90s fm

الجمعة، 28 أكتوبر، 2011

لفتة حسام الأخيرة.


كل الطرق مؤدية إليك يا حسام، ما من مكان أمر به إلا وأتذكر لنا شيئا فيه.
ذرعت كل الأرض بذكرياتك، فلم يبق لي منها شيء إلا مصطبغ بضحكة منك، بفكرة منك،بواقعة معك، بجلسة بجوارك، فكأنما أنت كل شيء في طريقي، وكأن ملمحك مخيم على كل شيء.
أدركت لفتتك الجميلة الأخيرة لي.
وصلت الصلاة عليك متأخرا والمؤذن يرفع الأذان لإقامة صلاة الظهر، بعد، دخلت عجلا وجلا، لأجد نفسي في الصف الأخير ولأجدك مسجى بجواري.
جثمان شجاع في نومته الأخيرة..لم تكن مهزوما..كانت نومة محارب لا ضجعة واهن.
كنت أنا الأقرب إليك يا صاحبي.
أقوم وأسجد، وتخنقني عبرة لمستك الأخيرة..أنت أخرتني لتجعلني بجوارك فكأنما صف الصلاة الأخير أنا طرفه وأنت استتمامه!
ولولا العيب، لاقتربت منك ألامسك..ألم يقل تماسوا تراحموا؟!
نسلم عن أيماننا تسليمة الخروج من الصلاة وألتفت إليك فإذا يدي تتناولك أول ما تتناولك الأيدي لتقديمك للصلاة عليك..حملتك أنا يا صديقي على كتفي، وأنا أعرف أنك اخترت من يحملك.
نضعك كي تصطف صفوف الصلاة وأنا غير مصدق..أنا حملتك يا حسام للصلاة عليك؟
أحملك مرة أخرى لنخرج من المسجد، وأنا ألمح وجهك في ملامح أقاربك الذين يقتسمون شبهك، فألملم وجهك من ملامح شتى، ويلتئم منثورك الجميل في خيال واحد لا تنقصه نضارتك ولا تعوزه ابتسامتك الوقور.
في الجنازة كثيرون بكوا..إلاى.
ربما لأن يقيني أن أفضل أيامك ستبدأ حين نتركك هنا.
أما نحن فأيامنا بدونك فيها مرار غريب.

الأربعاء، 26 أكتوبر، 2011

ما لا يحتاجه حسام تمام..ونحتاجه نحن.



