90s fm

الأحد، 18 نوفمبر 2012

رسالة المواطن 7774


في المعتقل، حمل أبي لقب "المعتقل 26"، وهي تقنية نفسية معروفة، درستها في مادة العلوم السياسية ( فصل الحرب النفسية) في سنتي الجامعية الأولى..استبدل اسم سجينك برقم، اختزل وجوده كله في هذا الرقم، دعه ينسى اسمه، جرد ذاته من ذاته، أنسه ملامح نفسه، دعه يعتقد أن وجوده في هذا الكون لا يعبر عنه إلا هذا الرقم..باعد المسافة بينه وبين إدراكه لذاته، فهو ليس محمد ولا هانيء ولا جون ولا آدم..هو هذا الرقم فحسب..ولم يكن أحد ينادي أبي بغير : 26!

 ( ربما لأجل هذا أناديه لا شعوريا بكل الألقاب التعريفية الممكنة له مخافة أن يكون قد نسى شيئا ما، رغم أن تكوينه النفسي أصلب بكثير من أن يقع في هذا الشرك، فتارة أقول له : أبو أحمد وتارة أبو مازن وتارة أبو حيدر، وأحيانا يا محمد! هكذا بتخفيف لا يأباه هو كشخص كتواضع ولطيف المعشر)


الآن، وقد قطعت بعد سن الرشد 6 سنوات كاملة، متعاملا مع الدولة المصرية (مباركها ومرسيها، وبينهما مجلسها العسكري)، أستطيع أن أقولها قرير العين : هذه ليست دولة وهذا ليس وطنا، هذه لوحة رقمية كبيرة وشاشة معلومات عمياء، هذه الدولة تدركني فحسب كرقم بطاقة ورقم تأمين وكود وظيفي، وباركود لعين يختزل كل هذا عني.

يوما ما لم أحس أن علاقتي بالدولة علاقة في اتجاهين، هي مجرد علاقة تجاه مواطنها الحائز على رقم البطاقة الفلانية أو الرقم التأميني الفلاني ورقم الإعفاء من الخدمة العسكرية الفلاني..كل إدراكها لي ينحصر في دفعي المنتظم لضرائب الدخل وتسديدي لمستحقات الدولة لدى استخراج أي ورقة رسمية..


ذهنية الدولة نفسها تتعامل معي على أنني "مصدر مشاكل محتمل"..كمواطن مشاكس من الممكن أن يقترف جرما مروريا ما، عليه أن يراجع غراماته الافتراضية لدى تجديد الرخصة..أو كشخص متمذهب سياسيا على غير ما يذهب إليه النظام، سواء عصابة مبارك أو جماعة مرسي ( وإن كنت نذر دولة أمن الأخير لم تلح بكامل طاقتها بعد)..

كنت أتلقى النصيحة في كل سفر: اهرب بعيدا عن مبنى السفارة المصرية!وبخيالي الجامح كنت أتخيل دوما جماعة أبي سياف وهي تخطفني، أو تنظيم القاعدة وهو يحتبسني في كهف أفغاني لطيف، أو إف بي آي وهي تحتجزني في الدور ال14 تحت سطح الأرض وتستجوبني (معصوب العينين) : ما علاقتك آهميد بيشايخ آبو آبدوالله الماسري؟


كنت أتخيل نفسي مخطوفا ومحتجزا ومعلقا..وعلى الناحية الأخرى على الهاتف السفير المصري ردوده واحدة..لن يدفع فدية استردادي من أي تنظيم إجرامي..بينما سيقول لهم على الفور في إف بي آي: اتخذوا الإجراءات الحمائية اللازمة معه..أنتم تعرفون جهودنا لمحاربة المتطرفين..نحن نعتذر لكم عن هذا..


كل ما تراه الدولة المصرية أنني مصدر مشاكل محتمل: تريد حجب المواقع الإباحية لأنني منحط سأترك عملي وعلاقاتي الإنسانية وأتفرغ لمشاهدة أفلام البورنو..لذلك "الأخ الأكبر" يعرف مصلحتي أكثر مني وسيحجبها..وتفرض إجراء "فيش وتشبيه" _تتلاشى قيمته كل 3 أشهر تلقائيا- إذا ما حاولت العمل في مكان جديد..لأنني بالضرورة قد أكون قد ارتكبت جرما ما في أحد فصول السنة الأربعة.


وشركات الهواتف المحمولة تسألني لدى إتمام تفعيل خط عن اسم جدي لأمي! (اسم أبو أم حضرتك إيه؟)..

يذهب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو إلى أن الدولة تنظيم عصابي كبير ينشيء كيانات العد والإحصاء، ويحرص على إدراج المواطنين في مشافي ومدارس وسجلات، بغرض إحكام السيطرة وإدراك حجم "النهيبة". الدولة فحسب-وفقا لفوكو- مجرد تنظيم عصابي يحسب الطاقات الانتاجية ل"عدد" المواطنين، ويحسب أنفاسهم وممتلكاتهم والضرائب المستحقة منهم..كي يسهل حسبان المكسب الكلي وتحسينه لصالح العصابة الحاكمة!أتخيل القابع يحكم هذا البلد، وقد استحلنا أمامه على شاشة كبيرة، إلى مجرد شجرة عائلية مرقمة..هذا المواطن 876876 حفيد المواطن 878 وأبن أخت الهارب من العدالة 92923..


