90s fm

الخميس، 26 مايو، 2011

فكيف بي مع المتلعثمة؟




لماذا تبدو المتلعثمة فاتنة لهذا الحد؟
كنا في ملتقى ذي طبيعة خاصة، يضم شبابا من كل أطراف العالم، كلهم نابض حيوي، متألق ذهنيا، له تجربة متميزة في مجال ما.
كان الجميع هنا يتحدث بطلاقة، لغتين أو أكثر، كل الحاضرين مدربون أو موهوبون في كيفية استعراض أفكارهم، وبالضرورة يتسمون بقدر عال من الذكاء الاجتماعي، مكن الجميع تقريبا من الاندماج في مجموعات تعارفية بسهولة.
إلا هي..
كانت خجولة مرتبكة_على نحو هاديء_وسط هدير الشباب الذي لا يتوقف..(نقاشات-نكات-مقالب-أفكار-مقترحات...).
(جيسي تملأ الدنيا مرحا، وكاثرين تنتحي جانبا بدوكري في حوار يبدو أنه سيكون عميقا جدا فيما بعد، و رماح بشعره الثائر مشغول جدا مع شاب هندي في شيء ما لا أفهمه...كان الجميع مأخوذا، كل بما يخصه..)
وتواطأت الصدف-كالعادة-بحيث نجلس على طاولة غداء واحدة..بمفردنا.
(هذا بعد أن انتحيت جانبا من الثلاثة: الياباني ذو الاسم الذي يصعب تذكره، والتركي اللزج الذي لم أدقق في سماع اسمه من الأساس، والكولومبية التي تبدو كما لو كانت قد جاءت الملتقى هاربة لا حاضرة).
كانت تتلعثم وتزوغ ببصرها بعيدا، وتنتمي لهذا الطراز الذي يخجل من الأكل بصورة علنية خارج نطاق أسرته. بدأت معها حديثا هادئا نمطيا، أمارس تكنيكي المفضل في مثل هذه الحالات: سل من أمامك 10 أسئلة عادية جدا، حتى يتدرب على الإجابة وحتى يألف الحديث معك، ثم خذه إلى أي أفق آخر شئت.
في عينيها الصافيتين اللتين أجبرتهما على التحديق بي، شيء ما أكثر جمالا من كل الصاخبات والجميلات اللوائي يملأن الفراغ المحيط، هي من هذا الطراز الذي يحتاج إلى من يدقق فيه لأكثر من 20 ثانية كي يدرك أنها الأجمل مطلقا..أما الذين لا يطيقون إلا 10 ثوان صبرا، فسيعجبون بكاثرين، وسيعرضون توصليها لغرفتها في هذا الفندق العملاق الذي يطل على واحد من أكبر المسطحات المائية في العالم.
كانت خطتي مبنية على حوار هاديء يمتد لنصف ساعة بعد الغداء، وفي الغد أو بعده على الأكثر جلستان كل واحدة منهما تستغرق ساعة، وبعدها سأطلق قياد كل حبيس في نفسي ونفسها..وسأخبرها كم هي جميلة..بل كيف هي الأجمل!
لكني لم أتوقع أن نجلس سويا ثلاث ساعات متصلة، بعد الغداء، نتحرك يمنة ويسرة، ونغير مكاننا كل نصف ساعة ونتحدث في كل شيء.
في الساعة الثالثة كانت المتلعثمة، دفقة مفوهة، تنساب أفكارها على نحو مدهش، وتزداد تألقا وسطوعا، بل لقد أسمعتني صوتها وهي تغني أغنية إسبانية حفظتها صغيرة عن جدتها.
كنت قد كففت عن الكلام منذ ساعة تقريبا، أداخلها مداخلات استدراكية لا أكثر، كي تستمر في تحدثها، كي تعوض مخزون صمتها الطويل، كي تكشف عن كنزها (لأول؟) عابر يطرق الباب، بإصرار.
أمتن لكل الملتقيات الدولية التي تجمع روائيين شباب على باحثين اجتماعيين على متخصصي برمجيات مفتوحة على باحثي بيوكيمستري، على فتيات خجولات متلعثمات.
هل من الممكن أن تدلو باقتراحك بخصوص اللقاء القادم؟

الاثنين، 23 مايو، 2011

العَرَض المتأخر


نشأت لأبوين صغيري السن..

صغيران جدا كانا..

بلغا الثلاثين، وكنت في السابعة من عمري..

كانا دوما أصغر من آباء أقراني..كنا عائلة صغيرة في السن، تضج حيوية.

لم يترهل أبي مثلما كان آباء أصحابي الذين اخترقوا حاجز الأربعين، بوتيرة حرق تكفل لهم معدلات متزايدة من الدهون المخزونة. ولم تشك أمي مما كانت أمهات أقراني يشكين.

(وكانت تستغرقني من وقت لآخر حزمة تساؤلات وجودية بشأنهما، فهل هذان الشابان جديران بأن يكونا أبوين فعلا؟ أم أن من اشتراطات الأبوة والأمومة اختراق حاجز وزني وعمري معين؟ )

حين كان أبي في نفس عمري الآن(26 سنة) كنت في الثالثة.. ألهو أمامه بالطبق الطائر الفضي الذي اشتراه لي بمبلغ خرافي في نهاية الثمانينات.

كنت أعتقد أنني سأظل صغيرا دوما، وسيظلان هما.

