90s fm

الأربعاء، 23 نوفمبر، 2011

دخان التحرير..الغاز والبطاطا والحجارة والقنبلة



كان المشهد على بساطته وفكاهته دالا.
تلبد سماء التحرير أدخنة غاشمة، يختلط فيها الغاز المسيل، بأبخرة الحرائق، بغبار الأرض، ببقايا حطام متناثر.
وفي سكون وسكينة، يقف بائع بطاطا على مدخل الميدان، تتصاعد أبخرة عربته في "أنزحة" ظريفة، فلا تعلو فوق رأسه مسافة المترين، في حين تبدو داخل تركيب المشهد ككل، لمن ينظر إليه من مسافة تزيد على ثلاثة مترات، كأنها ملتحمة بسحب العدوان الذي تشنه الشرطة، تشابكها وتشاكسها في لا معقولية مدهشة.
وعلى دراجة بخارية مسرعة، يجيء شاب أسود الشعر منهك الملامح فاقد الوعي، إثر استنشاق مكثف للغاز، فيحاول معتصمون إسعافه بوصفات الخميرة المذابة وبرش الماء، وبدلق البيبسي والخل وماشابه من وصفات.
لينقسم المشهد:
شباب
بطاطا
دخان بريء
خميرة
خل
في مواجهة غير عادلة ولا متكافئة مع:
رصاص
قنابل
غاز مسيل
مدرعات
دبابات
سترات عسكرية وخوذات لجنود بلا ملامح

يبدو الأمر كأنه صراع بين الطبيعة والميكنة الباطشة..بين جماهير لا تمتلك موازنات أسطورية وبين أجهزة ووزارات ذات ميزانيات لا يعلم أصفارها إلا الله وحده.
يبدو دخان البطاطا البريء جسورا في اشتباكه مع قنابل الغاز الأمريكي..يبدو ملمح الشاب فاقدا الوعي أكثر إنسانية من السترة العسكرية السوداء والخوذة الجهوم..تبدو حجارة الأرصفة (المستخدمة في أغراض التراشق الوقائي) وثيقة الصلة بالطبيعة ضد رصاص الغدر والخرطوش الفاجع الأثر..تبدو وجبة البطاطا الزهيدة أكثر إنسانية ومرحا وقربا للحياة من "تعيين" الكتيبة المقاتلة على الضفة الأخرى.
يستحيل الأمر جملة واحدة إلى صراع بين الطبيعة وأبنائها..إلى صراع مع الميكنة وصاحب رأسمال شرائها..وصاحب القرار المتحكم فيها.
بين المستوطنين الأصليين للأرض..وبين المحتلين الغاشمين الذين يريدون فرض سيطرتهم.
كان الجميع يتأمل: قنبلة غاز ب50 دولار..يبطل مفعولها خميرة مفروكة ب50 قرشا!
القنبلة/الآلة والدمار والعدوان والمال..تنهزم أمام الخميرة/الطبيعة/ والمبلغ الزهيد الذي ينحدر بعملية الشراء (ذات الأبعاد المعقدة وفق قوانين السوق الحديثة) إلى شيء أقرب للمقايضة في عصور ما قبل "الزمن الأمريكي" وقنابله وأدوات إبادته و"الشركات عابرة الجنسيات".
كان المسيري رحمه الله يذهب إلى أن الانتفاضة الفلسطينية..استدعت انتباه العالم-لاواعيا- لأنها صراع بين الحجارة/الطبيعة..وبين الآلة الإسرائيلية الغاشمة.
وأنا أرى طرفا من هذا فيما يحدث..