أخالني وعامل بريد تعس يجيء لأبي يسلمه 4 آلاف جنيها نظير قضائي نحبي على المحور أو الطريق الدائري..أقول بيني وبين نفسي: لو باعني جزار بالكيلو سيكون ثمني أكثر من 4 آلاف جنيها!

في نقابة الصحفيين، الدولة الأصغر، أحمل الرقم 7774، وهو الرقم الوحيد الذي أحفظه ضمن سلسلة الأرقام التي أحوزها بوصفي مواطنا مصريا وتختزل علاقتي بالوطن، فهو الرقم الأقصر والأكثر دلالة (هذه مهنتي وهذا وجودي وهذا هو كودي الاختزالي المحبب! وبالمصادفة يطابق المقطع الأخير من رقم هاتفي القديم!)..لو قضيت نحبي، أتخيل أبي بعد شهر وهو في قاعة ضخمة من قاعات نقابة الصحفيين كي يتسلم درع ما (شهيد الصحافة أو أي هراء بلاغي من هذا) بينما يقف السيد نقيب الصحفيين قائلا:لقد افتقدنا زميلا عزيزا..وصحفيا فاضلا..مارس المهنة مترسما خطاها الأخلاقية والاحترافية كما يليق بصحفي شريف..حقا لقد افتقدنا الزميل 7774..

الجمعة، 26 أكتوبر 2012

المورق اليانع حسام.. أو ما يقال عنه عام على رحيل حسام تمام


يمر اليوم عامُ بالضبط على رحيل حسام تمام. وفي عام كامل لم تبرحني ذكراه.
ما مرت من طريق إلا ولي معه فيه ذكرى، كأنه اختار أن نمر سويا في كل الطرق. يرحل وينقطع عن دنيانا إلا من علم ينتفع به، وسنين طوال من الذكريات الجميلة.
إنسانيا ومهنيا، حين أستدل على شيء ما في حكاية ما في حجة ما في سياق ما، دوما يكون للأمر علاقة بحسام بطريق أو أخرى.
كتبه التي ألفها، وتلك التي أخذتها منه على سبيل الاستعارة أو هذي التي قرصنتها بسيف الحياء، كلها تصادفني كل يوم كأنها تذكرني بصاحبها.
ربما لأن مجالسة حسام تحفر في وجدانك شيئا، تقودك حتما لشيء ما. 
كان حسام رحلة فكرية مكتملة الأركان..أسطورة جميلة تمت قبل أوان التمام..فكان لابد أن ترحل لعالم آخر غير الذي نحن فيه.
كل شيء من ذكراك عطر..فأي شرف هذا الذي رحلت دونه يا حسام؟
كل ذكراك شجرة ثابتة أصلها في الأرض وفرعها في السماء..ويانعٌ أنت مورقٌ دوما.
لاينال من حضورك، تغييب الدار الآخرة.
أصدقك القول حساما، حين دخلنا محل دفنك، كانت المرة الأولى التي أجد فيها مدافن مطمئنة أقرب للسكينة والابتهاج الهاديء منها للقبض والوحشة.
رحلت إلى ربك وخلفت زوجة شجاعة وقفت معك بكل جسارة بينما تسلم الروح لبارئك رويدا رويدا بتعاقب الشهور والأيام..وتركت أخا يشبهك تماما (الشكلٌ وربما الخلقٌ)، حين وقف في منتصف المسجد يسأل إن كنت مدينا لأحد كي يسد دينك، فعرفت أن هذا البيت بيت كريم الخلق شهم الخلقة أصلا.
رحلت وتركت إخوة لك من غير دم ولا لحم، كلهم يبكوك بحرارة لحظة الفقدان الأولى، وكلهم على نحو ما يدرك أن مثواك ليس إلا في مكان لم تره عين ولم تسمع عنه أذن ولم يخطر بقلب بشر..هكذا يتوارد في نفوسهم جميعا..وما كان الله ليخلف ظن المؤمنين..ما كان الله ليخلف ظن كل هؤلاء!
في سلام ترقد، ويقيني يا صاحبي، أن أجمل ما فيك لم نعرفه قط.
السلام عليك يوم التقيتك ويوم صاحبتك ويوم افتقدتك ويوم تبعث حيا.