رحل حسام تمام، هو لا يحتاج الآن شيئا، في حين نحتاج نحن.
برحيل حسام سأفتقد أول من نشر لي مقالا، وأول من اصطحبني من يدي لجرنال، وأول من ساعدني-صحفيا- حين سافرت خارج مصر، وأول من تناول مخطوطتي الأولى، ليدفع بها لدار الشروق عساها تستحيل كتابا منشورا.
أفتقد أول من ارتكزت عليه في حياتي العملية، وأول حدد عيوبي المهنية بدقة واضحة( كان يقول العيب كأنه المدح!)، وأول من انحاز لي دون توضيح الدوافع.
زيارتي الأخيرة له في 6 أكتوبر الماضي في مستشفى الشيخ زايد كانت زيارة وداع لم ألتفت للإشارات الإلهية الكامنة فيها، كنت أرى وجهه فيها نيرا هادئا، رغم السرطان البشع الذي يجتاح خلاياه.
وكنت أشفق دوما من اللحظة التي أنا فيها الآن..أن أرثيه.
وأفهم قول شوقي في حافظ إبراهيم: قد كنت أوثر أن تقول رثائي..يا منصف الموتى من الأحياء.
تبتديء الزيارة دوما وهو مرهق من إثر المرض، لكنه يغير وضعية جلوسه-كل مرة- في أقل من 15 دقيقة، لينخرط في النقاشات المدبرة التي كنا نجرجره فيها، فيزدهر وينهض ويبدأ الحكي فلا ينتهي..
حقائق ومعلومات ومقابلات وكتب وقراءات وذكريات وأحاديث خاصة وأشعار وأحاديث وروايات وتفاسير..إعصار معرفي جارف هذا الرجل!
نتركه وقد استحال من صفرة المرض لحمرة الحماس..ونستأذن لنجيء بعد اسبوع أو اثنين.
دوما كان يشاكسني: حمادة ياعفريت!
يسألني: أخبار عبد الوهاب المسيري إيه؟
فنضحك سويا..يوميء من طرف خفي إلى حياتي العاطفية..يسألني هذا السؤال الكودي مذ تعمدت صداقتنا في 2004، وللكود واقعة عاطفية كانت تضحك كلينا حتى الإنهاك..لدرجة أنه أطلع الراحل عبد الوهاب المسيري على استخدام اسمه بصورة كودية للتعبير عن توصيف درجة من درجات العلاقات العاطفية..فرد المسيري بخفة دمه وسرعة بديهته وصفاء نفسه: أنا ممكن أتدخل شخصيا في الموضوع مش اسمي بس.
يضحك ثلاثتنا (اصطحبني لمنزل المسيري مرة، ورتب لي لقاء منفردا معه في منزله مرة، ورحل كلاهما عني، لأضطر-وما أقبح اللغة في هذا الموضع- أن أقرن حكايهما معي بقولي: ذات مرة).
أتذكر ملابسة المعرفة الأولى حين نشر لي مقالا في إسلام أونلاين، كنت طالبا جامعيا متدربا حينها، بعدما أعاد تحرير بعض أجزائه، الأمر الذي غير المعنى في بعض المواضع.
أرسلت له "إيميل" حاد: التعديلات غيرت المعنى بما لايتوافق مع ما أقصده، من فضلك: إما أن تعيد النص إلى ما كان عليه سابقا، أو أن تحذف اسمي من عليه، أو أن تحذفه مطلقا، ولحضرتك حق التعامل معي مرة أخرى من عدمه.
ضحك وأجرى التعديلات ثم عزمني على الغداء: سأجرى التعديلات لو لم يكن لصحة موقفك العلمي، فلأنك جدير بهذا..لو لم تدافع عن وجهة نظرك (أيا كانت) لما كنت احترمتك..ولو لم تكن بشجاعة أن تطلب حذف أول مقال ينشر لك في حياتك، لما كنا معا الآن.
كانت دوما لقاءاتنا مدموغة بطابع احتفالي، فهو يعزمني أو أعزمه (كان يعزمني هو أكثر بالطبع بموجب 13 سنة عمرية فرق تضعه دوما في تصنيف أخ أكبر).
وكل لقاءاتي معه ملحمية، دوما معه أصدقاء من المغرب أو لبنان أو السودان أو موريتانيا..دوما هناك أصدقاء من كل مكان في العالم، نجلس سويا وتروح الأحاديث وتجيء طوفانا من المعرفة والآراء، وكل الجالسين دوما يوقرونه ويحترمونه.
