90s fm

السبت، 27 أغسطس، 2011

الحب كخانات متوازية


(عجبت لسعي الدهر بيني وبينها...فلما انقضى ما بيننا سكن الدهرٌ)..أبو صخر الهزلي

الغريب في الحب، أنه إرادة مشتركة، يستتبعها تواطؤ كوني.

وبمقدار ما هي الإرادة، بمقدار ما سيكون التواطؤ.

جذوة الإرادة حين تتقد بداخلي-دعني أحكي عن نفسي قليلا كما عودتك في هذه المدونة- أحس أنني أرغم الكون على التماهي مع إيقاعاتي الشخصية، ويلح على ذهني فيلم الكارتون الشهير fantasia 1949 الذي يلعب فيه ميكي ماوس دور الساحر، ويتحكم في الأشياء من حوله ويجعلها تدور في فلكه الشخصي.

حين أحب فلانة، تتشابك كل العناصر وتتعاضد بحيث نتقابل، ونتحدث.

حين أحب فلانة، تتشكل كل الصدف-من الفراغ البحت- كل نجتمع سويا.

حين أحب فلانة، تنحسب مكونات بعينها من المشهد ويحلها محلها مكونات أخرى، بحيث يصير المسرح لنا وحدنا، سنؤدي عليه ما شئنا، وسط استحسان مقطوع الأنفاس من هذا العدم وذاك القدر اللذان يراقبان ما يحدث في نشوة وخدر بائنين.

متى تتغير هذه الحالة؟

حين أحب فلانة (هذه)..وتحبني هي.

في هذه اللحظة، نكون إرادتان معا، في مواجهة واقع أضعف منا سويا.

أنا أثق أنني بإرادتي الشخصية منفردا أغير قوانين الكون ونواميسه.

(كنت صغيرا حين كنت أختلي بنفسي في غرفتي وأقرر-بصورة غير قابلة للتراجع- أن القوات الأمريكية في العراق لابد أن يصيبها عطب ما اليوم، فتجيء أخبار نشرة التاسعة بتدمير دبابتين إبرامز، ومقتل سبعة جنود هناك)..(لا يعنيني أن ينسبوا الأمر للمقاومة أو لجماعة أبو الزحفليت الحوقاني)

(كم أمطرت الدنيا لأجل في غير أوقات المطر، وكم تشابكت السحب أمام منزلي، وكم من مرة انكسر عنق فلان الذي أكرهه-أنا أكره بصفاء مدهش- وكم من مرة دخلت غرفتي فوجدت أحدهم ترك لي عليها كيس عسلية ونبتتي ريحان).

لكن حين تعانق إرادتي إرادة من أحب، أحس أن شكل قوتنا المشتركة مذهل.

(لذلك لا أتورع من التلويح من وقت لآخر بالخطف كفعل كلاسيكي في المتناول، مادمنا سويا في ظل إرادة مشتركة)

حين تتحد الإرادتان، يجيء كل شيء لينتظم في إطار الجاذبية التي تربط مكونات هذا المشهد مع بعضه البعض (أنا أعشق ميكانيكا الكم).

الفيرمونات: أو الروائح الجسدية الخاصة التي يفرزها جسد كل واحد منا، وعلى ضوئها وبصورة كبيرة يتحدد مدى قابلية اثنين للارتباط معا، تصبح في أدق لحظات انسجامها.

فيرموناتي وفيرموناتها..نعزف سويا مقطوعة في تمجيد الطبيعة وقوانينها الفسيولوجية الرائعة، وأقول لها ما رأيك أن أذهب لأبيك وأقول له والله يا عمي أنا وبنت حضرتك فيرموناتنا متوافقة جدا، وعشان كده أنا قررت أخطفها ولما نتجوز هعزم حضرتك طبعا.

التناسق الفلكي: كأن يمر زحل من الشمس، أو يقابل المشترى برج الأسد، أو أيا من هذا الهراء الذي تتحدث عنه ماغي فرج.

تناسقنا، يصبح اقتناصا للحظة لا تتكرر إلا كل ستين سنة.