الاثنين، 22 أكتوبر 2012

انزلاقة الشنيور..أو ما أدعوه فقه المفك الصليبة



منذ الطفولة والمفك الصليبة دوما يشعرني بأن العالم بخير، وبأن هناك مساحة ممكنة دوما للسلام الداخلي.
انطباق صليبة المفك على أي مسمار "صليبي" الرأس..كان يشعرني أن هناك حلٌ مناسب لكل شيء في هذا الكون، وأن هناك أغراض-بطبيعتها- على وئام ناموسي مع أغراض أخرى.
استقرار رأس المفك البارزة داخل رأس المسمار المجوفة، كان سحريا بالنسبة لي، كان أحجية تكتمل كالمعجزة أمام عيني.
كنت أدير المفك الصليبة فيطاوعه المسمار في خضوع غريب، وأظل أراقب الاستدارات اللولبية على جسم المسمار وهو ينفك رويدا رويدا، بينما لولبيتها ودائريتها تخادعان بصري فيبدو المسمار كما لو كان يستطيل إلى ما لانهاية.
المفك الصليبة كان يشعرني أننا ناجح في جملة المهارات الذكورية المطلوبة من فك وربط وهدم وبناء وتصليح.
وعادة ما كنت أفكك به في التسعينيات، ترسانة الألعاب التي أحضرها لي أبي الثمانينيات ( الأطباق الطائرة والدبابات وباقي عدة الحرب..جنبا إلى جنب مع القطار المذهل الذي كنت امتلكه في طفولتي والذي أثق أنه ستدب فيه الروح يوما ما وينتفض من الصندوق المغبر الذي يقبع فيه، كي ينقلني إلى عالم سحري آخر).
وكانت سنو عمري تسرق مني رويدا رويدا، بينما لا أكن تجاه الأدوات-عموم الأدوات- سوى كراهية العاجز عن استخدامها..
كل الأدوات..سوى المفك الصليبة.
***
بالأمس فقط أمسكت الشنيور للمرة الأولى في حياتي..مستخدما لا مناولا.
أنا أمام الحائط، ومن المفترض أن أزج ب"البنطة" داخل الجدار كي أجري ثقبا محسوب العمق..كي نعلق ستارة ما أو شيئا ما من هذه الأشياء التي تعلق من وقت لآخر..لا أتذكر حقيقة.
التجربة مذهلة، كونية، صاعقة، كاسحة..بالنسبة لي (مهما بدا لك الأمر تافها أو مألوفا)
تحسست الجدار بيسراي وأغمضت عيني، كأني أستبين ذرات الحائط وأخترقها بروحي، كأني أفهم-دفعة واحدة- كيف هي متماسكة وكيف سأخلخلها أنا دون أن أدمرها، ودون أن أعتدي على كبرياء جدار من جدران منزلي الذي يؤيني.
في لمستي، ذبت في الجدار، أحسست بكل بكل مكوناته: طبيعتها، رائحتها، تاريخها، خواصها، تفاعلها، نقاط ضعفها، مشاعرها.
رفعت الشنيور، مستأذنا الجدار أن أشن عدواني المهذب عليه..وضغط إصبعي على زر التشغيل، وزمجر الشنيور في يدي زمجرته المتوعدة.
لامست الجدار برأس البنطة ملامسة رقيقة، ثم تركت له العنان.
كان يدور بانسيابية غريبة، كانت ذرات الحائط تتباعد من تلقاء نفسها، كان الثقب يغور في تناغم مدهش، كان الجدار يتجاوب معي، أكثر مما كان الشنيور يؤدي وظيفته.
أتأملني في وقفتي الثابتة، وذراعي في وضع عمودي، ممسكا شنيور يخترق الجدار، بثقة وتفاهم.
أقول لو كان فرويد هنا لكتب كتابا كاملا عن فقه الأجساد العمودية والاختراقات المنشودة..كان سيقول كلاما كثيرا لن يخرسه إلا هذا الشنيور وأنا أغرسه في عنقه كي يصمت إلى الأبد ويكف عن تصديعنا.
أنتهي من ثقبين في الجدار، بديا لي كما لو أنهما ذابا من تلقاء نفسيهما، وأتأمل الشنيور في يدي كأنما هو مسدس مائي من الطراز الذي كنا نلعب به في طفولتنا.
كانت قيادة طائرة ميراج أسهل بالنسبة لي من استخدام الشنيور..لكن في لحظة بعينها، لحظة التفاهم الكبرى مع الكون/الجدار..يتوائم الشنيور كأنه مفك صليبة باعث على الطمأنينة بأن كل شيء سيأخذ مجراه.

