90s fm
الأحد، 22 يوليو 2012
الثلاثاء، 10 أبريل 2012
بك منه شبه..تعال نقتسم "البرتكان"
ببردها الصعيدي الأسود الذي تلتحفه، وبوجهها المتغضن العجوز، وبنظرة الكبرياء المشذب التي ماتزال تلتمع في عينيها رغم العقود التسعة التي اقتنصتها من الحياة الدنيا.. بكل هذا استقبلتني.
تحسست وجهي بيديها الهرمتين : "فيك شبه منه يا وليدي، ماشاء الله عليه كان رجيل..يركب الفرس خيال، ويخيل في العمامة والصوفة البيضا والسودا"..كان اسمه "محمد"...تنطقها بكسر الميم الأولى، فتخرج موسيقى الإسم شجنة عذبة جسورة باكية..في آن معا.
(يا جبر جالك جدع زين خايل إف لف العمامة/إحياة نبينا نبي زين ترحمه ليوم الجيامة)
يوم ما صابه اللي صابه يا وليدي..اتشليت مكاني.. حصل أبوه واندفن معاه في تربته..
أبوه كان خايل وفارس..كريم..يمينه ما تمنع ولو كان على الفرس رامح..
يميل على الغلابة ويدس في حجرهم العطية..ويقول بركة جدي..وكان جده الشيخ العارف، قطب، رجل رباني..كله سلسال مبارك يا وليدي والله..
لما مات روحت على قبره وقالوا المرا اتجنت..عيشت على قبره..أجيب البرتكانة..وأقسمها بيني وبينه..آكل نصها وأدفن نصها جنب تربته..ويقولوا الست خرفت..
إيش يعرفوا يا وليدي إيش يعرفوا؟
كان يجيلي في المنام..يقولي يا نفيسة قومي لربك وادكري..
اجري يا وليدي..اتوضأ وأصلي..محفظتش القرآن ولا بعرف أقرا يا وليدي..بعد ما أصلي أقول: طلع البدر علينا..أقولها أقولها لحد ما الدمع ينزل وأحسه راضي عني يا وليدي..
الواد حصل أبوه وفيك شبه منه..
بالله عليك يا وليدي ما ترحل..بالله خليك معايا..وتعال نقسم البرتكان...
السبت، 31 مارس 2012
..أو في مثل هذا المقام فلنقل
أنظر في عينهيها الطفلتين، وفي مقامي خالا لها، بينما عيناها اللوزيتان تقطران دمعا ساكنا، عند ساعة الفراق..يمزقني آلاف المرات..
خالها أنا، أو في مثل هذا المقام فلنقل.
تارة تناديني: خالو أحمد، وتارة بتخفف محبب إلى نفسها: أحمد..
تبلورت علاقتي معها فجأة، وهي في طور التحول من الطفولة للمراهقة..
أقرص وجنتيها الناعمتين، وألكزها مشاكسة، فتضحك ضحكة بريئة نقية من غير سوء، تنير بوجودها/حبورها كهف روحي الظلمة أروقته.
كالعادة: أحكي لها حكايا خيالية كي تسرح بعيدا، ثم أقرصها فجأة أو أصفعها صفعة خفيفة على وجهها : عليكي واحد!
تقطع خلفي المنزل جريا، ثم أحملها وألقيها علي السرير، وأجري منها ثانية..وهكذا إلى أن يهدني التعب، أو تناديها جدتها الآمرة بغير مفاوضة.
اليوم أمسكت ذراعيها، هزهزتهما، وقبالتنا مرآة كبيرة، وقلت لها: أنت الآن فوق السحاب، اسمعي موسيقى الكون يا حبيبة خالك، واستشعري بياض الأعالي حوالي وجهك، وارقبي من طرف خفي زرقة سماءك، ولتتحسسي صقيعه يتسرب لما تحت إبطيك.. ولتتنفسي ضبابه إذ يتغشاك..أنت فوق هذا الكون يا حبيبة خالك..
أقول لها كل هذا كي تسرح مني، وأخطف صفعة سريعة..
وبينما اتأهب لصفعتي مبيتة النية، أراها تبكي..ثم تميل علي وتقبل وجنتي..