عهدته حادا في الحق، صارما في قيم المهنة، رجلا بالمعنى الحرفي للكلمة.
قال لي جملة تأسيسية في وعيي: الفيصل سيكون في قدرتك على التحليق خارج السرب..أن تنفصل وأن تغرد بمفردك..هذا هو تحدي حياتك..فقط عليك أن تمتلك الشجاعة.
ثم نظر إلى مدخل إحدى بنايات الصحف القومية التي نستقل المقهى المقابل لها: لو صاحبت بواب مؤسستك وكان صادقا معك،خير لك من أن تصاحب رئيس تحرير منحط.
كان دوما محل ترحاب وتقدير واحترام، لا ينال من غيبته إلا مجايليه من الحاقدين عليه، وكانوا من التفاهة بمكان بحيث يبدو كلامهم سخيفا سفيها..(وإذا أتتك مذمتي من ناقص..فهي الشهادة لي بأني كامل).
أتذكر بياتي معه ذات مرة في شقته-قبل أن يتزوج- وأنا أحاول إقناعه بمشاهدة فيلم أمريكي رومانسي : فكك من الإسلاميين بقى شوية يا أستاذ حسام.
-وريني ياحمادة ياعفريت.
يطلب إيقاف الفيلم في منتصفه ويسألني عن عن أحوالي العاطفية..أحكي وتبرق عيناه وتتسع ابتسامته..فيقول لي: ادخل نم أيها العاشق.
أستيقظ وأستأذنه في قرصنة بعض كتبه..أفاوضه كثيرا مفاوضات تؤول لصالحي..ويترك كتبه عن طيب خاطر وصفاء نفس.
يتناول كل شيء بملكة تحليلية نادرة.
كان المسيري يصفه لي بأنه استثنائي، وكان هيكل معجبا به لدرجة مدهشة.
اختار المسيري ثلاثة مقالات له وأرسلها لهيكل، الذي استقبل حساما في منزله، وأبدى ثلاثة ملاحظات نافذة لحسام، استأمنني عليها حتى اليوم. إن كانت تشي بشيء تشي بأن حسام عملاق وبأن هيكل ذكي ذكاء نادر.
وطنيا حسام كان لأقصى ما يتخيله عقل، كان يشتبك مع كل من يشكك في مصر حد الاقتتال، ويحلم بمصر غير مصر.
في السر كان يدبر مع بعض الأصدقاء دعم ترشيح مفكر مصري كبير لجائزة عربية كبيرة، فكان يصرف من جيبه الخاص على إرسال خطابات الترشيح للخارج، وحين يتم هو والفريق السري عمله..كنت أذهب إليه وآخذ منه المظاريف وأتوجه بها لأقرب نقطة بريدية..ويملؤنا الأمل في أن يفوز بها المفكر المصري العظيم..لأنه بحاجة ملحة إلى المال قبل التكريم!
ومثلما ترك كليتي الإعلام فالاقتصاد والعلوم السياسية ليستقر في كلية الآداب جامعة الإسكندرية..كان يحل من مكان لمكان طائرا مرتحلا..تنشر مقالاته الصحف العربي والإنجليزية والفرنسية، وتستضيفه الندوات والبعثات..وكان دوما متألقا بلا شبهة خفوت عابر حتى.
وعلى خلاف ما يبدو على مظهره الرجولي الصارم، كان ودودا لطيف المعشر يهوى النكات ويحفظ الشعر ويجيد اصطياد المفارقة.
وحين أجيء على نفسي وأكبح دموعا عاتيات لأكتب هذا، فأنا أكتبه لأننا بحاجة إلى أن نقول أن هنا بيننا كان صحفيا جيدا..كان بيننا شخصا لا يماري..كان بيننا إنسانا رائعا..ينبغي أن نتوقف لنثبت الحالة في تاريخنا..ولنقول أن كل قبح العالم يمكن أن يزول بشيء واحد جيد يفعله شخص واحد جيد..ينبغي أن نترك الحقيقة منشورة..كان بيننا شخصا رائعا بكل ما تنطوي الكلمة عليه من معان.
وأخيرا: ناقشته آخر مرة التقينا قبل إسبوعين ، حول العنوان المفترض لكتابه الذي كان على أبواب النشر، بعدما أطلعني على فصوله، واستمع لوجه نظري حول أمثل طريقة لتبويبه، فقلت له: ينبغي أن تكتب فصلا إضافيا فنظر لي ساعتها مبتسما وفي عينيه بريق خافت: مفيش وقت.