الأحد، 20 نوفمبر، 2011

عبد المنعم رياض تحرير--زيارة ليست أخيرة (لماذا بكى الأزهري هكذا؟)



مفتتح: وقد يهون الزمان إلا ساعة..وقد تهون الأرض إلا موضعا
أقف لليوم للمرة رقم كم في نفس النقطة ؟ لا أتذكر..
من 28 يناير، ل29 يونيو، ل20 نوفمبر..نفس البقعة المسودة من الأرض على بعدة عشرة مترات من مطعم هارديز..
أثر القنابل والقصف سواء..أثر الحطام متشابه حد التطابق.
نفس النقطة التي أبكي عندها كل مرة..تخنقني عبرة الغاز المسيل للدموع وأحس شيئا حارقا في حلقي، بعد أقل من عشر ثوان من استنشاق رائحة أقرب للخل النفاذ.
دمعت عيناي دمعا هينا كأن المشهد يعيد نفسه بصورة لا نهائية التكرار..
وبالقرب مني شيخ أزهري في مقتبل الثلاثينات، يرتدي زيا دينيا رخيص الثمن، رديء الحياكة، أكبر من مقاسه بنحو 20 كيلو جرام يحتاج أن يزادادها كي يملأه.
بدا لي الأزهري في مرته الأولى في الميدان، زيارة بدت استطلاعية ذات فرحة استكشافية فلكلورية بريئة..(فلنر التحرير هذا!)
قطع 4 مترات قادما من خلفي (كنت أراه بينما أشيح بوجهي للخلف متقيا-لاشعوريا-رائحة الغاز الاجتياحية) إلى أن وقف بجواري، وبينما أستدير للخلف كي أعاود الاستناد على بعض الأصدقاء شبه المنهكين بدورهم، كان الأزهري قد قطع شوطا أطول بينما عيناه شاخصتان..
بدا لي كأنه على حافة جبل، وقد قرر المشي بلا نهاية إلى أن تستقبله قوانين الجاذبية وتتعامل معه عند النهاية..كان سيره في اتجاه مصدر القصف، كأنه سير المحتوم أجله.
تشممت كم قميصي وكم البول أوفر (أحرص على تعطير هذا الجزء بكثافة في المعتاد لأنني أتشممه طوال اليوم تنسما للروائح الجميلة، ومجالدة للتلوث)..بينما_بعد أقل من دقيقة_ قد قرر الأزهري العودة وفي عينيه دموع ثاخنات..تقطر عيناه الدمع قطرا، ولا ينساب على وجنته انسيابا.
لم أدر: أهو العرض الفسيولوجي؟ أم هو القرار الشخصي بالبكاء؟
بدا لي وعيناه تهميان، كأنه طفل وديع، بدا وقد ارتد عشرين سنة للخلف، أراه طفلا بزيه الأزهري ينحشر وسط رفقاء قريته في طريقه للمعهد الديني، بينما يتهددهم أحد الشيوخ بخيرزانته التي قدت من سقر: ما لم تحفظ..سأنحرك بخيرزانتي هذي.
أتحلل من خيط الأزهري الذي استغرقني وأتأمل الميدان من حولي: هنا كنت أقف مع أحمد سمير وطلال في السادس من فبراير، وهنا كنت أجتاز الحشود مع حسين في العاشر من فبراير، وهنا كنت أقف جوار سهى في التاسع والعشرين من يونيو.
هنا وقع محمد شهيدا، وهنا أصيب صديق لي...
يتسع المشهد، وتتداخل الذكريات..فالطريق الذي أقطعه لعملي يوميا، يبدأ من ماسبيرو فعبد المنعم رياض، وصولا لجاردن سيتي مرورا بالتحرير..
في هذه المساحة تحديدا، أحس رهافة خطوتي وخجلها..هنا أقف حيث دهست المدرعات شهداء الأقباط، وهنا أمر حيث سقط مينا دانيال..
أصل للتحرير لأتذكر محمد (هو في درجة ابن عمي تقريبا، وقد التقيته مرات في الصغر بينما يحفظني القرآن، ومرات في الكبر بينما نختلف حد الاشتباك نظرا لانتمائه التنظيمي للإخوان، وفي كلتا الحالتين كان ودودا مهذبا أقرب لشهيد منتظر فعلا)..وأقول: هنا سقط محمد برصاص غادر في الثامن والعشرين.
تستحيل الأماكن لبقع سوداء وحمرا ولا لونية..
سوداء: دوما مفحمة بالمسحوقات الناتجة الأثر على ضرب القنبلة بيدي الشاب الأسمر داخل عربة أمن غادرة.
حمراء: بلون دماء سالت، لون نسيج الدم اللزج الملمس، لونُ مسفوحٌ ينطق بالغبن وبالغدر، ويبشر أن ملائكة الله على مقربة تشهد أن القادم هذا..رواح نحو الجنة، نحو قباب النور ونحو الصديقين ونحو الله ليسجد تحت العرش يبث أنينا نحو الخالق يشكو قباض الأرواح الغاشم ذا الرصاصات وذا القنبلة وذا السير الأسود على كتفيه يضم أدوات الشر المثلى.
لا لونية: لأن اللون يكف عن الإيضاح إذا كان الشر يفوق المعقول الأقصى.