لقد راحت في خيالتي فعلا، ومسها السحاب وجاء برده سلاما على بشرتها النضرة الغضة الخجول..
أقول لها، حابسا دمعي: فداك ملء الأرض رجال كخالك يا بنية..
**
الأخت هي، أو في مثل هذا المقام فلنقل..
أشبه الناس بي كلاما، وأنا أشبه الناس بها لغة..ومن قواسمنا المشتركة: الارتباك حيال غسيل الأطباق وتنظيف المنزل وباقي الأمور التي تحتاج لهؤلاء المخضرمين الذين يشترون كل شيء أرخص مما تشتريه أنت أيها البائس المخدوع دوما.
هي الوحيدة التي ترى معاركي الدون كيشوتية، وتدرك دفاعي السيزيفي عن قضيتي إياها.
لا أتحرج أن أصارحها كيف يعتمل الأمر بصدري، فهي الوحيدة ربما التي تفهم "الآلية" وتعرف من أين تأتي الوجيعة..
يدهشني دوما مساندتها لي وسط المعركة، بكلمات بسيطة..
لأنها تدرك أن احتياجي، ليس إلا كلمات.
(ولا يداوي جرح اللسان إذا عقر، إلا مداواة اللسان إذا طبب)
**
كالأم هي، أو في مثل هذا المقام فلنقل..
يكفي أن تنظر إلى لتعرف أنني جائع..تعد نصف طن ساندويتشات وتضعه قبالتي ثم تبتسم..
فأحس أنني لن تفيض روحي من هذا العالم وأنا جائع أبدا..
**
كالملكة هي، أو في مثل هذا المقام فلنقل..
كل سطوتها الملكية..تدفع عني كل شيء حين أريدها أن تدفع عني..
أهرع إليها حين يكون الأمر على حافة الخطر فحسب، وما دون ذلك دونها..
**
كال....، أو في مثل هذا المقام فلنقل
ولا يوجد شيء كي أقوله عنها.
**
الثلاثاء، 31 يناير 2012
الإسكندر الأكبر حين يأكل ساندويتشات الزوجة

انظر في عيني من أمامك وسط القتال، هناك لحظة ما تدرك أنه قرر أن ينهزم..انظر وسط دور شطرنج في عيني منافسك كي تدرك أن قطعه تخذله وأن الحصان لا يفرق في يده عن الطابية عن العسكري..انظر في عيني مقنوصك..في لحظة بعينها ينظر إليك ويقول لك اقتلني الآن.
كل الناس..في لحظة بعينها ينهارون ويعترفون..أمام المحقق والصحفي والطبيب النفسي...
هناك ملمح ما يتبين في العين قبل الانهيار فالاعتراف.
زوجتي الحبيبة..كثيرا ما حدقت فيك، شردت ربما –كما بدا لك- بلا تركيز..
لكنني حقيقة كنت أتساءل في كل مرة، متى سأنهزم أمامك تماما وأحكي كل شيء؟ متى سأتكور على نفسي جنينا وأندس بين يديك، فتضميني بحضن كأنه الدنيا.
كنت أنظر في عينيك كي أرى انعكاس عيني، لأتبين لحظة ما قبل هزيمتي، ولكن من خلالك أنت..فكل ما هو من خلالك أنت..محبب إلى، يجيء على نفسي بردا وسلاما..تكونين ناري وأكون إبراهيمك.
معك الأمر مختلف..
عشرت الهزائم اليومية..
في كل نظرة هزيمة تسير بذكرها الركبان..في كل منطوق مني اعتراف لك بشيء ما.
أعرف أنني أعترف لك بكل شيء وإن كان بصياغة ضبابية، تفكين شفرتها يوما ما، لكن منذ الليلة إياها التي تدركينها جيدا (في الثالثة فجرا)..تجردت أمامك من كل شيء واخترت الانهزام الذي ما بعده قومة.
صارحتك بكل مخاوفي، وحكيت لك عن كل الوحوش التي كانت تطاردني في طفولتي بينما "أمي" في العمل لم تجيء بعد.