الثلاثاء، 25 أكتوبر، 2011

مرامي والدموع سوابقُ

أنا الصورة الصغرى عن غيبتك الكبرى، ومرادك إذا كان البأس بأسك لا يرد.
لا تحتجب سترا فتقتلني.
بح لي بسرك فالأكوان تمتثلُ.
إياك، إلاك.
لا تنتهر روحا قد انغلقت، إلا إليك سوابرها فقد تيمت.
آه...آه...آه
كل الكوائن أخبار معللة، إلا الفناء يصير عليك مثقالي.
(فهو المثالٌ الفرد عن أوجه غيبى/طباق الشكل ليس شبيها فيشبهه/ آماده جلت عن التوصاف معذرة/ (لو شفك الوجد لم تعذل ولم تلم).

الاثنين، 24 أكتوبر، 2011

حين يطهو السيد دودي على طريقة مقاتلي أمريكا اللاتينية.




لا يصعب الاستدلال على آثاري في المطبخ.
تخيل أن فيلا قرر أن يلعب استغماية في مع وحيد القرن. لافرق أيهما سيختبيء وأيهما سيبحث عن صاحبه.(المطبخ مساحته نحو 8 متر مربع).
الدقيق منثور في الأرض بكفاءة مدهشة، بينما تنطبع بصمة قدمي عليه، كأنما أترك خريطة واضحة لتحركاتي، حتى يستطيع محققو الشرطة إنجاز تقرير وفاتي إذا ما تأزمت الظروف هنا.
الزيت يغطي نصف الرخامة، والأطباق والحلل متراصة جوار بعضها كأنما هو عرض فني في مهرجان "الفوضى ملكة نادرة".
عادة أجري بعد فتح البوتوجاز، لأني لا أقدر المسافة الصحيحة للوقوف منه، ولا من اللهب، ولا من درجة النيران المطلوبة. سيما أن يداي تقطران زيتا (الذي انسكب منذ قليل)..وقطرات الزيت مع النار تثبت يوما عن يوم حقائق فيزيائية ثابتة.
لأني لم أتعلم الطبخ مطلقا، ولأني لا أهتم بالمطبخ بتاتا، كان لزاما علي اكتساب عدد من المهارات المكثفة في وقت سريع جدا، نظرا للظروف التي طرأت على حياتي.
أمسك السكين (كأني نابليون بونابرت) لأحيل الطماطم إلى شرائح متساوية هندسيا على نحو عجيب، فتكون النتيجة دوما أنها تنفعص مني فتستحيل صلصلة على نحو مثير.
أضع خلا بدلا من الزيت فيزداد الأوار، وأجرح يدي في تقطيع البصل، فيسيل دم ودمع ومخاط بريء نظيف.
أتحرك بكثير من التعثر، يندلق الملح، وأضع الفلفل الأسمر بكميات أكثر من المطلوب، ويلسعني ملمس الأوعية على النار.
أنفض عن نفسي هاجس أنني شخص فاشل، أو أن نجاحي في المطبخ محل شك.
أصيخ السمع:
صوت التقلية على النيران، له وقع موسيقي منتظم، وصوت غليان المياه يداخله بتناغم مدهش.
أدقق النظر:
الدقيق الأبيض في الأرض يعطي ملمحا خلابا. بقايا الطماطم المفعوصة/ حبات الثوم المتراصة حواليها كأنها النجوم، زرقة لهب البوتوجاز.
أنا في مشهد نادر الجمال!
أقرر استعادة زمام الأمور ويتلبسني شعور غامض بأنني مقاتل في أمريكا اللاتينية، كما كان جد ماركيز في استعلائه الطفولي ( لايرتدي السترة العسكرية لأن رتبته ثورية وليست أكاديمية).
أغير درجة إضاءة المطبخ، بحيث تصير أكثر ظلمة أو أكثر إنارة.
أعيد رص وترتيب عناصر الطبخ:
وأتذكر الدرس الأول الذي لقنني الصديقي إياه: الطاهي المحترف يختار سكينه أولا، ثم طاسته المفضلة ثانيا، وينظف كل شيء أولا بأول، بالتوازي وسريعا.
ثم يحضرني الدرس الثاني الذي دربتني عليه صديقة: اختر عصا التقليب لأنها الرفيق الأكثر التصاقا بديك طوال رحلة الطبخ.
أراجع الخطوات، ألف حوالي نفسي، وأتناول العبوات والأكياس بأطراف أصابعي كأنما أنا راقص باليه.
(كل عروض الكونغفو التي تدربت عليها صغيرا، مازلت راسخة في وجداني، وللمفارقة يدعون الكونغفو كثيرا بالباليه العنيف!)
أضع كميات من العناصر لا أدري إن كانت متناسبة أم لا، بينما أغمض عيني وأبتهل بعمق من داخلي لأن هذا الأكل سيتناوله آخرون من أصدقائي.
أنا من الممكن حال فشل كل شيء أن أنجز ساندويتش جبنة وأن أشرب كوب شاي وسأحس بالرضا التام والسلام الداخلي، وسأسامح العالم أجمع على كل شيء قبل أن آوي للفراش.
أبتهل بينما حسي العسكري الافتراضي الداخلي يرشدني إلى المقادير. روحي تنبأني بأن قليل من الملح مفيد، إلهامي يقول لي أن نفحة فانيليا على اللحمة ستفعل شيئا ما سحريا في المذاق النهائي، تتغشاني أفكار لا أردها حول ضرورة إضافة عنصر أو زيادة مقداره.
يتحول الأمر لحالة من الصفاء التام..نيرفانا..طبخ على وقع همسات السماء.
أتذكر كل الحب الذي أحبه لأصدقائي وأتوسل به لمن في السماء يراقب فعلي.
أضع الأكل على الأرض (أحب أنا وأصدقائي أن نأكل على الأرض وأن نلطخ كل شيء حوالينا، سيما ريموت التلفاز) وأترك للأقدار أن تحدد كل شيء بعد بسملة بدء الطعام.
20 دقيقة تمر، بينما الكل سكارى من روعة الأكل.
أقول أنا قائد عسكري متمرس في المطبخ، أنا غير قابل للانهزام، إلهامات السماء تدعمني.
لكن يدي تنزف مرة أخرى. وأتذكر أن الجحيم بانتظاري في الداخل كي أنظفه!