الخميس، 17 نوفمبر، 2011

لقد كانت يد الله..أحبك على طريقة ماردونا


سألوا ماردونا عن هدفه المربك المشبوه: هل أحرزته بيدك أم برأسك؟

اعترف بعد سنوات من الهدف: كثير من رأسي، وقليل من يدي.

الحقيقة متدرجة يا صغيرة..لن أقول لك أحبك وكل هذا الكلام (كلام الكبيرين) الآن..سأقول لك: أحس اليوم أنني لم أعد بمفردي أمام هذا العالم..أنني أثق أنه من الممكن أن أبكي نهاية كل يوم كطفل مزعج إلى أن ينام بينما تمسد أمه شعره.(هذا هو أبرز مشهد لي مع أمي، أتظاهر، طفلا، بأنني نائم وأتركها تمسد شعري، أو أدعي-يافعا- بأنني نائم وأتركها تقبل جبيني).

ثم سألوا ماردونا على هامش إحدى مباريات كأس العالم بعدها بعدة سنوات عن نفس الهدف.

هل أحرزته بيدك أم برأسك كابتن ماردونا؟

فقال: كثير من يدي قليل من رأسي!

الحقيقة لا تأتي بغتة يا صغيرة: لن أقول أحبك وكل هذا الكلام (كلام الكبيرين) الآن..سأقول لك: كل شيء تغيرت دلالته لمجرد ارتباطه بك: الأماكن والمواقيت وكلمات المزاح المشترك..هل تصدقينيني حين أقول أنني أعرف في أي مكان أنت بمجرد إغماضة عين سريعة، ونفس عميق، أتحد بهما مع روح العالم..أتقصى أثرك: العطر..الملمس..نبرة الصوت..وبقية ملامحك في ذاكرتي (أنا أنسى شكلك بغرابة موجعة! وهكذا شأني مع كل الذين أذوب فيهم كأن هناك إرادة أعلى تضن بهم علي، أحيانا والله أنسى كيف شكلي أنا وأفشل في استدعاء صورة لي، فأتحسس وجهي في الظلام وأعيد ترسيم المعالم والملامح).

سألوا ماردونا بعدها مرة أخرى عن هذا الهدف الإشكاليالذي قسم العالم لفسطاطين، فسطاط الموقنين أنه باليد، وفسطاط المؤمنين أنه بالرأس..

كابتن ماردونا، هدفك الشهير في مرمى إنجلترا(86) ..بيدك أم برأسك؟

قال: لقد كانت يد الله!

الحقيقة لا تأتي بغتة يا صغيرة: لن أقول أحبك وكل هذا الكلام (كلام الكبيرين) الآن..اليوم لدينا 14 طفلا أكتفي أنا بتنسم روائحهم وملاعبتهم سريعا، وأترك لك مهام العناية بهم كما يليق بجسارتك، ووفقما تمليه علي رغباتي الانعزالية..