كنت تمسدين عرقي البارد، وأنا أصف أطياف الوحوش (العجز-عدم الثقة بالنفسة-الخوف من النار-الخوف من الكهرباء-الخوف من الأكل أمام الآخرين-الخوف من قيادة الدراجات-الخوف من اللون الأصفر-الخوف من الإيجوانا-الخوف من الأكواب الزجاجية-الخوف من الأحذية البيضاء-الخوف من رائحة البلاستيك- الخوف من الرفض-الخوف من الخوف).
تشبثت بك، وقلت لك قولتي الدائمة (أنا طفل اتعلق بيكي)..قلتها ككل مرة بينما رأسي مستكينة على كتفك الأيسر (لا الأيمن لو دققتي) بينما أناملي تنقبض عليك خوفا (أناملي لا قبضتي لو لا حظتي).
وفي ارتدادي الطفولي في حضنك، في نومتي الجنينية جوارك، كانت تحدث أشياء غريبة..
بشرتي تصير أكثر نعومة، شعيرات صدري وبطني يصير طولها أقصر، تبدو كما لو كانت رسم الديار لا الديار، يصير كل شيء في كما كانت خلقتي الأولى..طفلُ جدا أصير.
حتى لساني يصير أكثر تلعثما..ألم تلحظي هدجة الصوت وتعثر البدايات كلما هممت بأن أهمس لك بشعر ما؟
على ضفافك أحتمي بك..وأنا الذي لا يطوله السوء ما حيي ولا تقدر عليه جيوش الدنيا (تعرفين أن لي عشرة ملائكة لحمايتي، أدناهم مرتبة يدك الأرض بجناحه دكا)..أتنصل من كل الماضي السيء.
المدهش: لم أعرف مسبقا يا حبيبتي أن قدرتي على الإخفاء والصمت ستتحطم على عتبة أول ساندويتش تعدينه لي قبل الذهاب للعمل..
هكذا ينطلق الصغير بداخلي..
كل الرجال ينهزمون أمام ملامح الحنان، كأن كلهم أيتام بلا أم..كأن حبيباتهم هي أمهاتهن الأصليات.
كنت أسخر من صديقي الذي انهار لمجرد تفاحة دستها زوجته له في حقيبته قبل الذهاب للعمل، فإذا أنا في سوق "الانهيارات" لا أحتاج لأكثر من ساندويتش جبنة، أو شريحة فطير كي أتبعثر كل هذه البعثرة.
(اعتراف أخير: كنت نائمة اليوم، تسللم للمطبخ، أخذت بقية الساندويتشات التي أعددتيها، وشريحة من شطيرتي المفضلة التي كنت تضعيها في فمي أول لقاءاتنا في المطعم الليلي إياه، وذهبت-بعد الاختلاس- للعمل كأني الإسكندر الأكبر)
(فهم جديد: أستوعب الآن فلسفة "عمود" الأكل الذي يصطحبه العمال في وردياتهم بهذا الحرص المقدس..إنهم لا يصطحبون الأكل، بل رائحة الزوجات وأثرهم).
الأربعاء، 18 يناير 2012
تبوء المحاولة دوما بالفشل..أن تحبس أباك
نراوغ هذه الحقيقة، بتدبير لقاءات كثيرة خارج المنزل، كي نحتضن بعضنا البعض، كأن في المسافة الزمنية والمكانية لآخرة مرة التقينا، مبرر وجيه لهذا الافتقاد، ومن ثم تنسحب مشروعية كاملة تغطي خجل كلينا من حضن، كلانا في مسيس الحاجة إليه.
العلاقة بيننا متجمدة عند نطقة واحدة برأيه، ومتغيرة كل لحظة برأيي أنا.
يقول لي أنت مازلت صغيرا بعيني، ثم يلتقط يدي-يالهف نفسي على يده- كي يجرني ويعبر بي الطريق، بينما ابتسامة واسعة تجلل ثغري (هل أشاكسه وأقول له أنا لست صغيرا؟).
حين يتحمس-ونادرا ألا يتحمس!- تمتد أنامله الباردة (وفي هذا أمر عجيب، كف يده كأنها قدت من نار! دوما ساخنة حد الالتهاب) إلى معصمي، فأحس كل ما في نفس أبي مصبوب في كبدي.
أرى الزمن يحتم علينا تبادل الأدوار، أن أرعاه هو، وأن يهدأ ويطمئن بالا لأني هناك.