الجمعة، 21 أكتوبر، 2011

لماذا أتكلم بطريقة شفرية؟




ربما هم محقون: أنا لا أتكلم بطريقة مفهومة تماما أو على نحو واضح.
بالنسبة لي أرى نفسي واضحا جدا، لكني لا أكلم نفسي.
أعيد ترتيب الأمور والملابسات، وأتقصى مسار الجذور فأفهم الأمر بصفاء كامل.
أولا: كنت أحفظ القرآن على يد صديق صوفي يكبرني بنحو 15 عاما، كان يقطع بي طرقة المسجد من أوله لآخره بينما يلقنني آي الكتاب، كان لايقول شيئا أبدا بطريقة مباشرة لأن المباشرة فيها نوع من الصلافة وفيها افتراض لضعف الذكاء الطرف الآخر.
فالقاعدة الأخلاقية تقول أن عليك أن تلفت الآخرين إلى الأشياء برفق وبنحو غير مباشر كي لا تجرحهم.( قل أن الجو بارد اليوم، كي يستنتج فلان أن عليه أن يغلق شباك النافذة)
كان يصحبني دوما لعالم المجاز والحديث المرمز، حيث يتحدث أئمة الصوفية بلغة نصف ملغزة، لغة تشي ولا تحدد، لغة ضنينة شحيحة، تحتاج لمكابدة لفك طلاسمها، فحفظت المقاطع والمتون، وأصبحت هي لغتي في مخاطبة من حولي.
ثانيا: كان وضع أبي تحت المراقبة والتجسس، وكانت رحلاتي له إلى المعتقلات التي يحل عليها واحدا تلو الآخر ، دافعا كبيرا كي أخترع لغة مشفرة أستطيع التواصل بها معه دون أن يستوعب الرقيب حرفا. فكنت أخلط كلماتي بكلمات مهجورة من وحشي اللغة، وأمازجها بألفاظ غريبة من لكنات عربية أخرى، مربكة الوقع الموسيقى على الأذن المصرية،وأعمد إلى خلطها بأنصاف أبيات شعرية باستهلالات أحاديث بكلمات مفتاحية في مواقف شخصية.
أبي بذاته يسمع نصف الجملة من أي شخص ويستنتج نصفها الآخر، إلاي، يسمع أول كلمة فيفهم مرماي فورا.
(ذات مرة هددني الضابط و.ف مسؤول أمن الدولة في معتقل طرة، وقال لي: تحدث بطريقة مفهومة لي وإلا..، فقد كانت الزيارة كلها خاضعة للمراقبة).
ثالثا: أنا بطبعي، أختار من أتواصل معه، ولا أعتبر التحدث مع الآخرين أمرا طبيعيا، ينبغي أن أفكر قبل أن أستهلك نفسي وعمري في الحديث مع شخص تافه أو سخيف او مغير لي أخلاقيا وقيميا (العمر قصير جدا كي أحرق دمي)، ومن ثم كنت دوما أتحدث بطريقة مثيرة للنفور والملل، درءا لاجتذاب المستهلك العام.
رابعا: تعودت مع المقربين مني أن يستوعبوني دون أن أتكلم، ربما لأن كل ما يختلجني يظهر على وجهي بسهولة فائقة، تفهمه القطط في الشوارع وتستنتجه الأسود في الغابات، وتقرأه النسور من أعالي الجبال، ومن ثم لم أجد ضرورة لتطويع اللغة للتعبير بها عن الاحتياجات العادية للآخرين، فالدائرة اللصيقة تستوعبني جدا.
خامسا: لا أركز عادة في حديثي، لأني لا أتكلم مع من أمامي فحسب، بل أخاطب كثيرين غيره (ليس ذنبي أنه لايراهم)، لذا أنا أقول نصف جملة بطريقة نصف مفهومة، ظنا أن كل الحاضرين استنتجوا النصف الثاني، بينما في حقيقة الأمر أنا لا أكلم إلا نفسي.
