90s fm

السبت، 3 أبريل 2010

عودة دودي الكاثوليكي

درست في الإعدادي والثانوي بمدارس من تلك التي تنتقي الطلبة المتفوقين وتعزلهم في فصول دراسية خاصة، ثم تشرع في انتقاء مدرسين مخضرمين لتلقينهم المواد الدراسية، بذات القداسة التي تليق برهبان المعابد البوذية.

في هذه الفصول يعملونك الكثير ( أنت متفوق، ينبغي أن تحفظ سريعا، أن تفهم من المرة الأولى، أن تجتهد منفردا، أن تباغت مدرسيك بالجديد، أن فقدان نصف درجة من مجمل الدرجات يعني كارثة كبيرة لا يمكن تداركها، أنك في مجتمع نخبوي لو أهملت في الاعتناء بحيثيات نخبويتك سيذهبون بك لأقرب فصل من فصول "العاديين" ويجردونك من كل الميزات المعنوية التي تحصل عليها).

وتكتسب مع الوقت عددا من المهارات: الدقة، السرعة، الإصرار، القدرة على تلمس مكامن ضعفك، الرغبة في تنمية الذات، مراقبة زملاء الفصل لأنهم جميعا منافسون محتملون، الاستفادة من تكنيكات الآخرين في الاستذكار، القدرة على المعيشة تحت ضغط، احتمال احتقار الآخرين لك لأنك فقدت درجة ونصف في امتحان الشهر، بينما حصلوا جميعا على الدرجة النهائية.

كان معظم زملائي في هذه الفصول متحدرون من مدارس مسيحية صارمة، أتذكر أن معظمهم درسوا المرحلة الابتدائية في مدرسة تدعى "البطريركية"!

لذا لم تكن الأجواء الكاثوليكية المتشددة المسيطرة على المشهد بالشيء المستعرب ولا الخارج على السياق، فكله نسيج واحد يكمل بعضه بعضا، نظام دراسي استعلائي وطلاب كاثوليكيو المنهج.

في هذا الجحيم الذي لا يتسع لانسيابية الموهبة ولا لترف الخروج على النص، تضطر اضطرارا لخلق عالمك الخاص : القدرة المدهشة على تملك ناصية اللغة العربية نحوا وتعبيرا، امتلاك آفاق معرفية في الفيزياء والكيمياء تتسع لما هو أكبر من نطاق الكتاب المدرسي، محاولة ربط الرياضيات بالفلسفة.

حتى في حصص الألعاب، كانوا جميعا _ولاد الإيه_ محترفو كرة قدم، كانوا كأنصاف آلهة أمامي، إنهم يستذكرون كثيرا، ويلعبون كثيرا، ويفعلون كل شيء باكتمال مدهش..( ليتني كنت ذئبا ضالا في الصحراء ولم أك هنا).

اضطروني اضطرارا للتحايل على هذا الواقع، كونت فريقا لكرة القدم من كل أصدقائي : مكلبظهم وقصيرهم والذي لا يكاد يرى.

ومع هذا الفريق الكارتوني، بدأب وإصرار لا يقبلان التراجع، أخذنا نحقق الانتصارات عليهم وعلى اكتمالهم المستفز.

مع الجامعة حطمت كل القواعد الكاثوليكية التي تربيت عليها، وأهنت تراثا طويلا من الاستذكار المضني ومن الرغبة غير المبررة في التفوق على زملائي الذين اكتشفت أن منافستي لهم لم تكن ذات أبعاد كونية كما كنت أتخيل في هذا الوقت.

أخذت ألفظ من نفسي صفات الدقة والتركيز والانضباط، انتقاما من هذا الماضي السخيف، وقضيت أعواما بلا أي ضابط أو رابط.

اليوم لرغبة في نفسي (ليس الوقت مناسبا كي أحكي لك حيثياتها) ، قررت أن أعود منضبطا دقيقا سريعا كاثوليكي الهوى والسلوك.


هناك 5 تعليقات:

فتحي الشيخ يقول...

ليس كل الاشخاص يستطيعو ان يعيشو بطريقتين ولكن الاهم من الاستطاعة هو اختيار التوقيت المناسب للعيش بطريقة معينة ولكني اريد ان اسئلك في ايهم كنت اكثر سعادة يا صديقي ؟

سلامة عبد الحميد يقول...

يا فتاي الكاثوليكي
هل تقبل أن أنقل تلك التدوينة إلى قسم المنطقة الحرة في موقع الأزمة دوت كوم
www.alazma.com
باسمك وتوقيعك

آيــة يقول...

أما أنا فلا أشاركك ماض كاثوليكي و لا حاضر من التمرد عليه .. أنا فقط أشاركك رغبة ملحة و مصرة على أن أكون منضبطة ، دقيقة ، سريعة .. كاثوليكية الهوى و السلوك ..

هعرف بقى و لا لا ده كلام تاني .. بس انت ابقى عرفنا هتوصل مع الانضباط و الكاثوليكية لفين :))

تحيتي

بو شهاب يقول...

انا لست بكاثوليكي , وانما مسلم عربي شرقي ,وصفات الدقة والسرعة والانضباط ليست قصرا عليهم وانما هو ايحاء منهم ان يكون كذلك ,هداك الله

Unknown يقول...

طب ليه ميكنش عجز عن المجاراه في فتره معينه لتعدد الاهتمامات بس الطريقه الصارمه تعطي للحياه معني اعمق