فأنا من الذين يسيطر عليهم فلكيا كوكب (نبتون)..هذا الأزرق الجذاب المنزوي منفردا في آخر المجموعة الشمسية. وهي ستكون ممن يؤثر عليهم أي شيء.

بمراجعة الخريطة الفلكية سيتضح أن نبتون وهذا ال(أي شيء) الآن في أقصى درجات توافقهما الكوني.

كل شيء يتناسق بقدر.

يتناغم بإرادة.

لذلك الحب مشروع "إرادة" من الطراز الأول..أن نظل على إرادتنا بأن يتم هذا.

حين تنزوي الإرادة، في أي من مراحل هذا الحب (حتى في مرحلة الخلق الجنيني، التي تتطلب دأبا وإرادة مشتركة أطول، كي يجيء للدنيا هذا الحب، ولا يتحول لمجرد أثلولة جنينية-وفقا للتعبير العلمي الغبي- في رحم العاطفة ويتلاشى في العدم).

ومن ثم قال شاعر لا أعرفه:

فلا تبك حبا جنينا عليه...سقيناه هجرا طويلا فملَ

الشاهد، أن الإرادات إذا لم تحسم موقفها، فإن الحب كما يولد فكرة..يموت فكرة.

حين أقيم الأمور، أحس أن إرادتي تعاف كل شيء منذ سنة.

وأن كل بوادرها، بوادر أثلولية..إلى زوال.

وإلا فقل لي كيف لم أنجب 10 آلاف طفل إلى الآن (هي فكرة مروعة بحد ذاتها أن تكون أبا) وكيف لم أقل لكل اللوائي توافقت معهن فلكيا أو فيرمونيا (دعك من ذهنيا ونفسيا الآن) سر التجاذب الطاريء الذي لم يستطعن تفسيره وأفهم أنا سره منفردا.

إرادتي، تحتاج لنفضة ترج كياني.

الخميس، 18 أغسطس، 2011

حكاية مظروف مغلق وصل متأخرا ثلاث سنوات


وصلني بالأمس مظروف مغلق..جاء متأخرا عن موعده ثلاث سنوات كاملة.

التأخر قدري بحت، لأن عملية التسليم والتسلم، لابد كانت يدا بيد، فلا دخل لهيئات البريد في الأمر بشيء.

هذه الحقيقة في حد ذاتها، على عكس ما يبدو لك، تضاعف من دراما المشهد. فالخبر المتكرر الذي ظل يطرح نفسه كل عدة سنوات على صفحات الجرائد، حول الخطابات التي أرسلها جنود في الحرب العالمية الثانية لزوجاتهم وقد وصلت لتوها في نهاية التسعينات، لم تكن لتؤلمني بمقدار ما كانت تبعثر كياني وأفكاري، وتدفعني للتخوف من خطاب لن يصل أبدا متى ينبغي أن يصل.

لقد انغلق المظروف على محتواه قبل ثلاثة سنوات، انغلاقة لن يفتحها إلا إياي، ومن ثم فمحتواه سهم القدر الذي انطلق في الفضاء ولم يعد من الممكن استرداده على وتر القوس..هكذا هو الأمر.

أتأمل المظروف وقد قطع مسافة شاسعة من بلد، حين مررت فوق ضبابه بالطائرة، قلت لا بد أن حافة العالم هنا..ولم أجد المبررات الكافية كي يخلق الله على ضفته الأخرى قارة كاملة، وبينهما محيط هادر.

أضع المظروف أمامي على المكتب، وألقي بظهري لأقصى وراء يمكن أن يسمح به انثناء الكرسي الجلدي نصف الوثير.

أتفحصه مليا، وأفكر في عشرات الاحتمالات في أجزاء من الثانية، وما بين كل احتمال وسواه، مسافة شاسعة من رد الفعل، وتأسيس أو نفي، لحقيقة كنت أتحسس ملامحها منذ سنوات مضت.

حين أفتح هذا المظروف سأحكم على نفسي، تفكيري ومشاعري، وسينتهي فصل ما من حياتي على نحو أكثر دراماتيكية مما كنت أعتقد.