الأحد، 14 أكتوبر 2012

الرأسمالية وتدريبات يوم القيامة..في كواليس المؤسسة العالمية



أقف أمام ماكينة القهوة في الدور الثاني من البناية الضخمة التي تحتل المؤسسة العالمية التي أعمل بها نصفه.
أنتظر دوري في طابور قصير ملول، يخفي الواقفون فيه تذمرهم ،من الانتظار ومن بعضهم البعض، تحت غطاء من اللياقة الاجتماعية التي يمكن أن تكتسبها بالتدريب، ما لم تكن منقوشة في وجدانك.
هنا في هذه البناية، في هذه المؤسسة، في إسار الطابع العام الذي يحكم الأمور..يمكنك أن تعرف كل شيء حول عشرات العاملين معك في القاهرة، وحول الآلاف بامتداد العالم.
إنهم يشربون القهوة أو النيسكافيه في الموعد الفلاني عادة، ويتناولون غدائهم في موعد آخر ثابت، بانضباط فسيولوجي ومزاجي صارم.
لو كنت أحد محللي الأداء الوظيفي لرسمت شكلا بيانيا بالمنحنيات الثلاث: المزاج-الأداء-الرغبات الفسيولوجية، ولبدا الارتباط الوثيق بين ثلاثتهم.
أنا هنا أواجه نفس الضغوط التي يكابدها شاب في مثل سني يعيش في سان فرانسيسكو، يجلس على "لاب توب" مطابق للذي أعمل عليه، شكلا وإمكانات، ولا يفرقهما عن بعضهما البعض سوى ملصق الباركود.
كلانا يواجه أزمات تقنية واحدة، ويظل كابوسه المقيم، ألا يصل تقييمه الوظيفي للدرجة التي يريدها وفقا لمنجزاته المهنية، التي تحسبها عليه برامج إحصاء وتعقب وتحليل فائقة الدقة.
كل نقرة مني على الكيبورد، تعني أنني أتخذ قرارا ما في عملي، ما يؤثر في نهاية المطاف على درجة الإنجاز وجودته، كل نقرة مني، أشبه بمقامرة قدرية حول ما سيؤول إليه تقييمي الوظيفي بعد 3 شهور.
وحين تواجهني مشكلة تقنية ما، يهرع فورا فريق عالمي لتباحثها وحلها..
ينضم إلى نافذة دردشة شباب تقنيون عباقرة..من الصين وإيطاليا وأمريكا..ودول كثيرة بينهما على الخريطة.
كل مرة أواجه فيها مشكلة تقنية..ينضم إلي هؤلاء جميعا..فأحس أنني أتباحث إصلاح الكون نفسه، لا أخوض مجرد دردشة عملية حول عطب فني في حسابي العالمي داخل هذه الشبكة العملاقة.
جميعهم يواجهون كوابيس تقنية شبيهة بما أواجه، وكلهم تقريبا يخضعون لنفس الضغوط، ونفس المميزات..
كلهم يتلقون رسائل البريد الإليكتروني التبشيرية التي ترسلها الإدارة الأم..حول مستقبل أفضل للعاملين في هذا الكيان.
وكلهم لديهم أهداف مرحة على نحو ما..أو هكذا يمكنك أن تتخيل إذا ما تصفحت صورهم الشخصية المدرجة في ملفاتهم المتاحة على شبكة داخلية عملاقة.
أتخيل زميلا صينيا يدعى "لي" مثلا، ينتظر إنهاء وردية عمله كي يمرح مع زميلته..في حين يبدأ زميلي الإنجليزي "آدم" ورديته بعدما قضى نوبة مرحه مع صديقته..في مشهد درامي تلعب فيه خطوط الطول ودوائر العرض وفروق التوقيت، دورا فنيا فوق المدهش.
أخالني وقد صرت شبيها بأشباهي من سائر موظفي المؤسسة العملاقة حول العالم.
نمتلك نفس البطاقات الممغنطة التي تفتح أبواب المكاتب والطرقات..نمتلك نفس جهاز اللابتوب..ونفس "مولًد" كلمة السر النقال..ونفس الحقائب التي تحمل شعار المؤسسة..ونفس الأيقونات الصغيرة..
الجميع يتنقل داخل نطاق دخل شهري بعينه، يجعلنا نشتري ملابسنا وأحذيتنا من محال بعينها، بالأحرى من أفرع هذه المحال، بحيث نصير في نهاية المطاف محشورين داخل أزياء وتصميمات بعينها..
نفس الموظفين يشترون من نفس الأفرع بنفس الأسعار حول العالم..
ويعضد الأمر رغبة التشابه داخل الجماعة الإنسانية..
فيحتذى البعض "لوك" البعض الآخر..وهكذا نصير جميعا نسخا مستنسخة..
أنظر إلينا (ها قد صرت أحدهم وأقول "إلينا"!) من زاوية منظور الطائر..بينما نسير كالروبوتات الآلية..
نجلس على المكاتب البنتاجونية التكوين (خماسية الأضلاع كلها)..نشرب القهوة في مواعيد بعينها، فنذهب لدورات المياه في مواعيد متزامنة تقريبا، ويترافق أداؤنا الحيوي مع انبساطنا المزاجي..وفي نهاية اليوم، نصل لنفس الدرجة من الإرهاق، ويجتاحنا نفس القدر من التوتر..لننتظر في نهاية الربع السنوي، تقييما دقيقا، يرتكز على أرقام وإحصاءات وشهادات مدراؤك وزوملاؤك..ولسان حال تقريرك يقول "اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا"..
لأول مرة أحس أن الرأسمالية تدربني على وقفة يوم الدين!