لكني كمن يحاول تكبيل الأسد.
أقول له كثيرا: أنا أفضل منك في كل شيء، إلا أنك أكثر حياء مني!
يغلبه الحياءُ فلا يرد. ولو غالب حياءه لما رد أيضا.
أفتعل معه شجارات كثيرة، كي أرى بريق العصف والعطف في عينيه.
هذا رجل حرق زنزانته ذات مرة، وضرب قائد المعتقل ذات مرة، وركل الذين يعذبونه وهو مقيد وشتمتهم بينما سريان الكهرباء في جسده (تعذيبا) لم يحل بينه وبين الثأر لكرامته.
قال لهم ذات مرة وقد شكلوا لجنة لفحص حالته النفسية، جاء على رأسها قيادي مرموق بالداخلية، لمعاينته في الحبس الانفرادي: يا سيادة اللواء أنا حبست سجنكم بداخلي..أنا حر.
أحاول أن أحبسه داخلي، وأن أقول له ارتح أنت، لكني يوما لم أستطع حبس رجل سجن معتقلا كاملا بداخله.
الثلاثاء، 27 ديسمبر 2011
لماذا أحلم بالشرطة العسكرية؟ ولماذا يحلمون هم بابن لادن؟
حسنا، ما الذي تغير في الأمر كي أحلم الآن بالشرطة العسكرية؟
قبل سنوات، كنت أحلم بصورة متكررة باقتحام أمن الدولة لمنزلنا، على النحو الاكتساحي الذي كان يتكرر من وقت لآخر..
(كتائب وفيالق تكفي لاحتلال إحدى دويلات أوروبا الشرقية، وكمية أسلحة كفيلة بإعادة رسم خريطة التسلح في الحي الذي أقطن به).
ثم يتطور الأمر-في أحلام أمن الدولة وقوات الأمن المركزي ومساعدوهم من القوات الخاصة- لاشتباك عنيف .. يحاولون أن يكبلوني في سريري، بينما أركل يمينا وشمالا وأوجه لكمات لا نهائية، تنتهي عادة إلى أنني أقاتل أجسادا هوائية غير موجودة حقيقة..ثم أستيقظ لأتبين أن الأمر كان مجرد حلم..وأحمد الله على مقاومتي، وأتمنى أن تستحيل يوما ما لاشتباك حقيقي، أنال من أحدهم فيه، حتى ولو قتلني.
كان الأمر بديهيا لي من الناحية النفسية..أن أحلم باقتحامات شرطية متكررة لمنزلي، ومحاولة لاعتقالي (أبي لم يكن طرفا في الحلم، ربما لقناعتي أنهم يطاردونه ولن يجدوه-حسيا ومعنويا-أما أنا فالهدف الأقرب).
أحاول الآن فهم رمزية حلم تعذيبي على يد أفراد من الشرطة العسكرية وأحار حقا.
ليس لي عداوة منهجية مع الجيش، بل مازلت حتى الآن متيما بفكرة "الجيش المصري" بل وأتمنى دوما أن أكون أحد أفراده، رغم إعفائي من الخدمة العسكرية بتأجيلين متتاليين..وأزيحه دوما جانبا بعيدا عن سياسات المجلس العسكري.
بل أتطرف في الفصل، لدرجة التفرقة بين عساكر وضباط الاشتباك المباشر مع المتظاهرين، وعساكر آخرين، يقفون بأماكن مجاورة (كضباط جيش حراسة السفارة الأمريكية بالقرب من مجلس الوزراء) والذين يستنكرون ما يفعله زملاؤهم على بعد مترات منهم!
(لي أصدقاء وجيران وأقارب يؤدون الواجب الوطني بالجيش، سواء ضباط أو عساكر).
قبل 4 سنوات تقريبا كتب بك ميلنوفسكي مراسل بي بي سي أنه كان يحلم بأسامة بن لادن في المرة الأولى التي زار فيها نيويورك بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وكان الحلم الذي كتبه ميلنوفسكي في نهاية 2007 في أحد تقاريره الصحفية " كان بن لادن يجلس على بعد مقعدين مني في الطائرة، ولم ألحظه في البداية حيث كان وجهه مختفيا في العمامة التي يرتديها ولكن الرجل الذي يجلس بجانبي همس في أذني بلطف "أعتقد أن الرجل الذي يجلس بجانبي هو اسامة بن لادن وأنا أشعر بالذعر".
