90s fm

الاثنين، 28 يونيو، 2010

فقدان مؤقت للذاكرة


تدهمني من وقت لآخر نوبات فقدان مؤقت للذاكرة.

نحو أربع مرات نسيت في أي الكليات درست، وذات مرة استغرقت 25 ثانية تقريبا كي أتذكر ما هو اسمي.

دمعت عيناي ساعتها، ثم تبادلت مزحة من هذا الطراز الذي أتبادله مع نفسي كثيرا: لست بهذه الأهمية كي تتذكر نفسك أيها الرجل..فلتدع مساحة من عقلك خالية لتفاصيل أكثر أهمية.

قديما كنت أعاني من قوة الذاكرة، قوة مزعجة، طوال اليوم أتذكر كل التفاصيل وكل المعلومات وكل الأرقام والحقائق وكل الذكريات، كل شيء يكاد يكون حاضرا مستديما مهيمنا.

تهوي الذكريات على رأسي، مطرقة كبيرة تحاول سحقي "الامتحانات المدرسية"..جرار يحاول دهسي "أوجاع الطفولة"..خنجر طائر يستهدف صدري "مكائد العمل".

تعبت من التذكر أكثر من اللازم، فاضطررت لإعطاب صفاتي الحيوية.. خربت مخي بالطريقة التي أعلم أنها ستخربه تماما، وستجعله ينسى "أكثر من اللازم".

الآن الصورة مشوشة جدا، أنصاف مشاهد من الماضي، وجوه شاحبة ، ملامح مطموسة، غبار على كل ركن، لاشيء مكتمل كي يفضي إلى حقيقة يمكن تذكرها.

الصدف التي تجمعني بالأصدقاء تكون صعبة جدا، أترك الآخرين يحضنوني ويسألون عن أحوالي، بينما كل واحد منهم لا أستطيع تمييزه على وجه الدقة ( من هو؟ كيف تعرفت عليه؟ كيف كانت علاقتنا سويا؟)

من وقت لآخر أعيد قراءة تدويناتي السابقة، فلم أكتبها جميعا في حالة واعية، قطاع كبير منها كان بغرض توثيق لحظات التيه.

أعيد قراءتها في الحالات الأكثر وعيا، كي أستنتج كيف يكون حالي وأنا "هناك".

__

"أغيثوني يا أهل الإسلام! فليس يتركني لنفسي فآنس بها وليس يأخذني فأرتاح منها وهذا دلال لا أطيقه"

الحسين بن منصور الحلاج مناجيا الذات العلية

__

أنسى عن عمد: أماكني المفضلة ، أكلاتي المحببة، أفلامي الأقرب، موسيقاي الأمتع، تفاصيلي الأدق.

أقول معزيا: سأخترع ما هو أفضل، فهذه ملابس جديدة تروقني جدا ( لا يهم أن أستبدل الأبيض والرصاصي بالأزرق والأسود)..القهوة مشروبي المفضل (هل كنت أسرف في شرب الشاي المنعنع من قبل؟)..دعني أترك شعري طويلا ثائرا (هل كنت أقصره جدا في الماضي؟)..كل شيء يمكن استبداله بشيء أفضل منه..هذه حقيقة حياتية وميثاق كوني غليظ.

__

علميا لا يمكنني تمييز أي الحالتين هي حالتي الأصلية والأخرى هي الطارئة، فكلتاهما حقيقتان تصطرعان على وعيي، فلا أعرف كيف كنت سابقا ولا أنا الآن..لكنهما حالتان خاصتان بي، رابطهما المشترك: شحوب الذاكرة.

الخميس، 24 يونيو، 2010

الرضا

يغمرني إحساس بالرضا.

نظيف الملبس أنا، مهندم الشعر، طيب الرائحة، أجلس في بيت مستور الجدران محفوظ السر وافر الصحة لا يعكر صفوي من كدر الدنيا شيء إلا وقلت له: يوما ما يفرجك الله ويحل قيدك عني.

الآن أحس رغبة في الصلاة، صلاة ثابتة طويلة ممتعة ما نطقت فيها آية إلا وجائني فيها ردٌ وإلهام، لا أقلق فيها ولا تضطرب وقفتي، وكل سجدة هي فصل من فصول رواية لا متناهية تدعى "حلاوة الإيمان".

كسرت أصنامي، ووضأت روحي، وفتحت مصحفي، والآن أحسني خاليا من كل شيء.

الحمد لله الذي خرجنا إليه من زخرف الدنيا فاستقبلنا لوسيع عطائه المكنون عن وعي الورى.

عنك مما أنت فيه، انفض غبار الزائلة الدنيا، وتحمم بماء يمس القلب فيهتز فتربو أرضه.

انفض ثقيل حملك واتبعني يا أخي.