الاثنين، 10 سبتمبر 2012

عسليولوجي..مقدمة في علم العسلية

اعلم يارعاك الله أن لاختيار عسليتك المفضلة أصول وضوابط تعاقدت على إبانتها الذائقة السليمة والفطرة السوية والنزوع الحميد.
هنا دليل عملي كيف تختار عسليتك :
أولا: هل تحبها بسمسم أم بدون سمسم؟ إذا كنت تحب الطراز السمسمي، فعليك باختيار نوع من اثنين، إما العسلية اللينة القوام، وهي التي تباع في أنفاق محطة مترو العتبة، وفي أول شارع الأزهر، وهذه تناسب من يعانون أوجاع الأسنان المؤقتة ذلك أنها غير مؤذية في القضم، كما لا تتسلل إلى نقاط تسوس الضروس (هذا في حالة آكل العسلية المخضرم الذي تسوست ضروسه كاملة).
 أو أن تختار النوع الأجود، إذا كنت تأكل العسلية كضابط مزاج وأمر مثير للبهجة وباعث على الوقار، وهو النوع الذي روعي فيه أن يكون أقرب للتحميص، مع غزارة وكفاءة في توزيع السمسم على جسم العسلية.
ويمكنك تمييز كل منهما بتحسس الكيس، وملكة التمييز ستنمو لديك تدريجيا، حتى تميز العسلية بمجرد النظر دون اللمس.
أما إذا كانت تفضلها بدون سمسم، فعليك مراعاة اختيار النوع الذي يبدو أقرب للبياض ويبدو كما لو كان منثورا عليه شيء يشبه الدقيق، لأنه يحفظ العسلية أن تسيح فتلتصق بالكيس البلاستيكي الذي يحفظها.
وفي هذه الحالة أوصي بعسلية العتبة (الميدان والمحطة)، وبعسلية الرجل الهاديء المطمئن الذي يرتدي جلبابا أبيض ويبتسم طوال اليوم ويجلس على ناصية شارع طلعت حرب ويبدو من أولياء الله الصالحين.
ثاينا: درجة التأثير المرجوة: هل تريد عسلية لأجل التسرية السريعة والمتعة المختلسة؟ اختر النوع اللين وعلسيات مقالي اللب الأنظف والأقل في قدرتها التأثيرية.
أما إذا كانت من متعاطي العسلية لدوافع ضبط الحالة المزاجية، فعليك بالبحث عن العسلية المصنعة من عسل مصانع نجع حمادي وبقية عسل قصب السكري الصعيدي، حيث تعمل درجة التكثيف العسلي الذي يراعى ضبط مقاديره في وحدات العسلية، على ضبط المزاج بصورة توازي احتساء فنجاني قهوة من الفصيل المركز جدا. ( ركز دوما في قراءة الملصقات الرخيصة في أكياس العسلية حيث تخبرك بتاريخ صناعتها ومكان صناعتها).
ثالثا: نطاقك السكني: هل تسكن في 6 أكتوبر أو العبور أو أي من المناطق التي تتتاخم نقاط صحراوية؟ عليك باختيار عسليات المقالي، لأن تغليفها أفضل، لأنه في حالتك الجغرافية مالم تكن العسلية مغلفة جيدا، ستجتذب أسراب لانهائية من النمل الفارسي المتوحش. لذا راعي الظروف البيئية لدى اختيار نوعك المفضل.
رابعا: هل تجلس بمفردك في حالة مزاجية سيئة؟ إذا عليك بكيس العسلية الشوارعي الرخيص الذي يباع لقاء 50 قرشا فقط.
تحسس السمسم أولا قبل وضع وحدة العسلية كاملة في فمك..امضغ العسلية بتلذذ واستمتاع، مص اصابعك من اثر السمسم، اثقب الكيس وتناول السمسم المتخلف عن العسلية في الكيس، لا تغسل فمك، اترك نفسك كالأهبل قليلا بينما يحيط السمسم فمك. ثم نم مكانك مستمتعا بسريان الأثر السكري للعسلية في بدنك، حاملا البهجة والسعادة وما لايمكن للكلمات أن تختزله أبدا.

الجمعة، 7 سبتمبر 2012

دليل الحيران في الرد على ردود الإخوان

عزيزي عضو تنظيم الإخوان المسلمين..
إيماء إلى جملة أسئلتك وردودك المتكررة في كل المحافل الإلكترونية، والتي باتت محل تندر عام، أود أن أجيبك عنها في إطار علاقة المصارحة التي تفرضها علي علاقات: الجيرة والعشرة والجنسية (أنا مصري مش فلسطيني على فكرة).
أولا: ردا على سؤالك حول انتقادنا "بعض" تصرفات مرسي: "وكنتوا ساكتين ليه أيام مبارك؟".. يا عزيزي أيام مبارك كنا نهتف في التسعينات (يا مبارك يا جبان يا عميل الأمريكان) وكنتم تهتفون بأمر قياداتكم : (يا مبارك ليه تستنى وإنت معاك أحفاد البنا).
وفي 2008، كنا نقف معكم في نفس المظاهرات نهتف ضد تواطؤ مبارك على ضرب غزة (الحتة الغالية عليكم)، وكنت تسكتون تماما حين نتعرض له، وحين ننظر إليكم مندهشين متسائلين (سكتوا ليه؟) كنتم تقولوا : الإمام البنا نهى عن التجريح في الهيئات والأشخاص يا أخي!
ثانيا: ردا على سؤالك: لماذا تلتفتون إلى الجوانب السلبية في رئاسة مرسي؟ يا عزيزي نحن لسنا أولاد خالته. نحن مواطنون ونمارس سلطتنا الرقابية على الرئيس، وهي التجربة التي دشنت نفسها في نهايات حقبة مبارك على شبكة الانترنت بصورة أعنف بكثير مما يجري. فمازال الإيقاع العام هو تلمس الأعذار لمرسي وترقب خطواته، بشيء من العقلانية..لا احتفاء في غير موضعه، ولا مساندة بلا علة تنظيمية!
مرسي يدرك أكثر منك أن صدفة طائشة، تعاقدت عليها أقدرا إلهية، واستكمل إتمامها أصوات النكاية في شفيق، جاءت به إلى موقعه..الرجل يجتهد، دعه يجتهد ودعه يقيل عثرات نفسه بنفسه.
عزيزي انت بمفردك من تستعد للدفاع عن تحويل دفة الاقتصاد المصري للاعتماد على زراعة ثمار الحرنكش الكاروهات..أما أنا فمن حقي مناقشة "رئيس" مصر ومحاسبته في كل خطوة تمس هذا الوطن..حتى لو كانت هذه الخطوة هي اعتقال أفراد من جماعة الإخوان المسلمين!
ثالثا: تساؤلك الدائم حول سلوك حمدين صباحي وتصريحاته، وسخريتك من مجمل ما يقول ، لا يعكس سوى أنك ترى فيه المنافس والوريث الأقوى لنظام الإخوان ولمرسي شخصيا. فلا تعتقد أننا معه في كل ما يقول، ولا تعتقد أنه ليس محل نقد. فقط دع عنك "بعبع" أننا نتربص بكم وبالمشروع الإسلامي (لن أتكلم عن مشروع النهضة الآن وسأترفق بك وسأفصله عن المشروع الإسلامي مؤقتا). فنحن لسنا الهيئة العليا لحركة الكفار الجدد.ولا نجتمع في كهوف مظلمة كي نمزق المصاحف ونتباحث كيفية اسقاط حكم الإخوان المسلمين.
ملحوظة: لا تعتقد أن كل من هو ضدك هو "يساري"..هذا اختزال مخل بالعالم يا عزيزي، فهناك أشرار كثيرون يملأون هذه الدنيا بخلاف اليسار.