ثم يبحث ميلنوفسكي عن آخرين يحلمون ببن لادن، فينتهي الأمر إلى أن كابوس أسامة بمثابة حمى في العالم الغربي!
صاحب المطعم يحلم به كأنه نادل لديه، والرجل العادي يحلم ببن لادن يعرض عليه أن يدفع له ثمن مشترواته من السوبر ماركت، في تنويعات على أسامة تنتهي كلها بطابع جاثومي شنيع.
يسأل المراسل طبيبا نفسيا في نهاية الأمر فيقول له:" ابن لادن وفقا لمصطلحات التحليل النفسي هو الوحش الذي يقترب من القرية وقد ظللنا لمئات وألاف السنين نتخيله في صورة النمر الحاد الأسنان أو بمعنى آخر مخلوق لا يشبهنا".
أعود لأفراد الشرطة العسكرية الذين يختارونهم وفقا لطول قاماتهم الذي يزيد على قامتي بنحو 15 سنتمتر كاملة، وأعود لدروعهم، ولملابس الاشتباك التي تحيلهم من مجرد جيران وأصدقاء وأبناء وطن واحد، لكائنات غريبة فعلا، هي بصورة أو بأخرى تنويعة لصورة النمر الحاد الأسنان.." أو بمعنى آخر مخلوق لا يشبهنا".
بالأمس جلس بجواري شرطي عجوز، أول ما رأيته، وجدتني لا شعوريا أقول همسا: مرحى بالرجل الطيب. فلم يعد مرأى أفراد الشرطة يثير التوتر أو الجزع، فهم أولئك الطيبون الذين يضربون القنابل المسيلة للدموع فحسب، وبعض الرصاص المطاطي هنا وهناك، لكنهم لا يدهسون بالمدرعات، ولا يضربون على هذا النحو الوحشي.
هناك حالة استبدال وإحلال قاسية تجري للوعي العام للمصريين، استبدال رموز الشر، وتغير القيم.
أنا مازلت عند رأيي، لقد حدثت تطورات وتحورات نفسية عميقة في الشخصية المصرية، لا يمكن إهمالها بحال من الأحوال.
أقول لحبيبتي: انتظريني عند السلك الشائك بالقرب من نقطة الاعتصام، والسيدة العجوز على ناصية منزلي تستوقف توكتوك وتقول له: خدني لحد المدرعة اللي ع الناصية يا ابني..وبائع العسلية المفضل لي يناقشني في ضرورة الالتجاء لحكومة ائتلافية!
أعود لأفراد الشرطة العسكرية الذين يختارونهم وفقا لطول قاماتهم الذي يزيد على قامتي بنحو 15 سنتمتر كاملة، وأعود لدروعهم، ولملابس الاشتباك التي تحيلهم من مجرد جيران وأصدقاء وأبناء وطن واحد، لكائنات غريبة فعلا، هي بصورة أو بأخرى تنويعة لصورة النمر الحاد الأسنان.." أو بمعنى آخر مخلوق لا يشبهنا".
أعود لأفراد الشرطة العسكرية الذين يختارونهم وفقا لطول قاماتهم الذي يزيد على قامتي بنحو 15 سنتمتر كاملة، وأعود لدروعهم، ولملابس الاشتباك التي تحيلهم من مجرد جيران وأصدقاء وأبناء وطن واحد، لكائنات غريبة فعلا، هي بصورة أو بأخرى تنويعة لصورة النمر الحاد الأسنان.." أو بمعنى آخر مخلوق لا يشبهنا".
أعود لأفراد الشرطة العسكرية الذين يختارونهم وفقا لطول قاماتهم الذي يزيد على قامتي بنحو 15 سنتمتر كاملة، وأعود لدروعهم، ولملابس الاشتباك التي تحيلهم من مجرد جيران وأصدقاء وأبناء وطن واحد، لكائنات غريبة فعلا، هي بصورة أو بأخرى تنويعة لصورة النمر الحاد الأسنان.." أو بمعنى آخر مخلوق لا يشبهنا".