الاثنين، 21 يونيو، 2010

لقد كسرت قلبي يا فريدو..لقد كسرته!


قبل عامين تقريبا، شرع صديقي في تمثيل مشهد من فيلم الأب الروحي، ثم وضع كفيه على صدغي أحد الحاضرين قائلا " I knew it was you!" .."لقد عرفت أنه أنت!".

المشهد لمايكل كورليوني (آل باتشينو) حين التقى أخاه "فريدو" في كوبا وسط أجواء الهرج والمرج التي صاحبت الثورة الكوبية.

جوقة: (فيدل فيدل فيدل فيدل فيدل فيدل)

كان الأخ الهارب قد حاول اغتيال أخيه الأكبر "مايكل" وعندما فشلت المحاولة فر إلى أمريكا الجنوبية وقرر العيش هناك.

حين التقى مايكل أخاه، وضع يديه على صدغيه ثم فركهما بعنف (أم حنان؟)، وقال له "لقد عرفت أنه أنت!".. لقد كسرت قلبي يا فريدو..لقد كسرته!

رغم كآبة المشهد إلا أن أيا من الحاضرين لم ينكر الانجذاب الخفي الذي شدنا جميعا لإعادة تمثيله بصورة متناوبة.

كنا نتحدث حينها أن سلسلة الأب الروحي هي المعادل الموضوعي لأخلاق الرجال في كل زمان ومكان.

لقد صاغت هذه السلسة أعمق وأعقد ما يعتمل في نفس الرجل (العاطفة/القرار/الانتقام/الوفاء)، وأتذكر أن بعض الجالسات تبرمن من كثرة الحديث عن الفيلم وأيدن هذه الملاحظة : هو فيلم رجالي بحت.

لعبة قدرية دفعتني لإعادة تمثيل نفس المشهد، في وقت لاحق، مع أعز الناس على قلبي..

وضعت يدي على صدغيه، ضغطت بعنف، ثم قلت له: لقد كسرت قلبي يا أخي..لقد كسرته.

ولم أكن أعرف أنني أمثل المشهد الختامي لعلاقتنا سويا.. قبل ثلاثة شهور من نهايتها.

كلما تذكرت فريدو، أضغط على صدغيه بعمق وأقول له في خيالي: لقد كسرت قلبي يا أخي..لقد كسرته.

الأحد، 13 يونيو، 2010

حصان أيمن


كان أيمن طفلا صغيرا ( 12سنة) حينما اعتقلوه قبل منتصف التسعينات، ضمن حملة اعتقالات عشوائية موسعة.

لم يفهم أيمن سر وجوده في هذا المكان الذي يعج بالملتحين، ولم يفهم المعتقلون بدورهم سر وجود أيمن بينهم، فيما فوجئت إدارة المعتقل نفسها بالطفل الذي وقع في حوزتها عندما شرعت في فرز حصيلة اعتقالات اليوم.

غباء المخبر وغلظة الضابط وروتينية إدارة المعتقل، دفعت بالأوضاع لأن تبقى على ما هي عليه.

وذلك تجنبا لحرج تصحيح الخطأ وإعمالا لمبدأ أن المواطن_كل مواطن_ مشتبه به إلى أن يثبت العكس.. فليظل أيمن حبيسا.

لم يعرف مشايخ الجماعة الإسلامية والجهاد كيف يتصرفون مع هذا الطفل البريء الذي أوقعته صدفة عثرة في هذا الجحيم، فلم يكن أيمن ليتوقف عن البكاء والنشيج إلا حينما يهده التعب ويتكوم على نفسه نائما بجوار أحد جدران الزنزانة.

تعاون عدد من المعتقلين الماهرين في أعمال النجارة، ثم صنعوا حصانا خشبيا هزازا كي يلعب به أيمن ويلتهي قليلا عما ألقته فيه الأقدار.

تحسس أيمن حصانه الخشبي فرحا ومندهشا، وانصب فيه بأحزانه، وراح يلعب به، شاعرا أن هنالك من لازال يهتم به بعد أمه وأبيه.

مرت الأيام داخل المعتقل، يكبر أيمن في السن ويصير مراهقا فشابا ..

تعرض أيمن للتعذيب والتلطيش والإهانة والترحيل من معتقل لآخر، إلا أن اللافت للنظر، أن أيمن كان ينقل حصانه الخشبي مع أغراضه في كل مرة يتم ترحيله فيها وكان يعتز به بشدة.

لم يعد يتمكن أيمن اللعب بحصانه، إلا أن هذا الحصان كان بارقة الأمل الوحيدة في حياته..هو الدليل المادي (والمعنوي) الوحيد الملموس على أن هناك من سيتعاطف معك ويساعدك رغم قسوة الظرف وبلادة الأمر الواقع.