عمرهما سيظل ثلاثين..وأنا بكل تفاصيلي سأظل مجرد طفل يلهو بطبق طائر..مهما كبرت أو سافرت أو عملت أو تشاجرت..(كل تصرفي لهو..وكل شؤوني طبق فضي طائر).

لكن كان عليّ أن أدرك-مستفيدا من كل ما قرأت وما لم أقرأ- أن اليوم الذي سأستيقظ فيه لأجد وجهي وقد تبدل قليلا..وزني وقد زاد طفيفا..عيناي وقد تم تشذيب لمعتهما المراوغة..قلبي وقد صار دقه وئيدا.. مشيتي وقد صارت أقل سرعة.. آمالي وقد صارت أكثر تصالحا مع الحياة..أن شيئا ما تبدل.

كان علي أن أدرك أن العائلة الغضة لم تعد كذلك..وأن الأم تشكو اليوم من مرض كلاسيكي مما كانت أمهات أقراني يشكين منه، وأن الأب الفولاذي، صار يتعب فعلا عندما يمشي ثلاثة كيلومترات يوميا.

كل ما في الأمر أن الأعراض جاءت متأخرة..لكن العرض المتأخر باغتني هذه المرة من حيث توقعت ومن حيث لم أحتسب أيضا.

أحس شيئا ثقيلا..لعله العمر؟

الأربعاء، 11 مايو، 2011

رقصة فالس على هامش حفل زفاف



مفتتح: "أحيانا نضطر إلى النظر لأنفسنا كثدييات، مجرد ثدييات، كي نفهم ما يجري".

يلفتني في الأفراح دوما، هذا "التمحك" المتعمد الذي تنتهجه صديقاتنا..يجئن إلى جوارنا، يوددن لو اقتربن أكثر..هن صديقات قريبات، يقع معظمهن في منزلة بين الصداقة والأخوة و"الحب المحتمل"..ونادرا ما يتحقق الاحتمال الأخير.

يتأبطن أذرعنا بموجب "تلكيكة" أو أخرى..أحيانا تدعونا بعضهن للمراقصة في ظل فوضى الفرح..وفي ظل انخراط معظم الحاضرين_من كل الأعمار_ في ثنائيات راقصة، تتحدد سرعتها وفقا لمقدار بدانة الطرفين، ومقدار حياء أحدهما، ودرجة القرابة من أحد العروسين.

"أحدثك عن هذه السيدة الخمسينية البدينة "صفية"..التي يراقصها زوجها "أستاذ مدحت" في محاكاة هزلية_تثير الضحك_ لرقصات الأزواج والمتحابين في الأفلام الأبيض وأسود".

أنا في الأفراح_شأن باقي المناسبات التي تقتضي وجود أكبر عدد ممكن من الكائنات الحية_ أقف كشاهد القبر..لا أتحرك من مكاني، أبدو جامدا صامتا، كأن الله قدني من صخر.

أتشاغل بأي شيء، كي أصادر الفرصة على أي من أقاربي أو أصدقائي، وعلى أي من قريباتي أو صديقاتي، من الاقتراب مني واستدراجي عنوة لأجواء الفرح.

"يقلن دوما أن شكلنا في البذلات عادة ما يكون أكثر جاذبية، لكني أرى الأمر على نحو آخر".

أعتقد أن أجواء الفرح بحد ذاتها، باعث للسعادة، ومثير للخيالات الوردية، ومحفز عالي الكفاءة للفتيات كي يتخيلن أنهن في مكان العروسة.

يجئن إلينا بوصفنا "ذكورا"..هن لا يقيمننا على نحو موضوعي في هذه الحالة، كلنا نبدو مهندمي الشكل، رائعي المظهر، وشركاء متخيلين في هذه اللعبة الطفولية التي يمارسنها طوعا_ بالتواطؤ المشروع مع اللاشعور_ بحيث تكتمل الثنائية المأمولة.."عريس وعروسة".

الزفاف لا يعني نفس الشيء لدى الجنسين..لكل منهما تداع غير الآخر..لكن من المؤكد أننا نفسد عليهن خيالا سلسا دفقا رائعا لأقصى مدى ممكن، حين نتحلى في الأفراح بتلك "العقلانية المباغتة" والرغبة غير المبررة في مناقشة أهم قضايا العمل، والانخراط المخلص في تباحث مستقبل زراعة الأرز في جيبوتي.

أعتقد أننا_بدورنا_ نهرب من هذه اللحظة، ونصادر إمكانية إقامتها ولو تخيليا..نتراجع حتى لنكاد نمس الجدار بكفين مفرودتين.

يبدو المشهد لكاميرا "منظور الطائر" كما لو كنا في رقصة "فالس"..هن يتقدمن نحونا، ويتصنعن الحيل، كي يلمسننا، كي يتأبطننا، كي نتماس و"نرتبط" على نحو أو آخر، بينما نتراجع نحن أمام تقدمهن..تراجع مادي ومعنوي..كأن الخمر لعبت برؤوس الجميع.

تتداعى أمامي سلوكيات إناث الثدييات في مواسم التزاوج..وتؤسفني حقيقة أن سلوك ذكور الثدييات_دوما_ مثير للغثيان باعث على الأسى والخجل معا.

أتأهب لعدة أفراح قريبا، وأدرس خططا كثيرة للإفلات من رقصة الفالس الإجبارية التي سننخرط فيها، لكنني بيني وبين نفسي، أفكر أحيانا في التخلي عن دور "الحكم الألماني" الذي تعينه الفيفا لمباراة ما قبل النهائي.