ومن ثم وبناء على ما سبق، فقد قررت أن أكمل طريقي على نفس النحو، وليفهم من يفهم، وليستغلق الأمر على من يستغلق عليه، فأنا لا أريد الكلام مع كل أصدقائي البشريين في الكوكب الأرضي بنفس المقدار من الرغبة.

الخميس، 20 أكتوبر، 2011

مخبوءات السيد دودي




قلتها مسبقا أكثر من اثنتي عشرة مرة: أكتب لنفسي قبل أن أكتب لغيري.
هنا أدون وأوثق حالات التيه: تيه السعادة وتيه ما سواها، كي أتأمله فيما بعد، ربما أفهم ما جرى.
كتابات علاجية، تتقافز الظباء والغزلان من سطورها، وتمرح الأفيال من حولي، ويناولني بندق فيها صينية بسبوسة،ويعزف ميكي لي فيها على البيانو، أخلق حولي عالما جميلا، أدخره للحظات صعبة.
صغيرا كنت أقوم بفعل غريب.
أخبيء أموالا وأغراض شخصية في ميادين عامة!
كنت أذهب لأقرب ميدان من بيتي، وأدس نقودا تحت حجر معين (ِشبه مخلخل) وأستردها بعد أيام وسط ذهول المارة والواقفين.
كنت أنحني وأتناولها كما لو أنني أتناولها من على منضدة منزلي، دون أن آبه لمن حولي.
ودوما ما أخبيء العسلية والشيكولاتة..أنثرها بصورة غير متجانسة في الأماكن التي يحتمل أن أتعامل فيها بكثافة (أدراج المكتب، دولاب الملابس، حقيبتي، حقيبة صديقي الذي يشاطرني الطريق....) بحيث دوما تكون هناك مفاجآت سعيدة بانتظاري.
وأضبط على هاتفي المحمول رسائل تذكيرية أحدد موعدها بعد شهور قادمة يكون مضمونها عادة رسالة رقيقة أو رسالة داعية للتفاؤل، أوجهها لنفسي.
تخيل أن تجد هاتفك يرن..لتفتح رسالة التذكير فإذاها رسالة مضى عليها 4 شهور: من فضلك ابتسم فكل شيء على سيكون على مايرام.
وعلى نفس الوتيرة، هناك ملفات "ورد" علاجية مثيرة للبهجة أحتفظ بها لأوقات أنا أعرف أنها ليست سهلة.
هناك، أجندة معينة، دونت فيها كل كلمة حب قيلت لي واستوقفتني، أكتب الكلمة وقائلها وتاريخ قولها لي.
هناك مخزون استراتيجي من البهجة أستعين به في اللحظات المرتبكة.
أقرأ الملفات غير المنشورة، أتناول الشيكولاتة المحتمل وجودها في هذا الركن أو ذاك، أسمح لكل الغزلان والشخصيات الكارتونية أن تمتطي الأفيال وتجيء لتغفو بجوار سريري في كسل ودعة، ثم أبدأ رحلة استجمامية قصيرة، عادة ما أقوم فيها بعملية مسح مؤقت لمقاطع معينة من الذاكرة.
لم أقول هذا كله الآن؟
لأنني بالصدفة منذ قليل تعثرت في حجر رصيف شبه مخلخل. فملت كي أعدله حتى لايتعثر فيه سواي، فإذاي أجد جنيها معدنيا هناك.
ابتسمت، وتركته مكانه.
لابد أنه يخص ولدا ما، خبأه هنا كأنه وضعه على منضدة بيته.
وسيكتب مستقبلا لنفسه ملفات بهجة علاجية.