ربما لو كنت أصغر سنا، ومن ثم أكثر رعونة، لفتحته فورا، دون أحسب حسبانا واحدا لا يصب في صالحي، لكن ثلاث سنوات تكفي بشدة كي يصير الواحد أكبر سنا.

تتحسسان يداي المظروف، تحسسا مرتبكا، وعيناي-على شرودهما- مثبتتان فيه، ولا صوت حولي مطلقا، كأن كل شيء قرر أن يصمت فجأة.

أتنفس بعمق، بينما يهيأ لي أن صوت سريان الدم وتدفقه في شراييني وأوردتي، يلقي بحفيفه نحو أذني، وسط هذا السكون الذي قررت إرادة ما أعلى مني أن تفرضه على الحيز المحيط بي.

أفتحه حذرا مشوشا مبعثرا، كأني لا أجيد تمزيق ورقة مقواة مطوية كي أتفحص محتواها!

يتمزق صوت الورق فأحس أن القيامة ستقوم الآن، وأشفق على نفسي من لحظة قادمة ستتبدل فيها الأرض غير الأرض.

وأمتن داخلي لقدري ومصيري، الذي يحوز فيه الأدرينالين دور البطولة، وأتساءل التساؤل البدائي: هل هي حياة سينميائية بزيادة؟ أم أننا نتعلم من السينما كيف ىيمكن أن تكون الحياة درامية على هذا النحو.

أتناول مغمض العينين ورقة، تصاحب محتوى المظروف (الذي هو في الأغلب هدية)، وأشرع في تسوية انثنائتها الكتوم.

أول ما أتناول الورقة، أرتد بغتة لسنوات مضت..الخط نفس الخط يا إلهي!

لم تتغيري قيد أنملة أيتها اليد التي كتبت..

الخط هو هو..

ما الجديد؟ هل لا ينبغي أن يكون هو هو؟ أم أنني أتخوف من تغير ما، أربطه-عسفا- بتغير في شيء آخر؟

احاول التركيز عشرات المرات كي ينتظم الخط في عيني فيستحيل إلى جمل مفهومة، بدلا من التنقلات والقفزات التي أجريها من أول الخطاب لآخره دون أن أفهم حرفا.

بعد نصف ساعة تقريبا، أضع الخطاب جانبا، وأتناول محتوى المظروف..الهدية.

هدية تشبهني جدا..هدية لي بمفردي ( كما أشترط على أي حد ينتوي مهاداتي)..هدية تطابقني، كما يطابق الخط نفسه في الخطاب!

أضع كل شيء أمامي: المظروف الممزق، الهدية التي تشبهني، الخطاب المكتوب بخط يشابه نفسه.

أغمض عيني وأقول: أروع ما حدث أنه جاء الآن..الآن فقط.

الخميس، 11 أغسطس، 2011

طبيبة العظام التي تماثلني سنا..


حادث عرضي، يدغدغ ذراعي اليمنى..أو هكذا أحس: وجع عميق بقسوة.

أذهب لأقرب مستشفى، فتستقبلني طبية عظام شابة (كيف استيقنت أنها تماثلني سنا، وتأكدت من ذلك فيما بعد؟).

أتذكر (Meet joe black).."إنك لا تدري متى يضرب البرق ضربته".

حين تلتقي العينان، وسط العاصفة، فتتثبتان تتفحص كل منهما الأخرى، تستطيل اللحظة فتبدو أبدا..ثم يكون ما يكون.

تضغط على يدي: يؤلمك هذا؟ أقول نعم.

بينما مع استمرار ضغطها، ينسحب الألم رويدا رويدا.

هناك يحلو للحبكة السيكولوجية، أن تصادر على الفسيولوجيا خصائها.

فأنا-افتراضا- متألم بقسوة مما ألم بي..لكن لمستها، وعينانا تلتقيان عن قرب، يبددان الألم.

النفس تداوي ما أعطب الجسم.

أفطن سريعا لما يجري..

يؤلمك هذا؟ قليلا..اضطغي يمينها ب2 سم من فضلك.