لا أعتقد أن الظرف الآن مناسب كي أقول لك أحبك، بينما كل هؤلاء الجياع يطالبونك بوجبات ما قبل النوم.

(لمعلوماتك الشخصية ماردونا هو لاعبي المفضل وأعشقه أكثر من بيليه هذا، كما أنني أعسر مثله، وألعب في نفس موقعه بالضبط)

صدقيني يا صغيرة..منذ البداية..بل منذ ما قبل البداية...لقد كانت يد الله.

الجمعة، 11 نوفمبر، 2011

الرضا (2)..المنعكش المحبب


نوبة رضا.

السخان لا يتعطل، الماء الساخن متوفر، عطوري المفضلة في دولابي، مصادر الإضاءة متعددة في ركني الغرفة بحيث أخفضها لأقصى مدى يسمح بالقراءة والتأمل.

الكتب في المكتبة على بعد ثلاثة أمتار من السرير، والماء البارد-بدوره- بجوار المكتبة، مج شاي بلبن ليلي دوما على المنضدة الصغيرة البيضاء المجاورة لي.

الملاءة نظيفة، البطانية ناعمة الملمس، الثياب نظيفة ومكوية، أعواد الريحان التي قطفتها من حديقة جاري (عقابا له ومكافأة لنفسي) تعبق الجو.

آكل بسم الله، فيجيء الأكل نورانيا، نشرب بسم الله فينزل الماء هنيئا، نتناول كتاب الله فيتفتق الذهن وتنتعش كل حواس الإدراك.

لا يمر يوم إلا وأدخلت بهجة على قلب أحد..وأدخل آخرون البهجة على قلبي.

(كلمة واحدة تكفي للإبهاج: واحشني-بحبك-ابتسامة لا تكبد مرسلها سوى ضغطتين على الكيبورد مع ضغطة شيفت مطولة)

شعري يثور دوما بعد ساعة واحدة من تصفيفه، فيكون كما أتوق "المنعكش المحبب"..يتسلل لأذني فيدغدني فأضحك.

أعيد تصفيفه فينتظم تارة أخرى.

جسمي مضمخ بزيت جونسون للأطفال..وكل شيء حولي هاديء.

أتناول ديوان المتنبي أو مجلد ميكي..أيهما أقرب.

أشرد قليلا..هناك صديق وفي، وهناك صديقة وفية..هناك دوما حبيبة (ولو على وجل).

أعد نفسي يوميا بأنني في الغد سأفعل أشياء أفضل..لكنني أعود فأتحمم وأتعطر، وأكتفي بإرسال عشرة ابتسامات يومية، مع بعض الكلمات العابرة (أحبك-وحشتني).

ثم أتناول مجلد بطوط أو ديوان المتنبي أيهما أقرب..وأخلد إلى النوم على نفس العهد، بينما شعري يدغدغ أذني.

لك الحمد حتى ترضى.

الثلاثاء، 8 نوفمبر، 2011

بل احتضن


لماذا بدا حضن اليوم كاسحا لهذا الحد؟

اجتاحني وبعثرني (ومن ذا الذي يصمد أمام ذراعين معتصرتين، تطوقانه كأنهما اشتبكتا حواليه بلا ربغة في فكاك)..وكالعادة ترك دمعا محتقنا، لا هو باحتباسه ستر، ولا هو بجريانه خفف الوطء.

الاحتضان هو الفعل الأكثر حميمية في عرفي..تطابق الضلوع على الضلوع، تماس عظمتي القص في صدر كل طرف، تكامل الجسدين لوهلة..ذوبان مؤقت.

إراحة الخد على الخد؟ ملمس الجلد؟ رائحته؟ تداخل شعر الشخص الآخر في أذنك؟

لا أعرف.

لكن قطعا كان مسرح الحدث البطل، كل احتضانات المطارات ومحطات القطار ونقاط السفر..دراماتيكية.