الاثنين، 17 أكتوبر، 2011

انثناءة الخط..لماذا تتبعه القصد الإلهي؟



"الطلة"..هكذا يمكن أن نختصر الومضة الروحية المنبعثة من شخص ما، والتي تتلقاها آلات فك التشفير داخل كل منا، فتترجمها لانطباع ما، لا يلبث أن يصير حقيقة راسخة في وجداننا.
أحيانا تأسرنا صورة شخص ما، أكثر من وجوده هو شخصيا، وأحيانا العكس.(قلة من تتعادل الأمور معهم فيصير حضورهم طاغيا كصورهم أو العكس)
أقول هنا، الصورة بنت إحداثي معين.
(زمن الالتقاط-حالة الشخص حينها-هل يوجد ملائكة عبرت مجال التصوير أثناء الالتقاط أم لا؟-نية المصور نفسه-التناسق اللوني بين الملابس والخلفيات-حركة الجسم- الإرادة الإلهية الكامنة في الأثر المنبعث عن الصورة فيما بعد........)
الرسم—رسم الشخص نفسه، كيف سوى الله خطوطه، فتمايل المستقيم وانثنى حتى تشكلت هذه الهيئة، وحتى استبان ذاك القوام.
هذا الرسم، كأنك تنظر لمن أمامك سيلويت، وهذه الومضة، حين يستحيل كيانا كاملا أمام عينيك، كل هذا..هذا كله.. ما أدعوه اللمسة الإلهية في الروح.. يتجلى الله في المخلوقات يا صفية.
(وما نظرت في عينين سواهما الله إلا ورأيت بصمته).
أحيانا تتكاتف كل الإحداثيات ضدك..لكن بهذه الطريقة؟
بانثناءة الخط في تشكل الهيئة؟ بانبعاثة النور من عينين وديعتين أبدا؟ بمرور ملاكين متقابلين ضاعفا الإضاءة الخفية؟
أنا أشك الآن في أن القصد الإلهي يتتبعني.
حسنا، سأجن أو سأقتل نفسي، أو فلتمح ذاكرتي..كما فعلنا في كل المرات السابقة..فالآن لا أقوى على ذلك يا حسن..الآن لا أقوى يا زينب.

