكا..ودول كثيرة بينهما على الخريطة.
كل مرة أواجه فيها مشكلة تقنية..ينضم إلي هؤلاء جميعا..فأحس أنني أتباحث إصلاح الكون نفسه، لا أخوض مجرد دردشة عملية حول عطب فني في حسابي العالمي داخل هذه الشبكة العملاقة.
جميعهم يواجهون كوابيس تقنية شبيهة بما أواجه، وكلهم تقريبا يخضعون لنفس الضغوط، ونفس المميزات..
كلهم يتلقون رسائل البريد الإليكتروني التبشيرية التي ترسلها الإدارة الأم..حول مستقبل أفضل للعاملين في هذا الكيان.
وكلهم لديهم أهداف مرحة على نحو ما..أو هكذا يمكنك أن تتخيل إذا ما تصفحت صورهم الشخصية المدرجة في ملفاتهم المتاحة على شبكة داخلية عملاقة.
أتخيل زميلا صينيا يدعى "لي" مثلا، ينتظر إنهاء وردية عمله كي يمرح مع زميلته..في حين يبدأ زميلي الإنجليزي "آدم" ورديته بعدما قضى نوبة مرحه مع صديقته..في مشهد درامي تلعب فيه خطوط الطول ودوائر العرض وفروق التوقيت، دورا فنيا فوق المدهش.
أخالني وقد صرت شبيها بأشباهي من سائر موظفي المؤسسة العملاقة حول العالم.
نمتلك نفس البطاقات الممغنطة التي تفتح أبواب المكاتب والطرقات..نمتلك نفس جهاز اللابتوب..ونفس "مولًد" كلمة السر النقال..ونفس الحقائب التي تحمل شعار المؤسسة..ونفس الأيقونات الصغيرة..
الجميع يتنقل داخل نطاق دخل شهري بعينه، يجعلنا نشتري ملابسنا وأحذيتنا من محال بعينها، بالأحرى من أفرع هذه المحال، بحيث نصير في نهاية المطاف محشورين داخل أزياء وتصميمات بعينها..
نفس الموظفين يشترون من نفس الأفرع بنفس الأسعار حول العالم..
ويعضد الأمر رغبة التشابه داخل الجماعة الإنسانية..
فيحتذى البعض "لوك" البعض الآخر..وهكذا نصير جميعا نسخا مستنسخة..
أنظر إلينا (ها قد صرت أحدهم وأقول "إلينا"!) من زاوية منظور الطائر..بينما نسير كالروبوتات الآلية..
نجلس على المكاتب البنتاجونية التكوين (خماسية الأضلاع كلها)..نشرب القهوة في مواعيد بعينها، فنذهب لدورات المياه في مواعيد متزامنة تقريبا، ويترافق أداؤنا الحيوي مع انبساطنا المزاجي..وفي نهاية اليوم، نصل لنفس الدرجة من الإرهاق، ويجتاحنا نفس القدر من التوتر..لننتظر في نهاية الربع السنوي، تقييما دقيقا، يرتكز على أرقام وإحصاءات وشهادات مدراؤك وزوملاؤك..ولسان حال تقريرك يقول "اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا"..
لأول مرة أحس أن الرأسمالية تدربني على وقفة يوم الدين!