تذهب دراسة إحصائية موثقة إلى أن القطع الإذاعية التي تخص القطارات تحظى بأعلى نسبة استماع وتسترعي أكبر قدر ممكن من التركيز، لدى المستمعين.

ولم يفهم القائمون على الدراسة سر هذا الأمر حتى اللحظة.

ربما في حنين السفر، في دفقة الاستقبال، وفراغ الوداع الموحش..ربما في الانتقال من نقطة من مجهول محتمل لمجهول ملتبس.

ربما هذا كله.

احتضنت بطريقتي المعهودة.

يمناي، بأصابعها الخمس في منتصف الظهر، يسراي بأصابعها الخمس تحت العنق، ذقني تضغط كتف محتضني الأيسر، صدري ينطبق على صدره كصخرة لا تتأملد مواضعها.

الصوت في خلفية الاحتضان، هبوط طائرة أو إقلاع قطار لا يهم..التشوش واحد، الزحام واحد، انعدام التمييز واحد..لا يبقى سوى استراقة الوجه المودع (بالفتح والكسر) لك وسط زحام لا ينفض.

أنغرس مكاني وعيناي مثبتتان على موضع واحد، حتى مع انقضاء مغزى التركيز فيه. ومايزال دفء انطباق عظمة القص على عظمة القص، يبث لفح هجيره فيما تحت محجري عيني.