أكررها مؤكدا!
الثلاثاء، 8 نوفمبر 2011
بل احتضن

لماذا بدا حضن اليوم كاسحا لهذا الحد؟
اجتاحني وبعثرني (ومن ذا الذي يصمد أمام ذراعين معتصرتين، تطوقانه كأنهما اشتبكتا حواليه بلا ربغة في فكاك)..وكالعادة ترك دمعا محتقنا، لا هو باحتباسه ستر، ولا هو بجريانه خفف الوطء.
الاحتضان هو الفعل الأكثر حميمية في عرفي..تطابق الضلوع على الضلوع، تماس عظمتي القص في صدر كل طرف، تكامل الجسدين لوهلة..ذوبان مؤقت.
إراحة الخد على الخد؟ ملمس الجلد؟ رائحته؟ تداخل شعر الشخص الآخر في أذنك؟
لا أعرف.
لكن قطعا كان مسرح الحدث البطل، كل احتضانات المطارات ومحطات القطار ونقاط السفر..دراماتيكية.
تذهب دراسة إحصائية موثقة إلى أن القطع الإذاعية التي تخص القطارات تحظى بأعلى نسبة استماع وتسترعي أكبر قدر ممكن من التركيز، لدى المستمعين.
ولم يفهم القائمون على الدراسة سر هذا الأمر حتى اللحظة.
ربما في حنين السفر، في دفقة الاستقبال، وفراغ الوداع الموحش..ربما في الانتقال من نقطة من مجهول محتمل لمجهول ملتبس.
ربما هذا كله.
احتضنت بطريقتي المعهودة.
يمناي، بأصابعها الخمس في منتصف الظهر، يسراي بأصابعها الخمس تحت العنق، ذقني تضغط كتف محتضني الأيسر، صدري ينطبق على صدره كصخرة لا تتأملد مواضعها.
الصوت في خلفية الاحتضان، هبوط طائرة أو إقلاع قطار لا يهم..التشوش واحد، الزحام واحد، انعدام التمييز واحد..لا يبقى سوى استراقة الوجه المودع (بالفتح والكسر) لك وسط زحام لا ينفض.
أنغرس مكاني وعيناي مثبتتان على موضع واحد، حتى مع انقضاء مغزى التركيز فيه. ومايزال دفء انطباق عظمة القص على عظمة القص، يبث لفح هجيره فيما تحت محجري عيني.
الجمعة، 21 أكتوبر 2011
لماذا أتكلم بطريقة شفرية؟
بالنسبة لي أرى نفسي واضحا جدا، لكني لا أكلم نفسي.
أعيد ترتيب الأمور والملابسات، وأتقصى مسار الجذور فأفهم الأمر بصفاء كامل.
أولا: كنت أحفظ القرآن على يد صديق صوفي يكبرني بنحو 15 عاما، كان يقطع بي طرقة المسجد من أوله لآخره بينما يلقنني آي الكتاب، كان لايقول شيئا أبدا بطريقة مباشرة لأن المباشرة فيها نوع من الصلافة وفيها افتراض لضعف الذكاء الطرف الآخر.
فالقاعدة الأخلاقية تقول أن عليك أن تلفت الآخرين إلى الأشياء برفق وبنحو غير مباشر كي لا تجرحهم.( قل أن الجو بارد اليوم، كي يستنتج فلان أن عليه أن يغلق شباك النافذة)
كان يصحبني دوما لعالم المجاز والحديث المرمز، حيث يتحدث أئمة الصوفية بلغة نصف ملغزة، لغة تشي ولا تحدد، لغة ضنينة شحيحة، تحتاج لمكابدة لفك طلاسمها، فحفظت المقاطع والمتون، وأصبحت هي لغتي في مخاطبة من حولي.
ثانيا: كان وضع أبي تحت المراقبة والتجسس، وكانت رحلاتي له إلى المعتقلات التي يحل عليها واحدا تلو الآخر ، دافعا كبيرا كي أخترع لغة مشفرة أستطيع التواصل بها معه دون أن يستوعب الرقيب حرفا. فكنت أخلط كلماتي بكلمات مهجورة من وحشي اللغة، وأمازجها بألفاظ غريبة من لكنات عربية أخرى، مربكة الوقع الموسيقى على الأذن المصرية،وأعمد إلى خلطها بأنصاف أبيات شعرية باستهلالات أحاديث بكلمات مفتاحية في مواقف شخصية.