رابعا: جملتك الشهيرة السخيفة : "أنا مش إخوان بس"..كنت عضوا أو متعاطفا أو متولها في أسطورة الجيل القرآني الفريد، فإن هذا لن يضعك تحت طائلة مراقبة أمن الدولة..صدق يا عزيزي أن مبارك غار، وأن أخا لك في التنظيم يحكم الآن مصر..وكفى خوفا وولولة. إذا لم تكن إخوان، فلماذا تبدو أحمقا لهذا الحد في دفاعك غير المبرر؟ لماذا أنت مستعد لتبرير تطبيع العلاقات مع روسيا بوصف إن تلجها حلو وممكن نحطه في عصير القصب؟ ومستعد لتفهم زيارة مرسي للبرازيل عشان القهوة المتحوجة ترجع متحوجة زي زمان؟ ومستعد للتهليل لصفقة استيراد بطاريق من القطب الشمالي بوصفها أرخص من الفراخ البيضا؟ عزيزي شكلك أرعن للغاية..كف عن هذا واسترجل وقل أنا إخوان..وواجه العالم.
أنا أعرف أنك تتخيل أن الصحفيين مجرد مرتزقة مضللين، يتصيدون أنصاف التصريحات، ويزيغون بالمعاني بعيدا عن المرامي، ويجتزأون من السياق، ويطرحون أسئلة استشرافية مستفزة.
أنا أعرف أنك تكره جهاز التسجيل الصغير الذي يحمله الصحفيون، وتكره الكاميرا الديجيتال التي يرفعون  مقاطعها المصورة على يوتويب، وتكره حضورهم في ندواتكم. لكن حقيقة الأمر وطبائع الحياة، تقول أنكم كأي جماعة إنسانية "ستهلفطون كثيرا" وسيوثق الصحفيون هذه الهلفطة.
العالم فوضوي بأكثر مما تعتقدون، وربانية الدعوة أمر يعتمل في مخيلتكم فحسب، أما على أرض الواقع، فشيطانية النازع تتاخم الربانية المتخيلة، وتخالج النفوس، وأنت تحفظ يا أخي وتعرف أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من العروق.
ولعمرك وعمر مرشدك وشاطرك أيها الأخ الكريم في "الجماعة" لا يوجد في مصر 10 صحفيين يمكنهم أن يقوموا بكل هذه المهارات البهلوانية ضد تنظيمك.

عزيزي عضو التنظيم، أنا لا أكرهك ولا أكره المشروع الإسلامي (وأنا الآن أنتظر أن تشرحه لي لأني لم أستوعب مشروع النهضة الذي يبدو كسراب بقيعة)..أنا صديقك العزيز الذي يصلي بجوارك العشاء في المسجد بعدما يعود منهكا من يوم عمل طويل..
الفارق بيني وبينك أنني لا أكون أفكاري بناء على تعميمات أسرتك في التنظيم.
ولا أعتقد أن المشروع الإسلامي، هو ما قال عنه خيرت الشاطر (جاء بمشاركة 1000 خبير) فأنا أقلق دوما من الأرقام الصحيحة! أنا فقط لا أعتقد أن خيرت الشاطر من المبشرين بالجنة، ولا أطمح أن يكون في النار.
فقط فليراقب استثماراته وسوبر ماركتاته، وسلسلة محال الملابس الشهيرة التي يقال أنها مملوكة له والتي تبيع للنساء ملابس لا توافق الشريعة الإسلامية!

الأحد، 2 سبتمبر 2012

لماذا قد يبدو المؤمن متعاليا؟ عن ذوبان الجدار بين النفسي والإيماني


دون تجاهل الخيط الرفيع الفاصل بين النفسي والإيماني، يلح السؤال-بقسوة:
  لماذا يبدو المتدينون واثقون بأنفسهم لهذا الحد؟

الإجابة مختمرة في ذهني نوعا ما، لكن إجلائها لفظيا، يبدو أمرا معقدا نوعا ما أيضا.

والنقطة التي أنطلق منها، ليس التشكيك ولا الذم في الإيماني وما يتبعه سلوكيا. بل التمعن في الجدار الواهي الذي يفصل بين قابلية الصفة الإيمانية للتحول إلى عرض نفسي.

أتحدث عن علاقة التمثل التي تحدث بين الأب وابنه والتلميذ ومدرسه والمرؤوس ومديره، وهي نقطة خطيرة ما لم ينتبه إليها المؤمن/السائر، يسبغ على نفسه من صفات مولاه..يصير رأيه صوابا مطلقا، ويتعامل بأبوية فوقية نوعا ما.
الإيمان مدهش..مدهش جدا.