كلما لامست موضعا، كلما زال ما به الألمُ.

يؤدي أربعتنا عرضا مرتبكا: (الطبيبة والمريض/وحبيبة اللحظة المختلسة وحبيب اللحظة الحرجة).

أود أن أفسح مجال عمل/لمس الطبيبة..كي يأتنس الحبيب.

وهي تود أن يشفى المريض..ثم فلنتباحث أمر الحبيب.

أكبح جماح سيكولوجياي المبتهجة والمغتبطة، كي أتألم فسيولوجيا كما يليق بمصاب سوي، وكما يطمح "الحبيب المحتمل"..دعنا نمدد أمد لحظات التداوي.

تضغط ضغطة مؤلمة بحق (الآن أشعر بالألم فعلا) ثم أبتسم.

تسألني عن موضع الألم فأجيبها من غير تركيز: يمين المفصل، فوق تحت، أنا ماشي كانت في الشارع برضه تحت الشريان الأورطى المهندسين حلف الناتو أحمد البلوج شغلي مكرونة بالبشاميل يوم الاثنين عند البنزينة.

فتجيب إجابة حصيفة جدا، بينما عينانا مثبتتان على نحو مدهش في بعضهما البعض: الشرايين لما تتخبط المسلسل بييجي بالليل الورد والقيمص الأبيض بعد صلاح سالم ناكل بيتزا والحكومة الانتقالية موسيقى موتسارت.

تلفق جبيرة لي، تلائم موضع الألم، وأتمنى في هذه اللحظة لو أني جميعا تدغدغت ما كانت هي المداوية.

الأمر يتخطى التعاطف العارض بين الطبيب والمريض( الذي تستحي كتب علم نفسه من وصفه بالمراهقة المؤقتة)، ليخلق أمرا واقعا، يقول أن البرق يضرب ضربته في لحظة، وأن الحب يجيء-كما الموت- بغتة.

بعد تجبيري بالشاش، أقول لها: كنت أتمنى أن يكون جبسا، كي تكتبي لي عليه بالشفاء أمنية، ثم تذيلينها برقم هاتفك، كي أشكرك حين أتماثل للشفاء.

تبتسم وتقول: تقوم بالسلامة.

أفيق لوهلة، فأحس أن سكرة "المراهقة المؤقتة" راحت، وأن الطبيبة عادت لثكنة الطبيبة وأن المريض يتألم بقسوة دون أن تسعفه سيكولوجياه المغتبطة "سابقا".

أحس أنني أحمق فعلا..لكن هذا الشعور يتبدد حين أتفحص روشتة الدواء فأجد رقم هاتف محمول بجوار اسم الطبيبة..وتحت قائمة المسكنات وردة مرسومة برقة..

حين قربت الروشتة من وجهي..شممت رائحة تلك الوردة.

الاثنين، 1 أغسطس، 2011

فقط أغمض عينيك


إذا خفت شيئا ما، أغمض عينيك..فاللظلام عالمه..

في هذا العالم هناك من هو مستعد لمساعدتك، فقط إذا طلبت أنت منه ذلك.

أغمض عينيك لتلج إلى هذا العالم..ولا تتكلم..فإنهم هناك يدركون كل شيء..

سيجيئون إليك بسرعة..وينقذونك..

أغمضت عيني حين تحسست يميني عقربة جبلية ذات مرة..ورغم تنفسي الصاخب..إلا أنهم حضروا وتصرفوا..

وحين فقدت عزيزا علي..أغمضت عيني..فأحسست أحدهم يغسل صدري بماء عذب، ويزيل منه أثر كل كدر.

وحين اختلطت علي هموم شتى..أغمضت عيني..وجاءوا فتصرفوا..

أفيق من الإغماضة أحيانا ناسيا ما اعتراني قبلها..

أحكي لك يا صديقي/صديقتي، كل هذا وأرجو أن تصدقني..

فقط أغمض عينيك وهم سيتصرفون..

أقسم لك سيتصرفون..

انفض ثقيل حملك واتبعني يا أخي..