أبي بذاته يسمع نصف الجملة من أي شخص ويستنتج نصفها الآخر، إلاي، يسمع أول كلمة فيفهم مرماي فورا.
(ذات مرة هددني الضابط و.ف مسؤول أمن الدولة في معتقل طرة، وقال لي: تحدث بطريقة مفهومة لي وإلا..، فقد كانت الزيارة كلها خاضعة للمراقبة).
ثالثا: أنا بطبعي، أختار من أتواصل معه، ولا أعتبر التحدث مع الآخرين أمرا طبيعيا، ينبغي أن أفكر قبل أن أستهلك نفسي وعمري في الحديث مع شخص تافه أو سخيف او مغير لي أخلاقيا وقيميا (العمر قصير جدا كي أحرق دمي)، ومن ثم كنت دوما أتحدث بطريقة مثيرة للنفور والملل، درءا لاجتذاب المستهلك العام.
رابعا: تعودت مع المقربين مني أن يستوعبوني دون أن أتكلم، ربما لأن كل ما يختلجني يظهر على وجهي بسهولة فائقة، تفهمه القطط في الشوارع وتستنتجه الأسود في الغابات، وتقرأه النسور من أعالي الجبال، ومن ثم لم أجد ضرورة لتطويع اللغة للتعبير بها عن الاحتياجات العادية للآخرين، فالدائرة اللصيقة تستوعبني جدا.
خامسا: لا أركز عادة في حديثي، لأني لا أتكلم مع من أمامي فحسب، بل أخاطب كثيرين غيره (ليس ذنبي أنه لايراهم)، لذا أنا أقول نصف جملة بطريقة نصف مفهومة، ظنا أن كل الحاضرين استنتجوا النصف الثاني، بينما في حقيقة الأمر أنا لا أكلم إلا نفسي.
ومن ثم وبناء على ما سبق، فقد قررت أن أكمل طريقي على نفس النحو، وليفهم من يفهم، وليستغلق الأمر على من يستغلق عليه، فأنا لا أريد الكلام مع كل أصدقائي البشريين في الكوكب الأرضي بنفس المقدار من الرغبة.
السبت، 27 أغسطس 2011
الحب كخانات متوازية

(عجبت لسعي الدهر بيني وبينها...فلما انقضى ما بيننا سكن الدهرٌ)..أبو صخر الهزلي
الغريب في الحب، أنه إرادة مشتركة، يستتبعها تواطؤ كوني.
وبمقدار ما هي الإرادة، بمقدار ما سيكون التواطؤ.
جذوة الإرادة حين تتقد بداخلي-دعني أحكي عن نفسي قليلا كما عودتك في هذه المدونة- أحس أنني أرغم الكون على التماهي مع إيقاعاتي الشخصية، ويلح على ذهني فيلم الكارتون الشهير fantasia 1949 الذي يلعب فيه ميكي ماوس دور الساحر، ويتحكم في الأشياء من حوله ويجعلها تدور في فلكه الشخصي.
حين أحب فلانة، تتشابك كل العناصر وتتعاضد بحيث نتقابل، ونتحدث.
حين أحب فلانة، تتشكل كل الصدف-من الفراغ البحت- كل نجتمع سويا.
حين أحب فلانة، تنحسب مكونات بعينها من المشهد ويحلها محلها مكونات أخرى، بحيث يصير المسرح لنا وحدنا، سنؤدي عليه ما شئنا، وسط استحسان مقطوع الأنفاس من هذا العدم وذاك القدر اللذان يراقبان ما يحدث في نشوة وخدر بائنين.
متى تتغير هذه الحالة؟
حين أحب فلانة (هذه)..وتحبني هي.
في هذه اللحظة، نكون إرادتان معا، في مواجهة واقع أضعف منا سويا.
أنا أثق أنني بإرادتي الشخصية منفردا أغير قوانين الكون ونواميسه.