الأربعاء، 2 نوفمبر، 2011

الإدراك الصعب.. والغزو على مذهب كوكاكولا..فن توظيف الإطار



أجرى نفسانيون تجربة مثيرة قبل عدة سنوات، سنشرح شيئا ما بسيطا قبل أن نحكي عنها، مع العلم بأنني لا أتذكر التجربة على نحو دقيق جدا.(خاصة رقميا).
يعرف القريبون من مجال إنتاج الأفلام والصور المتحركة، أن الحركة تقتضي تتابع عدد من الإطارات بسرعة معينة، والإطارات هي مجموعة من الصور الثابتة، سواء الفوتوغرافية أو المرسومة، التي تكفل "سرعة" تتاليها أن تبدو الصورة متحركة حية.
وتصل الصورة السينيمائية الجيدة لحوالي 60 إطارا في الثانية الواحدة..أي نحو 60 صورة ثابتة تتوالى بسرعة فائقة في الثانية الواحدة.
أي أن مشهدا واحدا يحرك فيه الممثل حاجبه ويعقده لأعلى، يحتاج ربما إلى 60 صورة ثابتة يتم عرضها وراء بعضها البعض في أجزاء من الثانية.
حسنا ما هي التجربة؟
كلنا يعرف شكل زجاجة كوكا كولا، الشكل الانسيابي الذي يصنف كأشهر علامة تجارية على وجه الأرض(وفقا لمسوحات وإحصاءات).
وضعوا إطارا/صورة لشكل زجاجة الكوكا كولا ضمن كل 60 إطار، من فيلم بعينه، بما يعني أن كل ثانية من هذا الفيلم يكمن فيها "رسم" لزجاجة الكوكا لكن لا أحد يلحظ بالطبع في ظل السرعة الفائقة للتالي.
انتهت التجربة إلى أن المشاهدين بعد مشاهدة الفيلم، خرجوا من السنيما يبحثون عن أقرب منفذ بيع كوكا كولا، تلبية لرغبة داخلية ملحة لا يمكنهم تفسيرها..إنهم يريدون كوكاكولا الآن!
الذي حدث أن رسم الشكل الانسيابي، خاطب اللاشعور واندس فيه خلسة دون أن يستوعب المشاهد ما جرى له، وبتراكم الإطارات على مدار زمن الفيلم، كانت القناعة قد استقرت بداخله أنه بحاجة لهذه الكوكا كولا..دون أن يدري ما الدافع ولا أن يفهمه.
من هنا أنطلق..نحو أولئك الذين يجتاحوننا ببطء، يمررون إطاراتهم/كلماتهم/تعبيراتهم/لزماتهم/إيقاعهم..خلسة.
بعد وقت محدد، تكون عملية الاستعمار قد انتهت بنجاح..وأنت لا تستطيع تفسير سر احتياجك للكوكا كولا.
أنا شخصيا، عندي حاسة متنبهة جدا، وهي حاسة إدراك الأبعاد الفائقة.
إذا تغير مكان شيء ما، أحس على الفور. لأنني أجلس عادة وأشرع في مسح الأماكن من حولي وتحديد المسافات والأبعاد، كي أضبط محددات التجاذب والتنافر بين الأجسام الصلبة المستقرة، وفقما تشرح قواعد الفيزياء المبسطة.
أنا أحفظ المسافة التي تفصل سريري عن الحائط، وأحفظ المسافة التي تفصلني عن الحائط، وأحفظ النقطة التي أنام عليها تحديدا، بحيث تكون جاذبية جسمي والحائط عن يميني والأرض من تحتي في أكثر درجاتها تناغما كي أنام بهدوء.
وأحفظ المسافة الفاصلة بين يدي وأفيال مكتبي والكيبورد وكوب الماء..وأحفظ كم خطوة ينبغي أن أقطعها في الظلام كي أصل لباب الغرفة وصولا من باب الشقة، وأعرف كيف أتناول "الموبايل" من أبعد نقطة عن سريري بمجرد سحبه بالإبهام والوسطى إلى أن أتناوله بأصابعي جميعا، وأتناول كل شيء في الظلام بنفس مهارات الالتقاط في الإضاءة المفرطة.
وأعود مرة أخرى للكونغ فو..حيث تدربت أو دربت نفسي على إدراك المسافة بين الأجسام، وكيف تدرك وتسمع حفيف تحرك جسم ما حواليك..كيف تستقبل ذبذبات وحفيف استدارته في الفراغ قبل أن يواجهك.
ودوما ما أخضع نفسي لتحقيقات مضنية ( أنا محاور مدقق مباغت مربك بشهادة كل المصادر الذين حاورتهم) وأفهم بجلاء سر ميلي لهذا أو بعدي عن ذاك، أو لم تصرفت على هذا النحو في الموقف الفلاني.
وبإدراكي للمسافات الفاصلة بيني وبين سواي..أجساما وأفكارا.
وبتدقيقي في عمليات تسريب "الإطارات"..والغزو النفسي.
أدرك ثلاثة أشياء متوازية:
أولا: جسم ما يقترب مني، هناك جاذبية خفية تربط ميكانيكا كم الانبعاثات الصادرة من كلينا. ومن وراء هذا الجسم أجسام مرتبطة بجاذبيته الخاصة.
ثانيا: عملية تسريب إطارات خجولة وبريئة وعفوية، لا تدرك أنه بموجب الخبرة، أنا أفصل الإطارات جانبا كي أشاهد تتاليها بمفردها بعيدا عن الفيلم نفسه.
ثالثا: أنا أغمض عيني لمدة ثانيتين وأتحرك للخلف خطوة. بإغماضة العين أضيع فرصة التعرض لعدد أكبر من إطارات الاجتياح المنهجي، ما يؤثر في معدل الأثر الكلي الناجم عن المشاهدة الكثيفة لهذه الإطارات. وبحركة واحدة للخلف تتغير قوانين الجذب والطرد بيني وبين الجسم الآخر المتتبع (عذرا لمن لا يستوعبون الفيزياء).
أخيرا: أنا أدرك ماذا أريد جيدا.
سأضم الإطارات سويا في فيلم واحد، ولكن بعد إضافة إطاراتي المتسربة عن عمد هي الأخرى بجوارها كي تكتمل الصورة، وتلتئم طفولة وبراءة،..وسأضع كوب ماء بيني وبين الجسم المتتبع.
هل رأيتم عظمة الفيزياء والسنيما؟