الأحد، 9 أكتوبر، 2011

21 دقيقة وسط الرصاص.. مشاهدات من فتنة ماسبيرو (9-10-2011)

طوال 21 دقيقة وقفتها هنالك، كان هزيم الرصاص يرج القلوب فوق كوبر أكتوبر، هتافات تتردد ونيران تتأجج وحشود تتراجع، وجموع تعيد لم شملها مرة أخرى.
أقباط فقراء (من الذي يحشد كل هؤلاء الفقراء؟) يهرولون تجاه الكوبري، فيما يبدو فرارا من مواجهة محتدمة أمام ماسبيرو، ثم سيارة نقل كبيرة تتحرك بسرعة غير عادية، كأنها تهرب من الجحيم عند ماسبيرو، بينما يحتل ظهرها نحو 30 شابا قبطيا يتوسطهم صليب خشبي عملاق.
شابان قبطيان يقفان خلفي، ويحاولان إجراء عدة مهاتفات (مع ذويهم على ما يبدو)..أسأل أحدهم ما هناك فيقول لي: الجيش ضرب نار..في مصريين كتير أوي ماتوا.
"مصريين كتير أوي ماتوا" يقولها ليوجد أرضية مشتركة من التعاطف بيني وبينه..كأني بحاجة للتأكيد على أن الأقباط مصريين.
"مصريين كتير أوي ماتوا" يقولها كأنه يعتذر عما جرى، معترفا أن الجثامين بالأسفل ضحية خطأ محوري يتقاسم إثمه كثيرون.
كل هذا يجري، بينما مراكب الرحلات القصيرة على ضفاف النيل، مازلت تبث أغانيها الشعبية بمكبرات الصوت البغيضة، كأن لا معركة هناك على بعد 200 متر.
نحو 20 قبطيا يجيئون جريا من عند ما سبيرو، إلى حيث أقف منتظرا صديقي وأطفاله الصغار فوق الكوبري، ولا أستطيع التحرك من مكاني كي ننطلق بأقصى سرعة ، بالصغار قبل أن يفزعوا أو يصيبهم مكروه.
هزيم رصاص
ثم جماعات أقباط يجرون كأن ورائهم الفزع
ثم مكبرات الصوت من المراكب: " في الأول جرجرتك"
سيدة مسيحية نصف بدينة ، في الأربعينات من عمرها، تجري ومعها ابنتها التي لم تكمل العشرين ربيعا، بينما يلحقهم شباب آخرون عليهم علامات الإعياء.
"من خيبتك خدرتك"
يجيء صوت الرصاص من الناحيتين..الخلف والأمام.
أنظر خلفي فإذا أمين الشرطة المسؤول عن إشارة المرور لم يتحرك من مكانه قيد أنملة، رغم ضجيج العراك.
فجأة تبزغ من العدم مركبة عسكرية ضخمة (مدرعة) فتدعو عليهم السيدة المسيحية البدينة: إلهي يتشلوا.
يهرول شاب مسيحي: ولاد الوسخة بيضربوا فينا..أوسخ من الشرطة..أوسخ من الشرطة.
"بقيت تعرف تكدب و بتلعب على جارتك"
تتحرك الدبابة بغضب واضح، كأنها ستسحق كل شيء أمامها، كأن شيئا ما يستفزها من ورائها، لكنها لا تفعل أكثر من المشي بلا وجهة.
وفي مشهد سينمائي بجدارة، تنزلق قدما حصان يجر حنطورا، أمام الدبابة الغاضبة العمياء.
أزيز احتكاك حدوته بالأسفلت يتداخل مع زمجرة المدرعة.
فيقف قائد المدرعة لا يتحرك..يحاول الحصان النهوض..وإشارة المرور متوقفة تماما..كأن كل شيء شل فجأة.
أسمع جلبة، فأرى شابا قبطيا يضع سلاحا أبيض في جيب بنطاله الجينز الخلفي.
"وبقيت تلعب بوكر"
أقفز في سيارة الصديق وأطمئن على الصغار، وندير مفتاح المذياع، بينما في الخلف أقباط فقراء..لا أعرف من حشدهم باسم الدين، يحتجون على ما فعله مسلمون فقراء لا أعرف من أقنعهم أن هدم الكنائس من صحيح الدين.