(كنت صغيرا حين كنت أختلي بنفسي في غرفتي وأقرر-بصورة غير قابلة للتراجع- أن القوات الأمريكية في العراق لابد أن يصيبها عطب ما اليوم، فتجيء أخبار نشرة التاسعة بتدمير دبابتين إبرامز، ومقتل سبعة جنود هناك)..(لا يعنيني أن ينسبوا الأمر للمقاومة أو لجماعة أبو الزحفليت الحوقاني)
(كم أمطرت الدنيا لأجل في غير أوقات المطر، وكم تشابكت السحب أمام منزلي، وكم من مرة انكسر عنق فلان الذي أكرهه-أنا أكره بصفاء مدهش- وكم من مرة دخلت غرفتي فوجدت أحدهم ترك لي عليها كيس عسلية ونبتتي ريحان).
لكن حين تعانق إرادتي إرادة من أحب، أحس أن شكل قوتنا المشتركة مذهل.
(لذلك لا أتورع من التلويح من وقت لآخر بالخطف كفعل كلاسيكي في المتناول، مادمنا سويا في ظل إرادة مشتركة)
حين تتحد الإرادتان، يجيء كل شيء لينتظم في إطار الجاذبية التي تربط مكونات هذا المشهد مع بعضه البعض (أنا أعشق ميكانيكا الكم).
الفيرمونات: أو الروائح الجسدية الخاصة التي يفرزها جسد كل واحد منا، وعلى ضوئها وبصورة كبيرة يتحدد مدى قابلية اثنين للارتباط معا، تصبح في أدق لحظات انسجامها.
فيرموناتي وفيرموناتها..نعزف سويا مقطوعة في تمجيد الطبيعة وقوانينها الفسيولوجية الرائعة، وأقول لها ما رأيك أن أذهب لأبيك وأقول له والله يا عمي أنا وبنت حضرتك فيرموناتنا متوافقة جدا، وعشان كده أنا قررت أخطفها ولما نتجوز هعزم حضرتك طبعا.
التناسق الفلكي: كأن يمر زحل من الشمس، أو يقابل المشترى برج الأسد، أو أيا من هذا الهراء الذي تتحدث عنه ماغي فرج.
تناسقنا، يصبح اقتناصا للحظة لا تتكرر إلا كل ستين سنة.
فأنا من الذين يسيطر عليهم فلكيا كوكب (نبتون)..هذا الأزرق الجذاب المنزوي منفردا في آخر المجموعة الشمسية. وهي ستكون ممن يؤثر عليهم أي شيء.
بمراجعة الخريطة الفلكية سيتضح أن نبتون وهذا ال(أي شيء) الآن في أقصى درجات توافقهما الكوني.
كل شيء يتناسق بقدر.
يتناغم بإرادة.
لذلك الحب مشروع "إرادة" من الطراز الأول..أن نظل على إرادتنا بأن يتم هذا.
حين تنزوي الإرادة، في أي من مراحل هذا الحب (حتى في مرحلة الخلق الجنيني، التي تتطلب دأبا وإرادة مشتركة أطول، كي يجيء للدنيا هذا الحب، ولا يتحول لمجرد أثلولة جنينية-وفقا للتعبير العلمي الغبي- في رحم العاطفة ويتلاشى في العدم).
ومن ثم قال شاعر لا أعرفه:
فلا تبك حبا جنينا عليه...سقيناه هجرا طويلا فملَ
الشاهد، أن الإرادات إذا لم تحسم موقفها، فإن الحب كما يولد فكرة..يموت فكرة.
حين أقيم الأمور، أحس أن إرادتي تعاف كل شيء منذ سنة.
وأن كل بوادرها، بوادر أثلولية..إلى زوال.
وإلا فقل لي كيف لم أنجب 10 آلاف طفل إلى الآن (هي فكرة مروعة بحد ذاتها أن تكون أبا) وكيف لم أقل لكل اللوائي توافقت معهن فلكيا أو فيرمونيا (دعك من ذهنيا ونفسيا الآن) سر التجاذب الطاريء الذي لم يستطعن تفسيره وأفهم أنا سره منفردا.
إرادتي، تحتاج لنفضة ترج كياني.