بعد الوضوء دوما أحسني نقيا أكثر من أي مخلوق أرضي، بعد الصلاة دوما أحسني ممشوق القوام عريض الصدر أتنفس هواء نقيا، بعد قراءة القرآن أحسني أتكلم بلهجة تقطر كبرياء مغلفا، وتتسم بتوازن غريب. أحس أن الأرضي الصغير الضعيف، يتحول لإله صغير على مستوى الصفة البشرية.
ولابد أن هناك علاقة ما، تضفي على السلوك البيولوجي (صلاة ووضوءا وقراءة لكلام تعتقد مقدسا)، مسحة سيكولوجية بعينها. وهو ما أميل للتفرقة فيه بين الأثر كناتج عن التجلي الإلهي في الحالة الإيمانية، وبين الأثر كناتج نفسي لممارسة بيولوجية ذات طبائع معينة..أي أفرق بين التجلي النوراني، والاستلهام البشري لحالة بعينها واستنزالها وفق قانون صارم تقريبا (الصلاة=ثقة، مثلا).

هناك شيء ما وفق المتعارف عليه إيمانيا، يحل على المؤمن في ممارسته إيمانه، أو فلنقل في تماهيه مع إيمانه وذوبانه فيه، هناك بركات تحل، وسمت ما يتغشى المؤمن (النور والاطمئنان والفراسة والقوة والثقة) وهي معان أكدت عليها أحاديث نبوية شريفة، كلها تتجاذب المؤمن روحا وجسدا، حين يتماهى في إيمانه.
وسؤالي هنا، كيف يتنحى الحد الفاصل بين ربانية التجلي-وفق المنصوص الإيماني- ليفسح المجال أمام درجة من الاستعلاء النفسي؟

أعيد فكرتي مرة أخرى: أنا أنطلق من افتراض أن الطاعة والإيمان تضع لمسة ما على الإنسان، لمسة من عزة وشموخ وثقة واطمئنان..فكيف ب"الصفة" في (إيمانية) وعائها تستحيل إلى "سلوك" في (بشرية) ظهوره؟
كيف تتحول العزة-بالله- إلى "استعلاء" على خلق الله؟ كيف يثق السلفي-مثلا- أنه على الصواب وأن الباقين مجرد أطفال طائشين ضلوا في الطريق؟

وكيف يتحول إطمئنانك إلى جانب الله، إلى اعتبار أن الآخرين في خطر محدق، لأنهم فقط ليسوا على نفس طريقك ولم يمسسهم الاجتباء الإلهي الذي يحاديك؟
أرتد إلى المصطلح الصوفي هنا..


السائر..أو المؤمن المجتهد في الإيمانية والعبودية، كأنما يسير على خط بعينه في "الطريق إلى الله"..هذا السائر دوما ما تعتريه نكبات وعثرات في الطريق، وبمقدار ما يقطع من أشواط، سليم النية، بمقدار ما تكون درجته.
هنا، كيف يتحول السائر في نصف الطريق، ويحيد عن القصد الإلهي، فيصبح هو "الإله" إلا قليلا..
وكيف يستحيل رصيد التجلي الإلهي فيه، من نورانية وكشف واستقراء للأمور والحوادث والمستقبل، بغتة، إلى مجرد صفة أرضية كائنة فيه أصلا؟

كيف يعزو الفضل الإلهي فيه، إلى الصفة الأرضية في ذاته، فيصير متألها متعاليا؟
كيف يحيد في منتصف الطريق، فيتمثل إلهه نفسيا، ويعتقد-لاشعوريا- أنه معبر عنه بدرجة ما أونه متحدث رسمي باسم الله، وأنه تحت رعاية جلالة الملك! لكنه في الوقت ذاته ينشق وينفصل ويستقل عن جلالته!

كيف يصير ملكيا أكثر من الملك؟ وكيف يثور ويغضب لأجل حد إلهي منتهك، بينما الله نفسه-ربما- لا يقع الأمر عنده نفس الموقع( ففي العلم الإلهي ووفق الصورة التي رسمتها لنا الأحاديث والسير عن ذات الحق، لا يمكن الإحاطة ب"رد فعله" حيال الخاطيء العاصي، فربما يتوب عليه وربما يحبه وربما يخسف به، كل الاحتمالات قائمة )
هنا أسأل بوضوح: كيف يحيد المؤمن/السائر عن النور الإلهي، فيصير مجرد طفل أحمق، يمسك عصا مدرسه ويقلده في غيابه، دون أن يكون قد ألم بالدرس!

الجمعة، 27 يوليو 2012

المنطق والتماسك والتخفي ( عن الإحباط وما هو ضده)


الأمر ببساطة، أنني في هذه التدوينة، أحاول دعم نفسي، ودعم آخرين يشبهونني. (هذه ليست تدوينة لكنه مانفيستو ضد العالم).
أنا اليوم أدافع عن الطفل داخل كل من هو شبههي وكل من أنا شبهه. (هذه تدوينة تبرر الفشل وتمنطقه، ولا تتورع عن التلويح بأنياب – وإن كانت لبنية- في وجه هؤلاء القساة القلوب الغلاظ الأكباد الذين يحيطون بنا).

المنطق: لماذا لا أرد أحيانا ردودا منطقية رغم امتلاكي زمام الأمر؟ لماذا لا أفعلها وأنا على كامل المقدرة من تفنيد كلام/مزاعم كل من نطق في وجههي أو من ورائي؟ لماذا أرد ردودا التفافية بعيدة عن جوهر وصلب المشكلة.
للأسف، هو الخجل الطفولي، من أن تنتصر. بل بالأحرى، هو خجل أن ينهزم أحد ما على يديك أنت.