كان أيمن يتأمل الحصان في ليالي السجن الطويلة، ويتحسسه بأصابعه، موقنا أن يوما ما سيجيء وسيكون هو وحصانه خارج هذه الجدران البغيضة.

عرفت قصة أيمن عبر خطاب أرسله لي أبي قبل سنوات ،من داخل المعتقل، ومنذ أن قرأت قصته، ومنذ أن سمعتها من أبي عشرات المرات لما خرج، كنت دوما ما أتساءل: أين أيمن الآن وأين الحصان؟

لم أعرف هل خرج أيمن أم لا، هل هو على قيد الحياة أم لا..إلا أنني كنت أجلس في شرفة منزلي وأنظر لنفس السماء وذات النجوم التي ربما ينظر إليها أيمن في عين اللحظة..وأخال حصانه الخشبي أمامه..

أغمض عيني وأمدها عبر المسافات الوهمية.. أتحسس حصانه تحت أناملي..وعندما يهتز الحصان، كنت أحس أن ثمة أمل في الحياة يراود كلينا..أنا وأيمن.

فقط في هذه الأيام، سمعت صوت الحصان الخشبي يتهشم، ورأيت يد أيمن تدمي.


الأحد، 6 يونيو، 2010

حمام التلات..فقه النساء


كان أمامي خياران، إما أن أذهب مع صديقي الذي ستتزوج أخته قريبا، إلى سوق حمام التلات، أو أن أقضي اليوم في قراءة كتاب "الحياة الوجدانية عند الحيوانات".

انحزت للخيار الأول لأن الكلفة النفسية للثاني أكثر من فادحة ، فلم أعد أتحمل البكاء يوميا لأجل الفيل الصغير الذي ينتحب حين يوبخه مدربه في السيرك.

في حمام التلات..أرى فتيات في عمر الزواج يقلبن الحلل ويختبرن صلابة الملاعق ويبحثن عن أطباق الفاكهة الفولاذية والنشابات المتينة والصحون الاستانليسية ، وربما سيارات مصفحة ومدرعات مجنزرة ومروحيات وقاذفات صواريخ.

كل فتاة تصطحب أمها ووفدا من مخضرمات عائلتها ، سيدات ديناصوريات الحجم ، يقلبن كل الأشياء بتدقيق مبالغ فيه، ويختبرن متانة كل قطعة، ويسألن عن العمر الافتراضي للمشتريات ويعززن من منطقهن في عمليات الفصال بعدد من البيانات والمعلومات المقارنة بين أسعار البيع في المحل الذي هنا والمحل الذي هناك.. "فيم سيستخدمن هذه الأشياء؟".

الجدية المرتسمة ،والتفاني غير المبرر في عمليات الانتقاء، تذهب بخيالي بعيدا..

لابد أنهن سيصهرنها في فرن كبير كي نبني سدا مضادا للصواريخ..أو ربما سيشيدن بها جسرا طائرا بين الإسكندرية وأسوان..لابد أن المشروع جبار لهذا الحد.

يقلبن كل شيء ويمططن شفاههن ويفاصلن حد الإهلاك..ثم يتركن هذا ال"كل شيء" مبعثرا ويذهبن لمحل آخر!

لو دخلت أنا محلا ثم تركته لأشتري من آخر لاعتذرت للبائع عن المجهود الذي بذله معي بديباجة اعتذار تشبه بيانات الثورة الفرنسية :" اعذرني لأجل ما فعلت لكنك تعلم أن الطبيعة الإنسانية متقلبة وأن الأمزجة ليست سواء، سأشتري من مكان آخر ولا يعني ذلك أني أجحد مجهودك الشخصي، أشكرك على ما أخذته من وقتك".

أرى في وجه الفتيات الصغار بكارة الحياة ونضارتها، التشوق للزواج بوصفه "استراتيجية حياة" و"هدف أسمى"ـ أرى الحياة بصخبها كاملة هنا.

تلتقط سيدة حصيفة تساؤلاتي "الساذجة".."فيم سيستخدمن كل هذه الأشياء؟"..أرى في عينيها ردا مطولا يكاد يسحقني مكاني، فأنا بعينيها مجرد رجل آخر من أولئك الذين يلقون أغراضهم وينثرونها في كل مكان ولا يأبهون لنظافة محل معيشتهم، ولا يفرقون بين ما تغير في شققهم حتى لو غيرت الزوجة غرفة النوم والستائر والثلاجة دفعة واحدة. إنهم لا يلحظون أن زوجاتهم غيرن لون شعرهن أو قصصنه بصورة مختلفة.

هنا النساء يمارسن (كامل؟) أنوثتهن..هنا في حمام التلات ..نٌصنع الحياة.