الحس الأخلاقي التي بذرته فينا يدٌ مدت من العدم السحيق، لنظل الأطفال الأتعس مطلقا، ثم الشباب الأتعس مطلقا، وربما إذا لم نصل لتوازنات نفسية من طراز معين، سنصير الشيوخ الأتعس مطلقا.
نخجل من التكريم ومن الإعجاب ومن النوم منتصرين. كما لانجيد التعامل مع من يطرحون أنفسهم كعقلانيين متزنين، بينما عقلانيتهم الظاهرة وقدرتهم على الإلمام الدنيوي بمجامع الأمور، هي الشاهد الأكبر على خرابهم الداخلي.

التماسك: لماذا لا أكتب ولا أتكلم كثيرا عن نحو متماسك، لماذا أتحرك يمنة ويسرة وأجوب الأجواء بلا رادع ولا ضابط؟ لماذا أفترض أن الآخرين معي على نفس موجة البث؟
حين يركز العاقل الواعي الداهية الذي بداخلي، وحين ينفصل عني كي يصارحني كيف أبدو: يقول لي أنني متعثرُ في الحديث، متلعثم في ترتيب الوقائع، مشتت في ذكر الأخبار، أميل لاجتزاء الحكايا، وأكملها بأنصاف وقائع أو هواجس أو حقائق أخرى. (نهاية المطاف : أنا أحكي خوالجي، مخلوطة بما حدث، وبما توقعت حدوثه، وبما أحسه مستقبلا، هو خليط غير أمين، ولا يزعم أنه أمين، لكني لا أستطيع كبح جماح الفوضوي –بداخلي- و الذي لا يدرك شفرته إلاه).
هذا المهلهل، هو الاختيار الطوعي الذي حسمته، كي لا أشقى بمظهر أولئك الذين يجيدون السير على الخطى.
أنا لا أفترض أن التقدم أو النجاح هو أن تسير على خط مستقيم واحد، في خطوة تستلمها خطوة أخرى. بل لكل بصمته، وأنا من الذين يجوبون حول أنفسهم ويثبتون في مكانهم طويلا، ثم يقفزون إلى الثريا ومنها إلى جيبوتي ثم كولومبيا ثم ركن الغرفة المنزوي. لا أفترض سيرا، ولا فرض الله علي خطا بعينه أنتهجه.( خلقني بأخلاق الملائكة السائحين الطوافين، ولم يخلقني بأخلاق الملائكة ذوي المهام المحددة كعزرائيل قابض الأرواح، أو هكذا أظن).

التخفي: لماذا كثيرا ما أتظاهر بأنني مرتبك، ولماذا أمعن في إرباك نفسي؟ لماذا أصر على ألا يتبين أحد كل رباطة الجأش التي رسختها يدٌ قدريةٌ بداخلي؟
أنا أفكر بصورة متوازية، وفي أكثر من شيء في نفس الوقت، وأتحكم في كل شيء في جسمي. (كل ذلك حين أكون بمفردي). لكن حين الأمر على الملأ، أستحي من كل هذا.

لا أعرف هل هو أمر أخلاقي أم هو غير ذلك، لكن ما أوقن به، أنني حين أسير في الشارع، أبطيء السير إذا ما صادفت شخصا به أذى ما في جسمه (شلل أو عرج أو ما سواه مما يعتري الجسم في الرحلة الأرضية الوجيزة). وأتذكر أنني كنت ألعثم شفتي في الكلام حين كنت أناقش زميلي الذي يعاني حالة تلعثم متقدمة، كي لا أعمق إحساسه بأزمته.

الخطيئة المحببة كرها: أقترف خطايا ما عن عمد، كي أصير عاديا في عيون الآخرين، كي أصير في المتوسط الطبيعي العام. الأمر لا يعني أنني خالص من كل شائبة، أنا فقط أقترف خطايا من طراز مختلف عما هو شائع..لكن من سيقتنع بهذا؟ اخطيء مثلما يخطئون كي لا أصير مصدر إزعاج دائم لمدمني التشابه.
أحيانا أخطيء كي نتساوى أخلاقيا أنا ومن أمامي، وكي لا أتركه في قاع سحيقة يتضاءل فيها أمام نفسه بخئطه هذا. لكن للأسف، أحيانا نجعل المعروف في غير أهله، فيعتقدون أننا الخطاءون وأنهم التوابون.
أترك سهاما تنال مني كي تتوازن الأمور، وحتى حين أكتب كل ما هو فوق هذا السطر، لا أكتبه من باب التباهي ولا الإغاظة، بل لأن نواقصه، ستبرر لموتورين ولضعيفي فهم سقيمي روح، كل ما يعتمل بداخلهم تجاهي/تجاهنا.
(أنا حزين اليوم، كما لم يكن الأمر من قبل)..هناك شيء ثقيل جاثم على صدري، وكآبة محدقة بي من كل صوب.

 (أحس للمرة الأولى في عمري، أنني يمكن أن أموت حقا، وأنه من الممكن أن ينهي ميكروباص مسرع حياتي في أقل من 30 ثانية. لتظل أفيالي في غرفتي بلا أحد يرعاها، ولتتعفن عسليتي في مخابئها السرية، وليصادر جوجل هذا البلوج بعد بلوغ أكثر من عام على عدم دخول صاحبه). أحس الآن نغزا خفيفا في أصابع قدمي اليمنى.